وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] .
٧٢: ١١٠ قال الشيخ أثابه الله: وجزم المؤلف بأن الاستعاذة بغير الله شرك. لكن إذا استعاذ الإنسان بإنسان آخر فيما يقدر عليه فيجوز ذلك، ويسمى استجارة. أما ما لا يقدر الإنسان عليه فلا يجوز الاستعاذة به. فالحاصل أن الاستعاذة عبادة، وإذا كانت عبادة فإن صرفها إلى غير الله شرك.
ومفهوم ذلك –تبويب المؤلف-: ومن التوحيد الاستعاذة بالله.
المستعيد به: هو الإنسان.
المُستعاذ به: هو الله تعالى.
المستعاذ منه: المخاوف.
والاستعاذة تعظيم لأن المستعيذ يشعر بالخوف فليجأ إلى المستعاذ به حتى ينصره ويحفظه، وهذا هو التعظيم بعينه والتعظيم عبادة.
والمستعيذ في الحقيقة ضعيف لأنه يشعر بعجزه بنفسه، فلذلك
[ ٤٠ ]
يلجأ إلى ربه، ويصاحب الاستعاذة ذل وخوف واستكانة، فلا يصلح ذلك إلا لله تعالى.
مستعيذ: هو الإنسان. ومستعاذ به: وهو الله. ومستعاذ منه: وهي الشرور وصيغته استعاذة. فهذه أربعة أمور.
قال الشيخ أثابه الله: الاستعاذة إما أن تكون من الأعداء. كقوله تعالى: ﴿وآيات غيرها.
والسنة: "أعوذ بك من قهر الرجال".
وإما أن تكون استعاذة من الشرور كقوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ فهذه استعاذة من شر. وكقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . وفي السنة: "أعوذ بك من المغرم والمأثم" وحديث: "أعوذ بك أن أزل أو أُزل أو أضل أو أُضلّ " فهذه استعاذة من شرور.
[﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾]
[٢ حاشية: زادته رهقًا وهو الطغيان] .
قال الشيخ أثابه الله: وفي قولٍ أن معنى ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي أن الجن ازدادوا تكبرًاُ على الإنس لكن الأقرب أن المعنى زادوهم خوفًا.
وقد يكون معنى "رهقًا" أنهم زادوهم شركًا إلى شركهم.
* * *
٧٣: ١١١ [وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" رواه مسلم] .
[ ٤١ ]
قال الشيخ أثابه الله: الاستعاذة بكلماته استعاذة به، واستدل الإمام أحمد رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق. وقال إن المخلوق لا يستعاذ به –ولا شك أنها حجة قوية- ووردت الاستعاذة بوجه الله وبعزة الله.
من استعاذ بلسانه دون أن يتفكر بقلبه في معنى استعاذته لم تنفعه تلك الاستعاذة، لكن إذا تفكر بقلبه فيما قاله بلسانه فهناك إن شاء الله يرى أثر استعاذته، وهؤلاء الذين يأتون إلى القبور ويدعون الأموات فلا شك أنهم يستعيذون بأصحابها، ولو لم ينطق بكلمة "أعوذ" فإن قوله: أنا في حمايتك يا فلان. معناه أعوذ بك يا فلان، فليس الشأن فقط في ذكر لفظ الاستعاذة، وعلى ذلك فمن استعاذ بالله تعالى فعليه أن يستحضر معنى الاستعاذة.
يرحل: في صحيح مسلم "يرتحل".
* * *
[ ٤٢ ]