أول الأسباب وأهمها هو أني في إحدى مطالعاتي في هذا الكتاب استوقفتني كلمة استبعدت أن تكون ممن هو دون شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - فضلًا عن أن تكون منه والكلمة هي: "والرغبة إلى الله ورسوله" في ص ٤٤ س ١٢ كما في نسخة محب الدين الخطيب - ﵀ - نشر المكتبة العلمية. بيروت وص ٤٤ س ٤ من طبعة زهير الشاويش سنة ١٣٩٠هـ ١٩٧٠م والتي راجعها - بطلب من الشيخ زهير -
[ ٦ ]
كل من الشيخ شعيب أرناؤوط والشيخ أحمد القطيفاني على المخطوطة المحفوظة في الظاهرية.
وتكرر الخطأ نفسه في الطبعة الثانية لزهير سنة ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م ولم ينج من هذا الخطأ الشيخ عبد القادر أرناؤوط حيث خدم هذا الكتاب مشكورًا ونشره له مكتبة دار البيان في دمشق سنة ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م وجاء الخطأ نفسه في نسخته ص ٤٩ س ١٨ وكذلك جاء الخطأ نفسه في الطبعة التي راجعها الشيخ عطية محمد سالم، والخطأ جسيم جدًا ولا أدري كيف خفي على هؤلاء الأفاضل وواضح جدًا من كتاب الله ومن سنة رسوله أن الرغبة كسائر قضايا التوحيد من العبادات التي لا يجوز أن يتوجه بها العبد إلا إلى الله وحده ﷻ، كما قال تعالى (٩٤: ٧، ٨): ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ . وكما قال تعالى (٩: ٥٩): ﴿وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون﴾ .
وكم رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر في كتبه أن الرغبة من العبادات الخاصة بالله حتى في هذا الكتاب "التوسل والوسيلة" قرر فيه عدة مرات قبل هذا الموضع وبعده أن الرغبة من العبادات التي لا يجوز صرفها إلى غير الله، انظر إليه وهو يقرر أن الرغبة والحسب من خصائص الله لا يشركه فيها غيره.
قال ﵀: "وسؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة وتركه توكلًا على الله أفضل، قال تعالى (٩٤: ٧، ٨): ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ أي ارغب إلى الله لا إلى غيره.
[ ٧ ]
وأما الحسب فأمرهم أن يقولوا: ﴿حسبنا الله﴾، لا أن يقولوا حسبنا الله ورسوله، ويقولوا: (٩: ٥٩) ﴿إنا إلى الله راغبون﴾، لم يأمرهم أن يقولوا: إنا إلى الله ورسوله راغبون.
فالرغبة إلى الله وحده، كما قال تعالى في الآية الأخرى (٢٤: ٥٢): ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقْهِ فأولئك هم الفائزون﴾، فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده "التوسل والوسيلة" ص ٥٦ الفقرتان (١٥٤، ١٥٥) وانظر ص ٢٣٧ الفقرة ٦٥٩ فإنه تكلم عن الرغبة وغيرها بمثل هذا الكلام الذي سقناه لك.
وقال ﵀ في كتاب الرد على الأخنائي (ص ٩٨): "ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب، فلا يتقى غيره، ولا يخاف غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يدعى غيره، ولا يصلى لغيره، ولا يصام لغيره، ولا يتصدق إلا له ولا يحج إلا إلى بيته، قال تعالى (النور: ٥٢): ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقهِ فأولئك هم الفائزون﴾ فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى (التوبة: ٥٩): ﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون﴾ فجعل الإيتاء لله والرسول. كما قال تعالى (الحشر: ٧): ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وجعل التوكل والرغبة إلى الله وحده. وكثيرًا ما يذكر هذا في كثير من مؤلفاته ﵀.
كان الخطأ السابق وما أعرفه في هذه القضية وما أعرفه من منهج شيخ الإسلام فيها وفي مثيلاتها من الجزم بأنها من العبادات الخاصة بالله، من أقوى الدوافع للقيام بخدمة هذا الكتاب فرأيت لزاما البحث أولًا عن
[ ٨ ]
أصوله الخطية في المكتبات الإسلامية ومظان وجودها؛ فشرعت في البحث والسؤال عنها، وكنت أعلم أن هذه الطبعات كلها ترجع إلى الأصل الذي ضمنه ابن عروة كتابه العظيم "الكواكب الدراري" لكني سمعت من بعض المعنيين بالمخطوطات أنه يوجد نسختان في الرياض، إحداهما في مكتبة عبد الرحمن بن قاسم، والثانية في المكتبة السعودية فطلبت من والدنا الكريم وشيخنا الكبير سماحة رئيس الإفتاء والدعوة والإرشاد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - أن يحاول الحصول على النسختين المذكورتين فبذل جهدًا مشكورًا للحصول عليهما ثم بعد البحث تبين له أنهما لا يوجدان في المكتبتين المذكورتين فأبلغني بذلك ثم لعله كلف الشيخ سعدًا الحصين بأن يصور لي صورة عن مخطوطة الكواكب بالظاهرية فتكرم مشكورًا بإرسال صورة منها فتناولتها مبتهجًا بها شاكرًا ومقدرًا جهود شيخنا الكبير نفع الله به ثم تعاون أخينا سعد الحصين ومبادرته بإرسالها وأول شيء بدأت بقراءته من المصورة هوتلك الكلمة فوجدت ما حقق اعتقادي في شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أن الكلمة كما وضعها المؤلف "والرغبة إلى الله وسؤاله" فطرت بذلك فرحًا ثم شمرت عن ساعد الجد لخدمة هذا الكتاب العظيم خدمة تليق بمكانته العظيمة بين كتب شيخ الإسلام وكتب التوحيد وبعد إنجازه ظهرت للكتاب طبعة جديدة للشيخ عبد القادر أرناؤوط.
فأول شيء أحببت الاطلاع عليه هو تلك الكلمة الخاطئة راجيًا أن يكون قد انتبه لها وقام بتصحيحها فصدمت بأنه قد اشترك مع سابقيه
[ ٩ ]
في هذا الخطأ وإني لأرجو الله أن يتجاوز عن تساهلهم وأن يكرمني بجزاء تصحيح هذا الخطأ الجسيم.
ومن الأسباب التي دفعتني لخدمة هذا الكتاب مكانته العظيمة ومكانة مؤلفه الكبير.
ومن الأسباب أيضًا حب عقيدة التوحيد والحرص علىتقديم جهد في ميادينها.
والسبب الرابع والأخير أن الكتاب لم يخدم الخدمة اللائقة بمكانته إلى حين شروعي في خدمته.