[قال أحمد: حدّثنا محمد بن جعفر حدّثنا عَوف عن حَيَّان ابن العَلَاء حدثنا قَطن بن قَبِيْصة عن أبيه أنه سمع النبي -ﷺ- قال: "إن العِيَافَة والطَّرْق والطِّيَرة من الجِبْت" قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يُخط بالأرض] .
قال الشيخ أثابه الله: عوف هو الأعرابي ابن أبي جميلة، وهو مشهور بعلم اللغة ولذلك استشهد بتفسيره لهذه الكلمات. وذكر المؤلف الحديث بإسناده لما فيه من التفسير.
[ ٧٦ ]
وقال أثابه الله: "إن العيافة والطيرة من الجبت" -هذا وجه الدلالة: أي أن هذه الثلاثة من الجبت. وقد تقدم في الباب قبله أن الجبت هو السحر.
والطرق: اشتقاقه من الطرق، وهو الإتيان ليلًا، ومنه قول جرير:
طرقتك صائدة القلوب فليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام
ومثل الخط في الأرض الرمي بالحصا يأتي أحدهم إلى الكاهن فيستشيره.
* * *
١٤٥: ١٩٦ [والجبت: قال الحسن: "رنة الشيطان". إسناده جيد ] .
قال الشيخ أثابه الله: هذه الكلمة فيها إشكال، ولذلك قال الشارح الأول الشيخ سليمان -﵀-: لم أجد فيها كلامًا. على سعة اطلاعه.
أما الشيخ عبد الرحمن بن حسن الشارح الثاني "صاحب فتح المجيد" -﵀- فقال: للشيطان رنات -رنة عندما لعن، ورنة عندما أخرج من الجنة، ورنة عندما ولد محمد، ورنة عندما أنزلت الفاتحة.
وقد ذُكرت هذه الرنات في عدة أحاديث، والمراد برنة الشيطان صياحه.
ويظهر أن في الكلمة تصحيف، فرجعنا إلى مسند أحمد فوجدنا بدل الراء الفاء وبدل التاء المربوطة هاء. فقراءتها في المسند: "الجبت قال الحسن أنه الشيطان". وهذا هو الأقرب أن الجبت هو
[ ٧٧ ]
الشيطان، فتفسير الحسن أن الجبت هو الشيطان أقرب. والحاصل أن الجبت هو الشيطان، ويفسر أيضًا بأنه من عمل الشيطان.
وأصل الجبت لغة: الشيء الفسِل، وهو الشيء الذي لا خير فيه.
* * *
١٤٦: ١٩٧ [وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زادَ ما زادَ" رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح] .
قال الشيخ أثابه الله: اقتبس: اقتطع يعني قطع.
وعلم التنجيم نوعان: علم تأثير، وعلم تسيير، والمراد هنا علم التأثير.
أما كيف يكون التنجيم سحرًا. فيقال أن الشياطين يوحون إلى أولياءهم من السحرة إلى أن التقاء النجمين الفلانيين يُحدِث زلزالًا، والتقاء النجمين الآخرين يحدث كذا وكذا.
والسحر له علاقة بعلم التنجيم وتعريفه: "هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية". وقد توسع ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "مفتاح دار السعادة" في الرد على المنجمين.
* * *
١٤٧: ١٩٨ [وللنسائي من حديث أبي هريرة -﵁-: "من عقد عُقدة ثم نفث فيها فقد سَحَر، ومن سحر فقد أشرك"] .
قال الشيخ أثابه الله: النفث في العقد هو أكبر عمل السحرة. وقد تكلم ابن القيم على ذلك في تفسير المعوذتين عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] . وإذا نفث الساحر في العقدة أو
[ ٧٨ ]
العقد فإنه يسمي الضرر الذي يريده، ويسمي الشخص الذي يريد أن يسحره، وعندما ينفث الساحر فإنه نفَسَه يكون مليئًا بالشر.
وإنما كان الساحر مشركًا لأنه قد عبد الشيطان وعظّمه، وأعظم الشرك شرك العبادة.
* * *
١٤٨: ١٩٩ [" ومَنْ تعلَّقَ شيئًا وُكل إليه" وعن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "ألا هل أنبئكم ما العَضه؟ هي: النميمة القالةُ بين الناس" رواه مسلم] .
قال الشيخ أثابه الله: التعلق تعلقان تعلق بالقلب، وتعلق بالفعل، كمن يعلق على بدنه حروزًا.
العضة: على وزن "الوجه" بالفتح وعلى وزن "العِدة" بالكسر.
الذين قالوا: العِضة قالوا لأنه أنثها فقال: هي. لكن العرب تسمي العرب العَضه لأن النميمة تفسد كما يفسد السحر.
وممن تكلم على بشاعة النميمة وضررها ابن مفلح في الآداب الشرعية. ولا يقال أن النميمة شرك لا في الأقوال ولا في الاعتقادات، بل هي ذنب من أكبر الذنوب وأعظمها فسادًا.
رُوي عن بعض السلف أنه قال: يفسد النمام في ساعة ما يفسد الساحر في سنة.
* * *
١٤٩: ١٩٩ [ولهما عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ- قال: "إن من البيان لسحرًا"] .
قال الشيخ أثابه الله: والبيان من نعم الله تعالى على عباده قال
[ ٧٩ ]
تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣-٤] فلا شك أنه نعمة عظيمة من أجلّ النعم سيما إذا استطاع أن يعبر به عن حاجته:
فإنما المرء بأصغريه ليس بيديه ولا رجليه
وقال الآخر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
والحديث جعله بعضهم من باب المدح، فإذا كان كذلك فليس ذلك من السحر المذموم بل هو من السحر الحلال. ولكن أكثر العلماء على ذم البيان وذلك لأن كلمة السحر كلمة مذمومة في مراد الشرع.
ويظهر أن الحديث: "إن من البيان لسحرًا" ذم لبعض البيان لا كله. لأنه قال: "إن من البيان" ولم يقل: "إن البيان" ويكون البيان مذمومًا إذا أدّى إلى صرف عن الحق، أو إظهار للباطل في صورة الحق.
ومما يدل على أن الكلام البليغ يسمى سحرًا ما ورد في كلام الوليد بن المغيرة لكفار قريش عندما جاء من عند النبي –ﷺ- فقال لهم: إن كلامه ليس كلام الكهان. ﴿ثم فكر وقدر ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢١-٢٤] فسمى كلامه سحرًا لبلاغته.
ووجه كون البيان من السحر أن فيه قلبًا للحقائق كما أن السحر فيه قلب للأحوال بإذن الله تعالى.
[ ٨٠ ]