فصل
٢٣٦ - إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ "الوسيلة" و"التوسل" فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه، ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك.
٢٣٧ - ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيرًا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب.
٢٣٨ - فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى (٥: ٣٥): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وفي قوله تعالى (١٧: ٥٦ - ٥٧): ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ .
٢٣٩ - فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.
٢٤٠ - فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا.
[ ٨٤ ]
٢٤١ - فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول/ فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصلُ ذلك الإيمان بما جاء به الرسول.
٢٤٢ - فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى ذلك إلا ذلك.
٢٤٣ - والثاني لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ: "سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" (١) .
٢٤٤ - وقوله: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد (٢)، حلت له الشفاعة".
٢٤٥ - فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه (٣) الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال: إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٧٢) رقم (١) .
(٢) تقدم تخريجه في (ص ٧٣) رقم (١) .
(٣) سقطت من: ز، ب.
[ ٨٥ ]
بها عشرا (١) .
٢٤٦ - وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته.
٢٤٧ - والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون ويسألون (٢) بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح.
٢٤٨ - وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به (٣) معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة.
فأما المعنيان الأولان - الصحيحان باتفاق العلماء -
فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.
والثاني: دعاؤه وشفاعته كما تقدم.
فهذان جائزان بإجماع المسلمين.
٢٤٩ - ومن هذا قول عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا (٤) . أي بدعائه وشفاعته.
_________________
(١) هذا جزء من الحديث الذي تقدم تخريجه في (ص ٧٢) رقم (١) .
(٢) سقط من: ز، ب.
(٣) كلمة "يراد به" سقطت من: ز.
(٤) أخرجه البخاري، ١٥ - كتاب الاستسقاء، ٣ - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، حديث (١٠١٠)، و٦٢ - كتاب فضائل الصحابة، ١١ - باب ذكر =
[ ٨٦ ]
وقوله تعالى (٥: ٣٥): ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي القربة إليه بطاعته. وطاعةُ رسوله طاعته، قال تعالى (٤: ٨٠): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاع الله﴾ .
٢٥٠ - فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.
وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسُّل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائمًا.
٢٥١ - فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:
أحدهما: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.
٢٥٢ - والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته.
٢٥٣ - والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف
_________________
(١) = العباس بن عبد المطلب - ﵁ - حديث (٣٧١٠) . وابن سعد في الطبقات (٤/٢٨ - ٢٩) . والبيهقي في السنن الكبرى (٣/٨٨) . كلهم من حديث أنس - ﵁ -.
[ ٨٧ ]
هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
٢٥٤ - وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك/.
٢٥٥ - قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة.
٢٥٦ - قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك" أو "بحق خلقك". وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام (١) .
٢٥٧ - قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقًا.
٢٥٨ - وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان:
_________________
(١) انظر: الجامع الصغير للشيباني مع النافع الكبير للكنوي ص ٣٩٥، والهداية (٢/٤٠٢) ط الهندية والفتاوى البزازية (٣/٣٥١)، الدر المختار في الفقه الحنفي (٢/٦٣٠) . الفتاوى الهندية (٥/٢٨٠) . وشرح الإحياء للزبيدي (٢/٢٨٥) .
[ ٨٨ ]
٢٥٩ - أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فَلأنْ يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى.
٢٦٠ - وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والشمس وضحاها، والنازعات غرقا، والصافات صفا.
٢٦١ - فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه، بخلاف المخلوق فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن (١) عن النبي ﷺ أنه قال:
٢٦٢ - "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقد صححه الترمذي وغيره، وفي لفظ "فقد كفر" وقد صححه الحاكم.
٢٦٣ - وقد ثبت عنه في الصحيحين (٢) أنه قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" وقال: "لا تحلفوا
_________________
(١) الترمذي (٤/١١٠) وحسنه، ٢١ - كتاب النذور والأيمان ٨ - باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، حديث (١٥٣٥) . وأحمد (٢/٣٤، ٨٦، ١٢٥) . وأبو داود (٣/٥٧٠)، ١٦ - كتاب الأيمان والنذور، ٥ - باب كراهية الحلف بالآباء، حديث (٣٢٥١) . وابن حبان كما في الموارد (ص ٢٨٦)، حديث (١١٧٧) . والحاكم (١/١٨) كتاب الأيمان، و(٤/٢٩٧) كتاب الأيمان والنذور. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي"، وأبو داود الطيالسي في مسنده ص ٢٥٧ حديث ١٨٩٦، والبيهقي في السنن (١٠، ٢٩) كتاب الأيمان. والطحاوي في المشكل (١/٣٥٩) من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر - ﵄ -.
(٢) البخاري، ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٤ - باب لاتحلفوا بآبائكم، حديث (٦٦٤٦)، ٥٢ - كتاب الشهادات، ٢٦ - باب كيف يستحلف حديث (٢٦٧٩)، ٧٨ - كتاب الأدب، (٦١٠٨) . ومسلم (٣/١٢٦٦)، ٢٧ - كتاب الأيمان، حديث =
[ ٨٩ ]
إلا بالله" (١) .
وقال: "لا تحلفوا بآبائكم فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (٢) .
٢٦٤ - وفي الصحيحين (٣) عنه أنه قال: "من حلف باللات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله".
٢٦٥ - وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ﷺ والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين وأيمان السذق (٤) وسراويل
_________________
(١) = (٣، ٤) . والدارمي (٢/١٠٦)، حديث (٢٣٤٦) . ومالك في الموطأ، (٢/٤٨٠)، ٢٢ - كتاب النذور والأيمان ٩ - باب جامع الأيمان حديث (١٤) . وأحمد (٢/٧، ١١) . كلهم من حديث ابن عمر - ﵁ -.
(٢) سقط من ز قوله: "وقال: لا تحلفوا إلا بالله"، ومن ب قوله: "ليصمت" وقال لا تحلفوا إلا بالله. والحديث أخرجه أبو داود (٣/٥٦٩) ١٦ - ٥ باب كراهية الحلف بالآباء حديث (٣٢٤٨) من طريق عبيد الله بن معاذ عن أبيه حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون والنسائي (٧/٥ - ٦) بإسناده ومتنه وإسناده صحيح.
(٣) هو جزء من حديث ابن عمر السابق.
(٤) أخرجه البخاري ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور. ٥ - باب لا يحلف باللات والعزى، حديث (٦٦٥٠) . ومسلم (٢/١٢٦٧)، ٢٧ - كتاب الأيمان ٢ - باب من حلف باللات والعزى، حديث (٥، ٦) . وأبو داود (٣/٥٦٨)، ١٦ - كتاب الأيمان والنذور. ٤ - باب الحلف بالأنداد، حديث (٣٢٤٧) . والترمذي (٤/١١٦)، ٢١ - كتاب الأيمان والنذور، باب ١٧ حديث (١٥٤٥) . والنسائي (٧/٧) باب الحلف باللات. وأحمد (٢/٣٠٩) .
(٥) لعلها "السذق" فارسية معربة وهي ليلة الوقود يعظمها المجوس، أو تكون مصحفة عن الصدق كما يدرج في لهجة العوام من الدروز.
[ ٩٠ ]
الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه ولا كفارة في الحلف بذلك.
٢٦٦ - والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور (١) وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد. وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك.
وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه.
٢٦٧ - والأول أصح حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله (٢) ابن عباس وعبد الله بن عمر: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن
_________________
(١) بل حكى ابن حزم الإجماع على ذلك، فقال في مراتب الإجماع (ص ١٥٨): "واتفقوا أن من حلف ممن ذكرنا بحق زيد أو عمرو أو بحق ابنه أنه آثم". يريد بقوله من ذكر؛ الحر والعبد الذكر والأنثى البالغين العقلاء غير المكرهين ولا الغضاب ولا السكارى، فإنه ذكرهم قبل هذه الفقرة.
(٢) روى عبد الرزاق عن الثوري، عن أبي سلمة عن وبرة، قال: قال عبد الله - لا أدري ابن مسعود أو ابن عمر -: لأن أحلف بالله كاذبًا، أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا (المصنف ٨/٤٦٩) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/١٧٧) . وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، وهو في الطبراني (٩/٢٠٥) حديث (٨٩٠٢) . وفي المدونة (٢/١٠٨) ابن وهب عن سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن وبرة أن ابن مسعود كان يقول: لأن أحلف بالله كاذبًا إلخ. وفي المدونة (٢/١٠٨) "وقال ابن عباس لرجل حلف بابنه: لأن أحلف مائة مرة بالله، ثم آثم أحب إلي من أن أحلف بغيره واحدة ثم أبر". وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة يخبر أنه سمع عبد الله بن الزبير يخبر، أن عمر لما كان بالمخمص من عسفان استبق الناس فسبقهم عمر، فقال ابن الزبير، فانتهرت فسبقته، فقلت سبقته والكعبة. ثم انتهر الثالثة فسبقني، فقال: سبقته والله، ثم أناخ فقال: والله لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك أحلف بالله فأثم أو أبرر". المصنف (٨/٤٦٨) . وأخرجه البيهقي (١٠/٢٩) من طريق الوليد بن مسلم مختصرًا، وفيه فأراد أن يضربني وفي هذا الأثر "أن عمر يرى أن الحلف بالله وإن أثم فيه أهون من الحلف بغيره بارًا وهو معنى قول ابن مسعود".
[ ٩١ ]
أحلف بغير الله صادقًا. وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب.
٢٦٨ - وإنما يعرف النزاع في الحلف بالأنبياء، فعن أحمد في الحلف بالنبي ﷺ روايتان:
إحداهما: لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور؛ مالك وأبي حنيفة والشافعي.
والثانية: ينعقد اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضي وأتباعه، وابن المنذر وافق هؤلاء.
وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي ﷺ خاصة، وعدَّى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء.
٢٦٩ - وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق وإن كان نبيًّا قول ضعيف في الغاية مخالف للأصول والنصوص فالإقسام به على الله - والسؤال به بمعنى الإقسام - هو من هذا الجنس.
٢٧٠ - وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم - وبينهما فرق - فإن النبي ﷺ أمر بإبرار القسم.
٢٧١ - وثبت عنه في الصحيحين (١) أنه قال: "إن من عباد الله
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/٣٠٦) مع الفتح، ٥٣ - كتاب الصلح، ٨ - باب الصلح في الدية، حديث (٢٧٠٣)، (٦/٢١) مع الفتح، ٥٦ - كتاب الجهاد، حديث (٢٨٠٦) . ومسلم (٣/١٣٠٢)، ٢٨ - كتاب القسامة، ٥ - باب إثبات القصاص في الأسنان، حديث (٢٤) . وأبو داود (٤/٧١٧)، ٣٣ - كتاب الديات، ٣٢ - باب القصاص من =
[ ٩٢ ]
من لو أقسم على الله لأبره" قال ذلك لما قال أنس بن النضر: أتكسرُ (١) ثنية الربيع؟ قال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها. فقال: "يا أنس كتابُ. الله القصاص"، فرضي القوم وعفوا، فقال ﷺ: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".
٢٧٢ - وقال: "ربَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" رواه مسلم (٢) وغيره.
_________________
(١) = السن، حديث (٤٥٩٥) . والنسائي (٨/٢٤)، القسامة، باب القصاص في السن، وباب القصاص من الثنية. والترمذي (٥/٦٩٣) ٥٠ - كتاب المناقب، ٥٥ - باب مناقب البراء بن مالك، حديث (٣٨٥٤) . وابن ماجه (٢/٨٨٤)، ٢١ - كتاب الديات، ١٦ - باب القصاص في السن، حديث (٢٦٤٩) . وأحمد (٣/١٢٨، ١٦٧) كلهم من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
(٢) في النسخ المطبوعة: "نكسر بالنون" وهو تصحيف.
(٣) (٤/٢٠٢٤)، ٤٥ - باب فضل الضعفاء والخاملين حديث (١٣٨)، و(٤/٢١٩٠)، ٥١ - كتاب الجنة، حديث (٤٨) في الموضعين عن سويد بن سعيد، حدثني حفص بن ميسرة عن العلاء عن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا وسويد بن سعيد، قال فيه الذهبي: كان يحفظ لكنه تغير الكاشف (١/٤١١) . وقال الحافظ: صدوق في نفسه إلاَّ أنه عمي فصار يتلقن، التقريب (١/٣٤٠) . وقد رواه مسلم في الموضع الثاني في الشواهد، وله متابعة رواها الحاكم في "المستدرك" (٤/٣٢٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/٢٩٢) . وأبو نعيم من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا. ورواها أبو نعيم في الحلية (١/٧) بهذا الإسناد إلاَّ أنه قال: عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال الحاكم عقب هذا الحديث: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قال الشيخ الألباني - حفظه الله - معلقًا على الحاكم والذهبي: قلت: وفيه نظر؛ فإن المطلب ابن عبد الله صدوق كثير التدليس كما في التقريب، وقد عنعنه، وكثير بن زيد، وهو المدني. قال الحافظ: صدوق يخطئ تخريج أحاديث مشكلة الفقر (ص ٧٩) . =
[ ٩٣ ]
٢٧٣ - وقال: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار/ كل عُتُلّ جوّاظ (١) مستكبر" (٢) .
وهذا في الصحيحين وكذلك [حديث] أنس بن النضر والآخر
_________________
(١) = أقول أنا الضعيف: قد روى أبو نعيم هذا الحديث عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح، وصوب الحافظ أنه رباح بن الوليد وهو صدوق؛ فإن كان كثير روى عنهما ففي رواية أبي نعيم متابعة رباح بن الوليد للمطلب بن عبد الله وانزاحت تهمة التدليس عن رواية المطلب. ويجوز في هاتين الروايتين أمران آخران: الأول؛ أن تكون إحداهما محفوظة والأخرى شاذة أو منكرة، لكن ليس لدينا من القرائن ما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى وينشأ عن هذا الأمر الثاني؛ وهو أن يكون هذا من اضطراب كثير بن زيد لأنه ليس بالحافظ وهو الذي يغلب على الظن. وعلى ثبوت هذه العلة فإن حديث أبي هريرة في غنى عن هذه المتابعة. فإن الإمام مسلما - ﵀ - أورده شاهدًا لحديث حارثة بن وهب الخزاعي الذي رواه بلفظ "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ " قالوا: بلى، قال: "كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره " الحديث، وهو في كتاب الجنة برقم، (٤٦، ٤٧) قبل حديث أبي هريرة مباشرة. ورواه البخاري في ٦٥ - كتاب التفسير سورة ٦٨، حديث (٤٩١٨) . وابن ماجه (٢/١٣٧٨)، ٣٧ - كتاب الزهد، حديث (٤١١٦) . وأحمد (٤/٣٠٦) . والطحاوي في المشكل (١/٢٩٣) . كما يشهد له حديث أنس السابق. ولأنس رواية أخرى بلفظ "كم أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره". أخرجه الترمذي (٥/٦٩٣) . ٥٠ - كتاب المناقب، باب مناقب البراء بن مالك، حديث (٣٨٥٤) وله شاهدان آخران: أحدهما: عن حذيفة أخرجه أحمد (٥/٤٠٧) . وثانيهما: عن سراقة بن مالك أخرجه الحاكم (٣/٦١٩) .
(٢) العتل: الغليظ الجافي. من العتلة وهي حديدة كبيرة يقلع بها الحجر. والجواظ: الكثير اللحم المختال في مشيته.
(٣) أخرجه مسلم ٥١ - كتاب الجن ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون حديث ٤٦.
[ ٩٤ ]
من أفراد مسلم (١) .
٢٧٤ - وقد روى في قوله: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (٢) أنه قال: "منهم البراء بن مالك" (٣) .
٢٧٥ - وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون: يا براء، أقسم على ربك. فيقسم على الله فينهزم الكفار. فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا: يا براء أقسم على ربك. فقال: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتفاهم وجعلتني أول شهيد. فأبر الله قسمه فانهزم العدو واستشهد البراء بن مالك يومئذ. وهذا هو أخو أنس بن مالك، قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك في دمه، وحمل يوم مسيلمة على ترس ورمي به إلى الحديقة حتى فتح الباب (٤) .
٢٧٦ - والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا؛ فإن حنثه ولم يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٩٢) رقم (١) .
(٢) سبق تخريجه (ص ٩٣) رقم (٢) .
(٣) البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري النَّجاري البطل الكرار صاحب رسول الله ﷺ وأخو خادم النبي ﷺ، شهد المشاهد كلها إلا بدرًا، وشهد وقعة اليمامة، مات سنة ٢٠. ترجمته في أسد الغابة (١/٢٠٦)، والإصابة (١/١٤٧)، وتاريخ الطبري (٣/٢٠٩)، وسير أعلام النبلاء (١/١٩٥) .
(٤) أخرجه خليفة في تاريخه ص ١٠٩ من طريق ابن إسحاق معضلًا ومن طريق الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس ﵁، ولم نقف لأبيه على ترجمة ولعله عن عمه ثمامة. وعلى كل حال، فالأنصاري هو عبد الله بن المثنى وهو صدوق كثير الغلط، فالأثر ضعيف لا يثبت - والله أعلم -.
[ ٩٥ ]
عند عامة الفقهاء، كما لو حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئًا ولم يفعله فالكفارة على الحالف الحانث.
٢٧٧ - وأما قوله: "سألتك بالله أن تفعل كذا" فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث "من سألكم بالله فأعطوه" (١) ولا كفارة علىهذا إذا لم يجب سؤاله.
٢٧٨ - والخلق كلهم يسألون الله مؤمنهم وكافرهم، وقد يجيب الله دعاء الكفار؛ فإن الكفار يسألون الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم، وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفورا (٢) .
وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون.
٢٧٩ - فالسؤال كقول السائل لله: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام (٣) .
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٦٧.
(٢) إشارة إلى الآية ٦٧ من سورة الإسراء.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذي (٥/٥٥٠)، ٤٩ - كتاب الدعوات، ١٠٠ - باب خلق الله مائة رحمة حديث (٣٥٤٤) . وابن ماجه (٢/١٢٦٨)، ٣٤ - كتاب الدعاء، ٩ - باب اسم الله الأعظم، حديث (٣٨٥٨) . والنسائي (٣/٤٤) كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر. وأحمد (٣/١٢٠، ١٥٨، ٢٤٥، ٢٦٥) . وأبو داود ٢/١٦٧)، كتاب الصلاة، ٣٥٨ - باب الدعاء، حديث (١٤٩٥) . كلهم من طرق عن أنس - ﵁ - بلفظ "اللهم إني أسألك " مختصرًا أحيانًا ومطولًا أخرى. فأحمد في طريق، وأبو داود، والنسائي رووه من طريق خلف بن خليفة عن حفص بن عمر - ابن أخي أنس - عن أنس - ﵁ - مرفوعًا. وهذا إسناد حسن، والحديث من هذين الطريقين صحيح لغيره. =
[ ٩٦ ]
٢٨٠ - وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد (١) .
٢٨١ - وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك (٢) .
_________________
(١) = ثم رواه أحمد فقال: حدثنا وكيع، حدثني أبو خزيمة عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك وهو إسناد حسن - أيضًا -. أَمَّا الترمذي ففي إسناده سعيد بن زربي وهو منكر الحديث. ثم رواه أحمد من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن عاصم الأحول عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة. وفي هذا الإسناد سلمة بن الفضل الأبرشي قاضي الري صدوق كثير الخطأ، ومحمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن فالمعول في ثبوت الحديث على الإسنادين الأولين ويستأنس لهما بالأخير.
(٢) أخرجه أبو داود (٢/١٦٧)، كتاب الصلاة ٣٥٨ - باب الدعاء حديث (١٤٩٣) . والترمذي (٥/٥١٥)، ٤٩ - كتاب جامع الدعوات حديث (٣٤٧٥) . وابن ماجه (٢/١٢٦٧) ٣٤ - كتاب الدعاء حديث (٣٨٥٧) . وأحمد (٥/٣٤٩) . بأسانيدهم إلى مالك بن مِغْوَل عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بلفظ "اللهم إني أشهد أنك أنت الله" إلخ وعند ابن ماجه "بأنك أنت الله" وهو إسناد صحيح. وأخرجه النسائي (٣/٤٥) عن عمرو بن يزيد قال: عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي قال حدثنا حسين المعلم عن ابن بريد، قال حدثني حنطلة بن علي أن محجن بن الأردح بلفظ "اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد"، وعمرو بن يزيد قال الذهبي في الكاشف ضعفوه، وفي الميزان (٣/٢٩٣) . قال يحيى: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال الدارقطني وغيره: ضعيف. وهذه المخالفة التي وقعت في الإسناد لعلها من عمرو بن يزيد وهو ضعيف كما عرفت فلا تأثير لها؛ لأن الرواة عن مالك بن مغول من كبار الحفاظ مثل زهير بن معاوية، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح.
(٣) صحيح: أخرجه أحمد (١/٣٩١، ٤٥٢) . وأبو يعلى في مسنده (ق ١٥٦/١) كما في الصحيحة للألباني (١/١٧٧) . والطبراني في الكبير (١٠/٢٠٩ - ٢١٠) حديث =
[ ٩٧ ]
٢٨٢ - فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته، وليس ذلك إقسامًا (١) عليه، فإن أفعاله هي مقتضى أسمائه وصفاته، فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم، وعفوه من مقتضى اسمه العفو. ولهذا لما قالت عائشة للنبي ﷺ: إن وافقتُ ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني" (٢) .
٢٨٣ - وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادي، وفي الأثر
_________________
(١) = (١٠٣٥٢) . وابن حبان كما في الموارد (ص ٥٨٩) رقم ٣٢٧٢) . والحاكم (١/٥٠٩) كتاب الدعاء. من طريق فضيل بن مرزوق، حدثنا أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن"، "فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك عدل فيَّ فضاؤك أسألك بكل اسم هو لك " الحديث، وللحديث شاهد عن أبي موسى الأشعري أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٣٣) . حديث (٣٤١) بإسناد لا بأس به عن فياض بن غزوان عن عبد الله بن زبيد عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال الشيخ الألباني - بعد بحث نفيس -: "وجملة القول: أن الحديث صحيح، من رواية ابن مسعود وحده، فكيف إذا انضم إليه حديث أبي موسى - ﵄ - وقد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وتلميذه ابن القيم وقد صرح بذلك في أكثر كتبه منها "شفاء العليل" (ص ٢٧٤) ".
(٢) في خ: "إقسام" وهو خطأ.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذي (٥/٥٣٤)، ٤٩ - كتاب الدعوات، باب ٨٥ حديث (٣٥١٣) . وابن ماجه (٢/١٢٦٥)، ٣٤ - كتاب الدعاء، ٥ - باب الدعاء في حديث (٣٨٥٠) . وأحمد (٦/١٧١، ١٨٢، ١٨٣، ٢٠٨، ٢٥٨) كلهم من طرق صحيحة، إلى كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة - ﵂ -. وأحمد والحاكم (١/٥٣٠)، كتاب الدعاء عن أبي النضر، ثنا الأشجعي عن سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عند أحمد (٦/٢٥٨) وعند الحاكم عن سليمان بن بريدة عن عائشة. وعند أحمد وحده عن يزيد وعن علي بن عاصم كليهما عن الجريري عن عبد الله بن بريدة، فالحديث صحيح.
[ ٩٨ ]
المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلًا أن يقول: يادليل الحيارى دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين.
٢٨٤ - وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب، ولهذا يقال في الدعاء: يا رب يا رب كما قال آدم (٧: ٢٣): ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال نوح (١١: ٤٧): ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ وقال إبراهيم (١٤: ٣٧): ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ ﴾ وكذلك سائر الأنبياء.
٢٨٥ - وقد كره مالك وابن أبي عمران من أصحاب أبي حنيفة وغيرهما أن يقول الداعي يا سيدي يا سيدي (١) وقالوا: قل كما قالت الأنبياء، رب رب.
٢٨٦ - واسمه الحي القيوم يجمع أصل معاني الأسماء والصفات كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع، ولهذا كان النبي ﷺ يقوله إذا اجتهد في الدعاء (٢) .
_________________
(١) في ز، ب: "يا سيدي" مرة واحدة.
(٢) يشير إلى حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي ﷺ كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: "سبحان الله العظيم"، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم". أخرجه الترمذي (٥/٤٩٥ - ٤٩٦) ٤٩ - كتاب الدعوات ٤٠ - باب ما يقول عند الكرب، حديث (٣٤٣٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وفيه نظر؛ فإن في إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي قال فيه الذهبي: ضعفوه. الكاشف (١/٨٩) . وقال الحافظ: متروك. التقريب (١/٤١) . =
[ ٩٩ ]
٢٨٧ - فإذا سئل المسئول بشيء - والباء للسبب - سئل بسبب يقتضي وجود المسئول، فإذا قال: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض (١)، كان كونه محمودًا منانًا بديع السموات والأرض يقتضي أن يمن على عبده السائل، وكونه محمودًا هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه، وحمد العبد له سبب إجابة دعائه.
٢٨٨ - ولهذا أمر المصلي أن يقول "سمع الله لمن حمده" أي استجاب الله دعاء من حمده، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله ﷺ: "أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن / دعاء لا يسمع" (٢) أي لا يستجاب.
_________________
(١) لكن يشهد له حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: "كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث". رواه الترمذي (٥/٥٣٩)، ٤٩ - كتاب الدعوات، حديث (٣٥٢٤) . وفي إسناده يزيد ابن أبان الرقاشي ضعيف. كما يشهد له حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل به هم أو غم، قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث". أخرجه الحاكم (١/٥٠٩) كتاب الدعاء، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه. والصحيح أن عبد الرحمن قد ثبت سماعه من أبيه قال بذلك جماعة من الأئمة. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وانظر: تهذيب التهذيب (٦/٢١٣ - ٢١٤) فالحديث بمجموع طرقه حسن لغيره والله أعلم. ولا ينقصه عن هذه المرتبة وجود من لا يحتج به في إسناد حديث ابن مسعود، فإن كونهم لا يحتج بهم لا يمنع الاستشهاد والتقوية بهم.
(٢) تقدم تخريجه ص ٩٦ رقم (٣) .
(٣) صحيح. أخرجه مسلم (٤/٢٠٨٨)، ٤٨ - كتاب الذكر، ١٨ - باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، حديث (٧٣) . والنسائي (٢/٢٢٨) . وأبو داود (٢/١٩٢)، كتاب الصلاة، ٣٦٧، باب في الاستعاذة، كلاهما من حديث زيد بن أرقم، حديث (١٥٤٨) . =
[ ١٠٠ ]
٢٨٩ - ومنه قول الخليل في آخر دعائه (٣٤: ٣٩): ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾، ومنه قوله تعالى (٩: ٤٧): ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، وقوله (٥: ٤١): ﴿وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي يقبلون الكذب ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك (١) أي لم يأتك أولئك الأقوام، ولهذا أمر المصلي أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه.
٢٩٠ - وقال النبي ﷺ لمن رآه يصلي ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه فقال: "عَجِلَ هذا" ثم دعاه فقال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه وليصل على النبي ﷺ وليدع بعد بما شاء" أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وصححه.
_________________
(١) = وابن ماجه (٢/١٢٦١) ٣٤ - كتاب الدعاء، حديث (٣٨٣٧) . وأحمد (٢/٣٤٠، ٣٦٥، ٤٥١) . والنسائي (٨/٢٣١)، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من نفس لا تشبع، كلهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -. والنسائي (٨/٢٢٣)، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من قلب لا يخشع، والترمذي (٥/٥١٩) حديث (٣٤٨٢) وقال هذا حديث حسن صحيح غريب. وأحمد (٢/١٦٧، ١٩٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -. وأحمد أيضًا - (٣/١٩٢، ٢٥٥، ٢٨٣) من حديث أنس - ﵁ -.
(٢) انظر ص ١٠١ حاشية (١)
(٣) سقط من: ز، ب من قوله: "أي يقبلون" إلى "لم يأتوك".
(٤) أبو داود (٢/١٦٢)، كتاب الصلاة، ٣٥٨ - باب الدعاء حديث (١٤٨١) . والترمذي (٥/٥١٧)، ٤٩ - كتاب الدعوات، باب ٦٥، حديث (٧٤٧٧) . والنسائي (٣/٣٨) كتاب السهو، باب التمجيد والصلاة على النبي ﷺ. وأحمد (٦/١٨) كلهم من حديث فضالة بن عبيد. ورجاله ثقات إلا حميد بن هانئ قال فيه الذهبي: ثقة. وقال الحافظ: لا بأس به. فهو صحيح أو من أعلى درجات الحسن.
[ ١٠١ ]
٢٩١ - وقال عبد الله بن مسعود: كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم بالصلاة على نبيه ثم دعوت لنفسي فقال النبي ﷺ: "سَلْ تُعْطَه" رواه الترمذي (١) وحسنه.
٢٩٢ - فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك، ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم. قال تعالى (٨: ٢٣): ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاَسْمَعَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ على هذه الحال التي هم عليها لم يقبلوا الحق ثم ﴿لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، فذمهم بأنهم لا يفهمون القرآن ولو فهموه لم يعملوا به.
٢٩٣ - وإذا قال السائل لغيره: أسألك بالله. فإنما سأله بإيمانه بالله وذلك سبب لإعطاء من سأله به، فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق، لا سيما إن كان المطلوب كف الظلم، فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، وأمره أعظم الأسباب في حض الفاعل، فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيًا لمسببه من أمر الله تعالى.
٢٩٤ - وقد جاء فيه حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه،
_________________
(١) (٢/٤٨٨)، أبواب الصلاة، ٤١٦ - باب ما ذكر في الثناء على الله، والصلاة على النبي ﷺ، حديث (٥٩٣) من طريق عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود، وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، ففي حديثه ضعف يسير، لكن يشهد له ويقويه حديث فضالة بن عبيد عند الترمذي، ٤٩ - كتاب الدعوات، حديث (٣٤٧٦) وفي إسناده رشدين بن سعد فيه ضعف. وعند النسائي (٣/٣٨) وهو جزء من الحديث السابق، بلفظ: "وسمع رسول الله ﷺ رجلًا يصلي فمجد الله وحمده وصلى على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "ادع تجب وسل تعط".
[ ١٠٢ ]
عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: "وأسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك" (١) فإن كان هذا صحيحًا فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو حق أوجبه على نفسه لهم.
٢٩٥ - كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سببًا لإجابة الدعاء كما في قوله تعالى (٤٢: ٢٦): ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
٢٩٦ - وكما يُسأل بوعده؛ لأن وعده يقتضي إنجاز ما وعده، ومنه قول المؤمنين (٣: ١٩٣): ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلأيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾ وقوله (٢٣: ١٠٩ - ١١٠): ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ .
٢٩٧ - ويشبه هذا مناشدة النبي ﷺ يوم بدر حيث يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني" (٢) .
_________________
(١) سيأتي ص (٢١٤ - ٢١٥) .
(٢) أخرجه مسلم (٣/١٣٨٣ - ١٣٨٤)، ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، ١٦ - باب قول النبي ﷺ: "لانورث ما تركناه صدقة". حديث (٥٨) . الترمذي (٥/٢٦٩)، ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، باب ٩ سورة الأنفال، حديث (٣٠٧٩) . أحمد (١/٣٠، ٣٢) . =
[ ١٠٣ ]
٢٩٨ - وكذلك ما في التوراة أن الله تعالى غضب على بني إسرائيل، فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم، فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم.
٢٩٩ - ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار، فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله، لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة تقتضي إجابة صاحبه: هذا سأل ببره لوالديه، وهذا سأل بعفته التامة، وهذا سأل بأمانته وإحسانه (١) .
٣٠٠ - وكذلك كان ابن مسعود يقول وقت السحر: "اللهم أمرتني فأطعتك، ودعوتني فأجبتك، وهذا سَحَر فاغفر لي" (٢) .
٣٠١ - ومنه حديث ابن عمر أنه كان يقول على الصفا: "اللهم إنك قلت، وقولك الحق: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾، وإنك لا تخلف الميعاد" ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر أنه كان يقول على الصفا (٣) .
_________________
(١) = كلهم من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من حديث طويل يروي فيه دعاء رسول الله ﷺ ومناشدته له يوم بدر.
(٢) حديث الثلاثة في البخاري ٦٠٥ - كتاب أحاديث الأنبياء ٥٣ - باب حديث الغار، حديث (٣٤٦٥)، و٧٨ - كتاب الأدب ٥ - باب إجابة دعاء من بر والديه، حديث (٥٩٧٤) . ومسلم (٤/٢٠٩٩)، ٤٨ - كتاب الذكر، ٢٧ - باب قصة أصحاب الغار، حديث (١٠٠) من حديث طويل عن ابن عمر - ﵁ - وهو حديث معروف.
(٣) تفسير ابن جرير الطبري (٣/٢٠٨) .
(٤) قال النووي - ﵀ - في الأذكار (ص ٢٧٣): "وروينا عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يقول على الصفا: "اللهم اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك ﷺ وجنبنا حدودك " وفيه طول، ولم يعزه إلى مصدر. =
[ ١٠٤ ]
٣٠٢ - فقد تبين أن قول القائل: أسألك بكذا. نوعان:
فإن الباء قد تكون للقسم، وقد تكون للسبب. فقد تكون /قسمًا به على الله، وقد تكون سؤالًا بسببه.
فأما الأول فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق؟.
وأما الثاني وهو السؤال بالمعظم (١) كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع، وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه (٢) أنه لا يجوز. ومن الناس من يجوّز (٣) ذلك.
٣٠٣ - فنقول: قول السائل لله: أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، أو بجاه فلان أو بحرمة فلان. يقتضي أن هؤلاء لهم عند الله جاه، وهذا صحيح، فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة يقتضي أن يرفع الله درجاتهم ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا، مع أنه سبحانه قال (٢: ٢٥٥): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَ بِإِذْنِهِ﴾ .
٣٠٤ - ويقتضي أيضًا أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم فيه كان
_________________
(١) = وراجعت مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة فلم أجده.
(٢) في خ، ز، ب: "المعظم" ولعل الصواب "بالمعظم".
(٣) ص (٨٨) .
(٤) سقط من: ز، ب، قوله: "ومن الناس من يجوّز".
[ ١٠٥ ]
سعيدًا، ومن أطاع أمرهم الذي بلغوه عن الله كان سعيدًا، ولكن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم ما (١) يقتضي إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك، بل جاههم ينفعه إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله، أو تأسى بهم فيما سنوه للمؤمنين، وينفعه أيضًا إذا دعوا له وشفعوا فيه.
٣٠٥ - فأما إذا لم يكن [منهم] دعاء ولا شفاعة، ولا منه سبب يقتضي الإجابة، لم يكن مستشفعًا بجاههم ولم يكن سؤاله بجاههم نافعًا له عند الله، بل يكون قد سأل بأمر أجنبي عنه ليس سببًا لنفعه.
٣٠٦ - ولو قال الرجل لمطاع كبير: أسألك بطاعة فلان لك، وبحبك له على طاعتك، وبجاهه عندك الذي أوجبته طاعته لك. [لكان] قد سأله بأمر أجنبي لا تعلق له به، فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء المقربين ومحبته لهم وتعظيمه لأقدارهم مع عبادتهم له وطاعتهم إياه ليس في ذلك مايوجب إجابة دعاء من يسأل بهم، وإنما يوجب إجابة دعائه بسبب منه لطاعته لهم، أو سبب منهم لشفاعتهم له، فإذا انتفى هذا وهذا فلا سبب.
٣٠٧ - نعم لو سأل الله بإيمانه بمحمد ﷺ ومحبته له وطاعته له واتباعه له لكان قد سأله بسبب عظيم يقتضي إجابة الدعاء بل هذا أعظم الأسباب والوسائل.
٣٠٨ - والنبي ﷺ بيَّن أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك، وهي مستحقة لمن دعا له بالوسيلة، كما في الصحيح أنه قال:
_________________
(١) كذا في خ وسائر النسخ ولعل الصواب مما.
[ ١٠٦ ]
٣٠٩ - "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلَّت عليه شفاعتي يوم القيامة" (١) .
٣١٠ - وفي الصحيح أن أبا هريرة قال له: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" (٢) .
٣١١ - فبين ﷺ أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيدًا وإخلاصًا، لأن التوحيد جماع الدين والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء، فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا شفع محمد ﷺ حدَّ له ربه حدًا فيدخلهم الجنة، وذلك بحسب مايقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان.
٣١٢ - وذكر ﷺ أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة، فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان، وبالدعاء الذي سن لنا أن ندعو له به.
٣١٣ - وأما السؤال بحق فلان فهو مبني على أصلين:
أحدهما: ما له من الحق عند الله.
والثاني: هل نسأل الله بذلك كما نسأل بالجاه والحرمة!.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٧٣) رقم (١) .
(٢) تقدم تخريجه في ص (١٧) رقم (٢) .
[ ١٠٧ ]
٣١٤ - أَمَّا الأول فمن الناس من يقول: للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل. وقاس المخلوق على الخالق، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم (١) .
٣١٥ - ومن الناس من يقول: لا حق للمخلوق على الخالق بحال، لكن يعلم ما يفعله بحكم وعده وخبره. كما يقول ذلك من يقول من أتباع/ جهم والأشعري وغيرهما ممن ينتسب إلى السنة.
٣١٦ - ومنهم من يقول: بل كتب الله على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه حقًا لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه، لم يجب ذلك مخلوق عليه ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم.
٣١٧ - كما قال في الحديث الصحيح الإلهي:
"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" (٢) .
وقال تعالى (٦: ٥٤): ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقال تعالى (٣٠: ٤٧): ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
_________________
(١) راجع شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار وشرحه لأبي هاشم الجبائي (ص٤٩٣ - ٥٠٥) . فإنه بحث فيها عن الأعواض المستحقة على الله ورد فيه على مخالفيه في زعمه.
(٢) أخرجه مسلم (٤/١٩٩٤)، ٤٥ - كتاب البر، ١٥ - باب تحريم الظلم، حديث (٥٥) . وأحمد (٥/١٦٠) عن أبي ذر - ﵁ -، وهو حديث طويل وعظيم، وشرحه شيخ الإسلام شرحًا خاصًا.
[ ١٠٨ ]
٣١٨ - وفي الصحيحين (١) عن معاذ عن النبي ﷺ أنه قال: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم".
٣١٩ - فعلى هذا القول لأنبيائه وعباده الصالحين، عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره.
٣٢٠ - وعلى الثاني يستحقون ما أخبر بوقوعه وإن لم يكن ثم سبب يقتضيه.
٣٢١ - فمن قال ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به، كما روي أن الله تعالى قال لداود: وأي حق لآبائك علي؟ [فهو] صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق بالقياس والاعتبار على خلقه، كما يجب للمخلوق على المخلوق، وهذا كما يظنه جهال العبّاد من أن لهم على الله (٢) سبحانه حقًا بعبادتهم.
٣٢٢ - وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته
_________________
(١) أخرجه البخاري في ٥٦ - كتاب الجهاد، ٤٦ - باب اسم الفرس والحمار، حديث (٢٨٥٦) فتح (٦/٥٨)، و٩٧ - كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ إلى التوحيد (٧٣٧٣) . ومسلم، ١ - كتاب الإيمان، باب (١٠)، حديث (٤٨ - ٤٩) . وابن ماجه، ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٥ - باب ما يُرجى من رحمة الله يوم القيامة، حديث (٤٢٩٦)، (٢/١٤٣٥) . وأحمد (٣/٢٦٠) . والترمذي (٥/٢٦) ٤١ - الإيمان، حديث (٢٦٤٣) .
(٢) لفظ الجلالة سقط من: ز.
[ ١٠٩ ]
وعلمه يصير له على الله حق من جنس مايصير للمخلوق على المخلوق، كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة، ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه: ألم أفعل كذا! يمن عليه بما يفعله معه، وإن لم يقله بلسانه كان ذلك في نفسه.
٣٢٣ - وتخيلُ مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه، ولهذا بين سبحانه أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله غني عن الخلق، كما في قوله تعالى (١٧: ٧): ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، وقوله تعالى (٤١: ٤٦): مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَمٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وقوله تعالى (٣٩: ٧): ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، وقوله تعالى (٢٧: ٤٠): ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾، وقال تعالى (١٤: ٧ - ٨) في قصة موسى ﵇: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ . وقال تعالى (٣: ١٧٦): ﴿وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، وقال تعالى (٣: ٩٧): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ .
٣٢٤ - وقد بين ﷾ أنه المانُّ بالعمل فقال تعالى (٤٩: ١٧): ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال تعالى (٤٩:
[ ١١٠ ]
٧ - ٨): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
٣٢٥ - وفي الحديث الصحيح الإلهي "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني وإنكم (١) لن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم مازاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر" (٢) .
٣٢٦ - وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة:
٣٢٧ - منها أن الرب تعالى غنيّ بنفسه عما سواه، ويمتنع أن يكون مفتقرًا إلى غيره بوجه من / الوجوه، والملوك وسادة العبيد
_________________
(١) كلمة "إنكم" سقطت من: ز، ب.
(٢) هذا الحديث بقية حديث أبي ذر الذي تقدم تخريجه قريبًا ص (١٠٩) ورقم (١) .
[ ١١١ ]
محتاجون إلى غيرهم (١) حاجة ضرورية.
٣٢٨ - ومنها أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين، فهو الذي يخلق ذلك وييسره، فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته.
٣٢٩ وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرون بأن الله هو المنعم على عباده بالإيمان، بخلاف القدرية. والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره.
٣٣٠ - ومنها أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم، كما قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به (٢) لحاجته إليهم، ولا ينهاهم عما نهاهم عنه بخلًا عليهم، بل أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم، بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه بخلًا عليه.
٣٣١ - وهذا أيضًا ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته ويقولون: إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم، ولم ينههم إلا عن شر يضرهم. بخلاف المجبرة الذين يقولون: إنه قد يأمرهم بما يضرهم وينهاهم عما ينفعهم.
٣٣٢ - ومنها أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهو المنعم بالقدرة والحواسّ وغير ذلك مما به يحصل العلم
_________________
(١) في ز: "غيره".
(٢) سقطت "به" من: ز.
[ ١١٢ ]
والعمل الصالح، وهو الهادي لعباده، فلا حول ولا قوة إلا به. ولهذا قال أهل الجنة (٧ - ٤٢: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾، وليس يقدر المخلوق على شيء من ذلك.
٣٣٣ - ومنها أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قٌدِّر أن العبادة جزاء النعمة، لم تقم العبادة بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمه (١) أيضًا.
٣٣٤ - ومنها أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته، فلن يدخل أحد الجنة بعمله، وما من أحد إلا وله سيئات (٢) يحتاج فيها إلى مغفرة الله (٣) لها (٣٥: ٤٥): ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ .
٣٣٥ - وقوله ﷺ: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" لا يناقض قوله تعالى (٣٢: ١٧، ٤٦: ١٤، ٦٥: ٢٤): ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ فإن المنفي نُفي بباء المقابلة والمعاوضة (٤) كما يقال: بعت هذا بهذا. وما أثبت أثبت بباء السبب، فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سببًا للجزاء، ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه، وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال.
_________________
(١) في ز، ب: "نعمته".
(٢) في ز، ب: "ذنوب".
(٣) لفظ الجلالة ساقط من: ز.
(٤) في ز، ب: "المعارضة" وهو خطأ. والصواب المعاوضة كما في نسخة الفتاوى ج١/٢١٧.
[ ١١٣ ]
٣٣٦ - كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل" (١) وروي "بمغفرته" (٢) . ومن هذا أيضًا الحديث الذي في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله لو عذَّب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم" (٣) الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري، ٧٥ - كتاب المرضى ١٩ - باب تمني المريض الموت، (٥٦٧٣) فتح (١٠/١٢٧) . ومسلم (٤/٢١٧٠)، ٥٠ - كتاب صفات المنافقين، ١٧ - باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله، حديث (٧١ - ٧٦) . وابن ماجه (٢/١٤٠٥)، ٣٧ - كتاب الزهد، ٢٠ - باب التوقي على العمل، حديث، (٤٢٠١) . وأحمد (٢٣٥، ٢٥٦، ٢٦٤، ٣١٩) كلهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -. والبخاري، ٨١ - كتاب الرقاق، حديث (٦٤٦٧) . ومسلم ٥٠ - كتاب صفة المنافقين، حديث ٧٨. وأحمد (٦/١٢٥)، من حديث عائشة - ﵂ -. ومسلم، ٥٠ - كتاب صفة المنافقين، حديث (٧٧) . وأحمد (٣/٣٣٧)، والدارمي (٢/٢١٥)، حديث (٢٧٣٦) كلهم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ -. وأحمد (٣/٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٢) في المسند (٢/٣٣٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) حسن، أبو داود (٥/٧٥)، ٣٤ - كتاب السنة، ١٧ - باب في القدر، حديث (٤٦٩٩) . وابن ماجه (١/٢٩ - ٣٠) المقدمة ١٠ - باب في القدر، حديث (٧٧) . وأحمد (٥/١٨٢، ١٨٣، ١٨٥، ١٨٩)، كلهم من طريق أبي سنان سعيد بن سنان، ثنا وهب بن خالد عن ابن الديلمي، عن أبي بن كعب وابن مسعود، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وزيد وحده يرفعه إلى النبي ﷺ. وفي إسناده سعيد بن سنان وثقه ابن معين والعجلي وأبو حاتم وأبو داود والنسائي وابن حبان ويعقوب بن سفيان والدارقطني، وقال أحمد: ليس بالقوي. وقال ابن سعد: سيء الخلق، وقال ابن عدي: له غرائب وإفرادات، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب ولعله إنما يهم في الشيء بعد الشيء". راجع تهذيب التهذيب (٤/٤٦)، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام. =
[ ١١٤ ]
٣٣٧ - ومن قال: بل للمخلوق على الله حق. فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته.
٣٣٨ - وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله تعالى به فسأل الله تعالى إنجاز وعده، أو سأله بالأسباب التي علق الله بها المسببات (١) كالأعمال الصالحة، فهذا مناسب.
٣٣٩ - وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص فهو كما لو (٢) سأله بجاه ذلك الشخص، وذلك سؤال بأمر أجنبي عن هذا السائل لم يسأله بسبب يناسب إجابة دعائه.
٣٤٠ - وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التي تقتضي ما يفعله بالعباد من الهدى والرزق والنصر فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به. فقول المنازع: لا يسأل بحق الأنبياء، فإنه لا حقَّ للمخلوق على الخالق ممنوع.
٣٤١ - فإنه قد ثبت في الصحيحين حديث معاذ الذي تقدم (٣)
_________________
(١) = أقول: إن الحافظ قد تشدد في حق ابن سنان؛ فإنه كثيرًا ما يوثق مثله، وعلى كل حال فحديثه لا يهبطه عن درجة الحسن في نظري. والله أعلم. أَمَّا معنى الحديث فقد بينه شيخ الإسلام - بالإضافة إلى ما ذكره هنا - في موضع آخر فقال: "والحديث الذي في السنن "لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم" يبين أن العذاب لو وقع لكان لاستحقاقهم ذلك، لا لكونه بغير ذنب، وهذا يبين أن من الظلم المنفي عقوبة من لم يذنب". مجموع الفتاوى (١٨/١٤٣ - ١٤٤) .
(٢) في خ "المسات" وفي ز، ب: "المشيئات" وعلق في ب: "لعله المسببات" وهو الظاهر. وقد جاء الصواب في نسخة الفتاوى (١/٢١٨) .
(٣) كلمة "لو" سقطت من: ز، ب.
(٤) تقدم تخريجه في ص (١٠٩) رقم (٢) .
[ ١١٥ ]
إيراده، وقال تعالى (٦: ٥٤): ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، (٣٠: ٤٧): ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
٣٤٢ - فيقال للمنازع: الكلام في هذا في مقامين:
أحدهما: في حق العباد على الله.
والثاني: في سؤاله بذلك الحق.
٣٤٣ - أَمَّا الأول فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم، ووعد السائلين بأن يجيبهم، وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى (٤: ١٢٢): ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا﴾، (٣٠: ٦): ﴿وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، (١٤: ٤٧): ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ .
فهذا مما يجب وقوعه/ بحكم الوعد باتفاق المسلمين.
٣٤٤ - وتنازعوا: هل عليه واجب بدون ذلك؟ على ثلاثة أقوال - كما تقدم -.
قيل: لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك.
وقيل: بل يجب عليه واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده.
وقيل: هو أوجبَ على نفسه وحرَّم على نفسه، فيجب عليه ما أوجبه على نفسه، ويحرم عليه ما حرمه على نفسه كما ثبت في الصحيح
[ ١١٦ ]
من حديث أبي ذر كما تقدم (١) .
٣٤٥ - والظلم ممتنع منه باتفاق المسلمين، لكن تنازعوا في الظلم الذي لا يقع. فقيل هو الممتنع (٢) وكل ممكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلمًا، لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير، وإما مخالفة الأمر الذي يجب عليه طاعته، وكلاهما ممتنع منه.
وقيل: بل ما كان ظلمًا من العباد فهو ظلم منه.
وقيل: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئًا، قال تعالى (٢٠: ١١٣): ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضما﴾ .
٣٤٦ - قال المفسرون: هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه، والهضم أن يهضم من حسناته. قال تعالى (٤: ٤٠): ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُنْ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، (١١: ١٠١): ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ .
٣٤٧ - وأما المقام الثاني فإنه يقال: ما بين الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو حق، لكن الكلام في السؤال بذلك، فيقال: إن كان الحق الذي سأل به سببًا لإجابة السؤال حسن السؤال به، كالحق الذي يجب لعابديه وسائليه.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (١٠٩) رقم (٢) .
(٢) أي المحال الذي لا تتعلق به قدرته تعالى - (رشيد رضا) ﵀.
[ ١١٧ ]
٣٤٨ - وأما إذا قال السائل: بحق فلان وفلان. فأولئك إذا كان لهم عند الله حق أن لا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم - كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه - فليس في استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله ما يكون سببًا لمطلوب هذا السائل، فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة. وهذا لا يستحق ما استحقه ذلك. فليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضي إجابة هذا.
٣٤٩ - وإن قال: السبب هو شفاعته ودعاؤه. فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له، وإن لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب.
٣٥٠ - وإن قال: السبب هو محبتي له وإيماني به وموالاتي له. فهذا سبب شرعي وهو سؤال الله وتوسل إليه بإيمان هذا السائل ومحبته لله ورسوله وطاعته لله ورسوله.
٣٥١ - لكن يجب الفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله: فمن أحب مخلوقًا كما يحب الخالق فقد جعله ندًا لله، وهذه المحبة تضره ولا تنفعه.
٣٥٢ - وأما من كان الله تعالى أحب إليه مما سواه، وأحب أنبياءه وعباده الصالحين له فحبه لله تعالى هو أنفع الأشياء. والفرق بين هذين من أعظم الأمور.
٣٥٣ - فإن قيل: إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين - تارة يتوسل بذلك إلى ثوابه وجنته (وهذا أعظم الوسائل)، وتارة يتوسل بذلك في الدعاء كما ذكرتم نظائره - فيحمل قول القائل:
[ ١١٨ ]
أسألك بنبيك محمد، على أنه أراد: إني أسألك بإيماني به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته، ونحو ذلك.
٣٥٤ - وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع. قيل: من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا نزاع، وإذا حمل على هذا المعنى لكلام من توسل بالنبي ﷺ بعد مماته من السلف كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره، كان هذا حسنًا وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع، ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى، فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر، وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه وشفاعته وهذا جائز بلا نزاع، ثم إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ.
٣٥٥ - فإن قيل: فقد يقول الرجل لغيره: بحق الرحم. قيل: الرحم توجب على صاحبها حقًا لذي الرحم كما قال الله تعالى (٤: ١): ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ﴾ .
٣٥٦ - وقال النبي ﷺ: "الرحم شُجْنة من الرحمن (١) من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله" (٢) .
_________________
(١) شجنة: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق.
(٢) أخرجه البخاري، ٧٨ - كتاب الأدب، ١٣ - باب من وصل وصله الله حديث (٥٩٨٨)، من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. وأحمد (٢/٢٩٥، ٣٨٣، ٤٠٦، ٤٥٥) من طريق محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة. والحاكم (٤/١٥٧) كتاب البر والصلة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: "أنا الرحمن وهي الرحم فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته". والبخاري، ٧٨ - كتاب الأدب، حديث (٥٩٨٩) من حديث عائشة - ﵂ - بلفظ "الرحم شجنة فمن وصلها " الحديث، والبخاري في الأدب المفرد =
[ ١١٩ ]
٣٥٧ - وقال: "لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوي (١) الرحمن وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قد رضيت" (٢) .
٣٥٨ - وقال ﷺ: "يقول الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته" (٣) .
_________________
(١) = (ص ٣٤) حديث (٥٥) وليس فيه شجنة من الرحمن. والحاكم (٤/١٥٩)، كتاب البر والصلة بإسناد البخاري، وفيه "الرحم شجنة من الله " الحديث. ورواه الترمذي (٤/٣٢٣)، ١٦ - باب ما جاء في رحمة المسلمين، حديث (١٩٢٤) . وأحمد (٢/١٦٠) . والحاكم (٤/١٥٩)، كتاب البر والصلة وصححه ووافقه الذهبي. والحميدي (٢/٢٧٠)، حديث (٥٩٢)، والبخاري في الأدب المفرد (ص ٣٣) ٢٧ - باب فضل صلة الرحم. حديث (٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرجه الحاكم (٤/١٥٧)، كتاب البر والصلة من حديث أبي هريرة كما تقدم ثم قال: وقد روي بأسانيد واضحة عن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعائشة، وعبد الله بن عمرو. ثم سرد أحاديثهم ص (١٥٧ - ١٥٩) .
(٢) الحقوان: الخاصرتان.
(٣) أخرجه البخاري، ٦٥ - كتاب التفسير ٤٧ - سورة محمد، حديث (٤٨٣٠ - ٤٨٣٢) و٩٧ - كتاب التوحيد، باب ٣٥، حديث (٧٥٠٢) دون قوله "تعلقت بحقوي الرحمن" في الموضع الثاني مع ذكره في الموضع الأول. ومسلم (٢/١٩٨٠ - ١٩٨١) ٤٥ - كتاب البر، ٦ - باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، حديث (١٦) بدون قوله "بحقوي ". وأحمد (٢/٣٣٠) كلهم من حديث أبي هريرة والجملة السابقة عند أحمد بلفظ بحقو.
(٤) حسن لغيره، أخرجه أبو داود (٢/٣٢٢) ٣ - كتاب الزكاة، حديث (١٦٩٤) . والترمذي (٤/٣١٥)، ٢٨ - كتاب البر والصلة، حديث (١٩٠٧) . وأحمد (١/١٩٤) . والبخاري في الأدب المفرد (ص ٣٣) حديث (٥٣)، كلهم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه مرفوعًا. وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، قال ذلك علي بن المديني وأحمد وابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وأبو داود وابن عبد البر قالوا: حديثه عن أبيه مرسل. انظر: تهذيب التهذيب (١٢/١١٧) . =
[ ١٢٠ ]
٣٥٩ - وقد روي عن علي أنه كان / إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر على عليّ.
٣٦٠ - وحق ذي الرحم باق بعد موته كما في الحديث أن رجلًا قال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم! الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ وعدهما من بعدهما، وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما" (١) .
٣٦١ - وفي الحديث الآخر حديث ابن عمر: " [إن] من أبِّر البرّ أن يصل الرجل أهل وُدّ أبيه بعد أن يولي (٢) " (٣) .
_________________
(١) = لكن له متابعة يتقوى بها رواها أحمد (١/١٩١، ١٩٤)، من طريق يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا كما شهد له الحديثان قبله.
(٢) إسناده ضعيف، أخرجه ابن ماجه (٢/١٢٠٨)، ٣٣ - كتاب الأدب، ٢ - باب صل من كان أبوك يصل، حديث (٣٦٦٤) . وأحمد (٣/٤٩٧ - ٤٩٨) . وأبو داود (٥/٣٥٢)، ٣٥ - كتاب الأدب ١٢٩ - باب في بر الوالدين حديث (٥١٤٢) . والبخاري في الأدب المفرد (ص٢٧) ١٩ - باب بر الوالدين حديث (٣٥) والمنذري في الترغيب والترهيب (٥/١١ - ١٢) وعزاه لأبي داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه. كلهم من طريق أسيد بن علي بن عبيد مولى بني ساعدة عن أبيه علي بن عبيد، وأسيد صدوق، وأبوه علي بن عبيد. قال في تهذيب التهذيب (٧/٣٦٣): روى عن مولاه حديثًا في البر وقيل عن أبيه عن مولاه، روى عنه ابن أسيد، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب: "مقبول"، ويعني به إذا توبع وإلا فلين الحديث كما في مقدمة التقريب. وقد بحثت له عن متابع أو شاهد فلم أجده فالحديث إذًا بهذا الإسناد ضعيف. والله أعلم.
(٣) يقال: تولى الرجل، إذا ذهب والمراد به هنا موته.
(٤) أخرجه مسلم (٤/١٩٧٩)، ٤٥ - كتاب البر والصلة، ٤ - باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما، حديث (٢٥٥٢) . وأبو داود (٥/٣٥٣)، ١٢٩ - باب بر الوالدين، حديث (٥١٤٣) . والترمذي (٤/٣١٣)، ٢٨ - كتاب البر والصلة، =
[ ١٢١ ]
فصلة (١) أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره.
٣٦٢ - والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق، لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين كما تقدم (٢):
٣٦٣ - أحدهما: الإقسام على الله ﷾ به، وهذا منهيٌّ عنه عند جماهير العلماء كما تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء.
٣٦٤ - والثاني: السؤال به، فهذا يجوّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكنَّ ما روي عن النبي ﷺ في ذلك كله ضعيفٌ بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذي علَّمه أن يقول: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" (٣) .
٣٦٥ - وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، وهو طلب من النبي ﷺ الدعاء، وقد أمره النبي ﷺ أن يقول: "اللهم شَفِّعْه فيَّ" ولهذا رد الله عليه بصره لما
_________________
(١) = ٥ - باب ما جاء في إكرام صديق الوالد، حديث (١٩٠٣)، وقال: "هذا إسناد صحيح". وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر من غير وجه كلهم من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر - ﵄ -.
(٢) في: النسخ المطبوعة "فصله" وهو تصحيف يوهم أنه من تمام الحديث. وفي نسخة الفتاوى جاء على الصواب فصلة ج١/٢٢٢.
(٣) تقدم في ص (٩٠) .
(٤) سيأتي تخريجه إن شاء الله.
[ ١٢٢ ]
دعا له النبي ﷺ، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي ﷺ. ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدْعُ لهم النبي ﷺ بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله (١) .
٣٦٦ - ودعا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" (٢) يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته، إذ لو كان هذا مشروعًا لم يعدل عمر والمهاجرون (٣) والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس.
٣٦٧ - وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم لأن بين السؤال والإقسام فرقا، فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة (٤)، والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، والمقسم لا يقسم إلا على من يرى أنه يبرُّ قسمه، فإبرار
_________________
(١) وقد عمي بعض الصحابة بعد النبي ﷺ منهم ابن عباس وجابر وكان ابن عباس راغبًا في الشفاء، فلو كان التوسل بذات النبي ﷺ مشروعًا لتوسل بذاته ﷺ ولشفي وهو أولى بأن يجاب من هذا الصحابي المجهول بل عمي عتبان بن مالك في حياة رسول الله ﷺ. وكذلك ابن أم مكتوم.
(٢) تقدم تخريجه في ص (٨٦) .
(٣) في خ: "المهاجرين" والصواب ما أثبته عربية. المهاجرون هكذا على الصواب في نسخة الفتاوى ١/٢٢٣.
(٤) هذا التعليل مستغرب من شيخ الإسلام، فإن النزاع إنما هو في السؤال المبتدع بمعنى التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وبجاههم وحقهم. وشيخ الإسلام يقرر في غير موضع أن التوسل من هذا النوع توسل بأسباب أجنبية غير مناسبة للإجابة. فيستبعد صدور هذا الكلام منه. والله أعلم.
[ ١٢٣ ]
القسم خاص ببعض العباد، وأما إجابة السائلين فعام، فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافرًا.
٣٦٨ - وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدَّخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشرّ مثلها" قالوا: يا رسول الله إذن نكثر. قال: "الله أكثر" (١) .
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/١٨) حدثنا أبو عامر ثنا علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وعليٌّ هذا هو علي بن علي الرفاعي كما في المستدرك (١/٤٩٣) وكشف الأستار (٤/٤١) . لكن يشهد له حديث جابر - ﵁ -. "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم". رواه الترمذي (٥/٤٦٢)، ٤٩ - كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، حديث (٣٣٨١) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - وفي إسناده ابن لهيعة صدوق اختلط بعد احتراق كتبه. كما يشهد له حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - نحو حديث جابر - ﵁ - رواه أحمد (٥/٣٢٩) من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن الصامت - ﵁ - نحو حديث جابر. وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر وتغير بأخره. قال الترمذي عقب حديث عبادة: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وفي نظري أن الحديث حسن لغيره بمجموع طرقه. ويشهد لهذه الأحاديث ما رواه مالك في الموطأ (١/٢١٧)، ١٥ - كتاب القرآن، ٨ - باب ما جاء في الدعاء، حديث ٣٦. عن زيد بن أسلم أنه كان يقول: ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه. قال ابن عبد البر مثل هذا يستحيل أن يكون رأيًا واجتهادًا، وإنما هو توقيف وهو خبر محفوظ عن النبي ﷺ. الموطأ (١/٢١٧) . وقوله "وهو خبر محفوظ" يشير به - والله أعلم - إلى الأحاديث الآنفة الذكر.
[ ١٢٤ ]
٣٦٩ - وهذا التوسل بالأنبياء - بمعنى السؤال بهم - وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم: إنه لا يجوز، ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك، فضلًا أن يجعل هذا من مسائل السبب (١) فمن نقل عن مذهب مالك: أنه جوَّز التوسل به بمعنى الإقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلًا عن أن يقول مالك: إن هذا سبب (٢) للرسول أو تنقص به. بل المعروف عن مالك أنه كره للداعي أن يقول: يا سيدي سيدي، وقال: قل كما قالت الأنبياء يا رب يا رب يا كريم. وكره أيضًا أن يقول: ياحنان يامنان (٣) . فإنه ليس بمأثور عنه.
٣٧٠ - فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعًا عنده، فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبيًّا كان أو غيره، وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا الله
_________________
(١) في ز: "سب" وهو المناسب للسياق. وهكذا أيضًا في الفتاوى جاء كلمة سب (١/٢٢٤) .
(٢) أَمَّا المنان فقد ورد ضمن حديث لفظه "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة حديث (١٤٩٥) والترمذي الدعوات حديث (٣٥٤٤)، والنسائي حديث (١٣٠٠) وابن ماجه: الدعاء حديث (٣٨٥٨) كلهم من طرق إلى أنس يصح بمجموعها الحديث. وصححه الألباني انظر: صحيح أبي داود رقم (١٣٢٥) وأما الحنان فرواه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف. انظر: مجمع البحرين حديث (٤٦٣٩) وقول: ليس بمأثور أي على هذا الوجه.
[ ١٢٥ ]
بمخلوق، لا نبي ولا غيره، بل قال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون (١) .
٣٧١ - وكذلك ثبت في الصحيح (٢) عن ابن عمر (٣) وأنس (٤) .
وغيرهما (٥) أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي ﷺ واستسقائه، / لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته ﷺ سأل الله
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٨٦.
(٢) في خ "في صحيح مسلم الصحيح" وكان قد ضرب الناسخ على كلمة "صحيح" ولعله سها عن الضرب عن كلمة "مسلم" وسقطت من: ز.
(٣) البخاري، ١٥ - كتاب الاستسقاء، ٣ - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، حديث (١٠٠٩) . وأحمد (٢/٩٣) . وابن ماجه (٢/٤٠٥)، ٥ - كتاب إقامة الصلاة، حديث (١٢٧٢) كلهم عن عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا.
(٤) البخاري، ١٥ - كتاب الاستسقاء، حديث (١٠١٣ - ١٠٧٧) ومن ألفاظه عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل، فقال: يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا فدعا فمطرنا، فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة قال: فقام ذلك الرجل - أو غيره - فقال: يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم حوالينا ولا علينا"، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينًا وشمالًا يمطرون ولا يمطر أهل المدينة". ومسلم (٢/٦١٤)، ٩ - كتاب الاستسقاء، ٢ - باب الدعاء في الاستسقاء حديث (٨ - ١١) . وأبو داود (٢/٦٩٢، ٦٩٤)، ٢ - كتاب الصلاة، ٢٥٨ جماع أبواب الاستسقاء، حديث (١١٧٠، ١١٧١، ١١٧٤، ١١٧٥) . والنسائي (٣/١٢٥، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٣١) كتاب الاستسقاء. وأحمد (٣/١٠٤، ١٨١، ١٨٧) . ومالك في الموطأ (١/١٩١)، ١٣ - كتاب الاستسقاء، حديث (٣) كلهم من طرق إلى أنس بن مالك مرفوعًا.
(٥) ممن روى أحاديث الاستسقاء غير من سبق، عبد الله بن زيد وابن عباس وجابر وعائشة - ﵃ أجمعين -، وبعض أحاديثهم في الصحيحين، وبعضها في السنن وغيرها، ويضيق المقام عن تخريجها.
[ ١٢٦ ]
تعالى بمخلوق، لا به ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره. وحديث الأعمى سنتكلم عليه (١) إن شاء الله تعالى.
٣٧٢ - فلو كان السؤال به معروفًا عند الصحابة لقالوا لعمر: إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس، فلم نعدل عن الأمر المشروع الذي كنا نفعله في حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه، وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما؟ ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب.
٣٧٣ - والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجُرشيِّ (٢) كما توسل عمر بالعباس.
_________________
(١) سيأتي ص (٢٠٣ - ٢١٥) .
(٢) روى أبو زرعة الدمشقي استسقاء معاوية - ﵁ - والضحاك بن قيس بيزيد ابن الأسود في تاريخه (١/٦٠٢) برقم (١٧٠٣، ١٧٠٤) بإسنادين صحيحين. وذكره ابن حبان في الثقات (٥/٥٣٢) في التابعين وقال: سكن الشام وكان من العباد الخشن استسقى به الضحاك بن قيس الفهري، فسقى، روى عنه أهل الشام. وذكره ابن سعد في الطبقات (٧/٤٤٤) في الطبقة الأولى بعد الصحابة وذكر قصة استسقاء معاوية به ومنها: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم، بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد: ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في المغرب وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس لا يصلون إلى منازلهم. وترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/١٢١ - ١٢٤) . وذكر استسقاء كل من معاوية والضحاك بن قيس به. وترجم له الذهبي. في سير أعلام النبلاء (٤/١٣٦، ١٣٧) . =
[ ١٢٧ ]
٣٧٤ - وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي (١) وأحمد (٢) وغيرهم أنه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح، قالوا: وإن كان من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل، اقتداء بعمر. ولم يقل أحد من أهل العلم إنه يسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي.
٣٧٥ - وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين - غير مالك - كالشافعي وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم، ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها، وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
٣٧٦ - والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة قبره بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه، وإنما ذكرها في سياق
_________________
(١) = وذكر النصين، وترجم له الحافظ ابن حجر في الإصابة (٦/٣٥٨ - ٣٥٩) في الصحابة المختلف فيهم وذكر النصين أيضًا.
(٢) انظر "المجموع" للنووي (٥/٦٧) قال النووي ﵀: "ويستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله؛ لأن عمر - ﵁ - استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون". ثم قال: "ويستسقى بأهل الصلاح لما روي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود".
(٣) راجع "المغني" لابن قدامة - ﵀ - (٢/٣٢٦)، وكلامه قريب من كلام النووي، وذكر استسقاء عمر بالعباس واستسقاء معاوية والضحاك بيزيد بن الأسود الجُرَشيِّ.
[ ١٢٨ ]
أن حرمة النبي ﷺ بعد موته، وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه.
٣٧٧ - وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. قال: وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي ﷺ كتبت عنه.
٣٧٨ - وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه. فقيل له يومًا في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر - وكان سيد القراء - لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه.
٣٧٩ - ولقد كنت أرى جعفر بن محمد - وكان كثير الدعابة والتبسم - فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على طهارة.
ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا، وإما صامتًا، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله.
٣٨٠ - ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي ﷺ فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله ﷺ.
[ ١٢٩ ]
٣٨١ - ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع.
٣٨٢ - ولقد رأيت الزهري وكان لمِن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ فكأنه ما عرفك ولا عرفته.
٣٨٣ - ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي ﷺ بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه (١) .
فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة.
٣٨٤ - ثم ذكر حكاية بإسناد غريب (٢) منقطع رواها عن غير واحد إجازة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، ثنا يعقوب (٣) بن إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا ابن حميد (٤) قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول / الله
_________________
(١) هذا الكلام كله ذكره القاضي عياض في الشفاء (٢/٤١ - ٤٣) في الفصل الذي ذكره الشيخ في بداية الكلام، فلله دره ماأصدقه وأدقه في النقل.
(٢) لقد بحثت عن رجال هذا الإسناد بدءًا من أبي العباس أحمد بن عمر بن دلهات إلى أبي الحسن ابن المنتاب في ترتيب المدارك للقاضي عياض، والصلة لابن بشكوال، فلم أقف لأحد منهم على ترجمة، فهو إسناد غريب حقًا كما وصفه شيخ الإسلام.
(٣) هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن كامجر، قال الدارقطني لا بأس به، تاريخ بغداد (١٤/٢٩١) .
(٤) قال الذهبي في المغني (٢/٥٧٣): ضعيف لا من قبل حفظه، قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: يكذب. وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن ابن الشاذكوني.
[ ١٣٠ ]
ﷺ، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قومًا فقال (٤٩: ٢) ﴿لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية، ومدح قومًا فقال (٤٩: ٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية، وذم قومًا فقال (٤٩: ٤): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية، وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا. فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله ﷺ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى (٤: ٦٤): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ .
٣٨٥ - قلت: وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكًا لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين (١) ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه (٢) .
_________________
(١) انظر: كتاب المجروحين لابن حبان (٢/٣٠٣)، والكاشف (٣/٣٢٦)، وتهذيب التهذيب (٩/١٣١)، والميزان (٣/٥٣١) .
(٢) ولم يذكره أحد في تلاميذ مالك حتى المزي في تهذيب الكمال، انظر ترجمة مالك في تهذيب الكمال (٣/١٢٩٦ - ١٢٩٧)، وترجمة محمد بن حميد منه (٣/١١٩٠ - ١١٩١) وراجع ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/٢٨٢ - ٥٤٥) وقد قسم فيه الرواة عن مالك إلى طبقتين: كبرى وصغرى، وعلى حسب البلدان، ولم يذكر فيهم ابن حميد. وهذا يؤكد ما قاله شيخ الإسلام.
[ ١٣١ ]
وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذّبه أبو زرعة (١) وابن وارة (٢) .
وقال صالح بن محمد الأسدي (٣): ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه (٤) .
وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير (٥) .
وقال النسائي: ليس بثقة (٦) .
وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات (٧) .
_________________
(١) قال ابن حبان في المجروحين (٢/٢٠٤) . "قال أبو زرعة وابن وارة - أي للإمام أحمد -: صح عندنا أنه يكذب قال - يعني صالح بن أحمد -: فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر ابن حميد نفض يده.
(٢) الحافظ الكبير الثبت أبو عبد الله محمد بن مسلم بن عثمان بن وارة الرازي، مات سنة (٢٧٠)، تذكرة الحفاظ (٢/٥٧٥) . قال الحافظ: ثقة حافظ.. من الحادية عشر/ س. تقريب (٢/٢٠٧) .
(٣) الحافظ العلامة شيخ ما وراء النهر، أبو علي صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي، نزيل بخارى، كان ثبتًا صدوقًا مشهورًا. قال أبو سعد الإدريسي: ما أعلم بعصر صالح بالعراق ولا بخراسان في الحفظ مثله "، تذكرة الحفاظ (٢/٥٤١ - ٥٤٣) .
(٤) انظر: تاريخ بغداد (٢/٢٦٢) وقال: محمد بن حميد أحاديثه تزيد وما رأيت أجرأ على الله منه. في الموضع السابق من التأريخ.
(٥) تاريخ بغداد (٢/٢٦٠) ص (١٦) .
(٦) تاريخ بغداد (٢/٢٦٣) .
(٧) كتاب المجروحين (٢/٢٠٣) . وقال البخاري في التاريخ (ق١/ج١/٦٩): فيه نظر. وقال إسحاق بن منصور: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار أنهما كذابان. تاريخ بغداد (٢/٢٦٣) . وجرت له قصتان مع أبي حاتم الرازي ومحمد بن عيسى الدامغاني اتضح منهما كذبه العريض. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/٢٣٢ - ٢٣٣) . راجع هذه الأقوال في =
[ ١٣٢ ]
وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب (١) وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ابن إسماعيل السهمي (٢) توفي سنة تسع وخمسين ومائتين.
وفي الإسناد أيضًا من لا يعرف حاله (٣) .
وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل (٤) حكاية لا تعرف إلا من جهته! (٥) .
_________________
(١) الإمام الفقيه أحمد بن أبي بكر الزهري المدني، قاضي المدينة وعالمها، سمع مالكًا وطائفة. وفاته كما ذكر شيخ الإسلام. راجع الكاشف (١/٥٣)، والتقريب (١/١٢)، والتذكرة (ص ٤٨٢) .
(٢) الأمر كما ذكر المؤلف. انظر الكاشف (١/٥٢)، والتقريب (١/١١) .
(٣) لعله يشير بهذا إلى معظم رجال الإسناد من ابن دلهات إلى يعقوب بن إسحاق، وقد أخبرت أني لم أقف لهم على خبر بعد بحث، فلعل واحدًا من هؤلاء المجهولين اخترع هذه الحكاية إن سلم من اختراعها ابن حميد.
(٤) يريد بهذا شيخ الإسلام أن ابن حميد على ما فيه من بلاء لم يصرح في رواية هذه الحكاية بصيغة من صيغ التحديث؛ كسمعت مالكًا، أو حدثني، أو أخبرني، أو عن مالك، أو قال مالك، وإنما قال: ناظر مالك فهي بهذا التعبير مرسلة، فإن سلم محمد بن حميد من تبعتها، فهناك احتمال آخر أن يكون رجل كذاب اخترع هذه الحكاية، ونسبها إلى مالك، أو يكون هناك عدد من الوسائط بين محمد بن حميد وبين مالك فيهم كذاب أو كذابون تداولوا هذه الحكاية حتى وصلت إلى محمد ابن حميد.
(٥) يقصد شيخ الإسلام أن محمد بن حميد مع عدم إدراكه لمالك، فقد انفرد من بين أصحاب مالك على كثرتهم، وكثرة الأئمة الحفاظ فيهم، وعلى كثرة من لازمه منهم، ومع معرفتهم وحفظهم وإتقانهم لحديثه. ومثل محمد بن حميد - وأصدق منه - إذا انفرد عن أصحاب مالك بحديث، أو مثل هذه الحكاية، لا تقبل منه، ولو أسندها فكيف إذا أرسلها.
[ ١٣٣ ]
٣٨٦ - هذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخرسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث!.
٣٨٧ - مع أن قوله: "وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة". إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة، وذلك هو التوسل شفاعته يوم القيامة، وهذا حق.
٣٨٨ - كما جاءت به الأحاديث الصحيحة (١) حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردّهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد ﷺ، فإنه كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر" (٢) .
_________________
(١) بل عدها بعضهم من الأحاديث المتواترة. انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص ١٤٩) . ومنها على سبيل المثال؛ حديث أنس في صحيح مسلم ١ - كتاب الإيمان حديث (٣٢٢، ٣٢٦) . ومثله حديث جابر حديث (٣٢٠) . وحديث أبي هريرة في البخاري، ٦٠ - كتاب الأنبياء، حديث (٣٣٤٠) . وفي مسلم، ١ - كتاب الإيمان، حديث (٣٢٧) . وأحمد (٢/٤٣٥) . وحديث حذيفة وأبي هريرة في مسلم، ١ - كتاب الإيمان، حديث (٣٢٩) .
(٢) ورد في بعض أحاديث الشفاعة التي ذكرناها سابقًا، "أنا سيد الناس يوم القيامة" أَمَّا بهذا اللفظ؛ فرواه الترمذي (٥/٣٠٨)، ٤٨ - كتاب التفسير، حديث (٣١٤٨) . وفي (٥/٥٨٧) ٥٠ - كتاب المناقب، ١ - باب فضل النبي ﷺ، حديث (٣٦١٥) . وابن =
[ ١٣٤ ]
٣٨٩ - ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه:
أحدها، قوله: "أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله وأدعو! " فقال: "ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم"؛ فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو
_________________
(١) = ماجه (٢/١٤٤٠)، ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٧٥ - باب ذكر الشفاعة، حديث (٤٣٠٨) . وأحمد (٣/٢) . كلهم من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا. وعلي ابن زيد ضعيف لكن له شواهد: أولًا: من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ - رواه أحمد (١/٤ - ٥) بتحقيق أحمد شاكر (١/١٥)، رقم (١٥)، وصححه، وفي تصحيحه نظر؛ فإن في إسناده أبا هنيدة. قال الذهبي في الميزان (٤/٥٨٣): لا يعرف. ونقل أحمد شاكر عن ابن سعد أنه قال: كان معروفًا، قليل الحديث. ثانيًا: من حديث أنس - ﵁ - رواه أحمد (٣/١٤٤) . والدارمي (١/٣١) . كلاهما من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس مرفوعًا بلفظ: "إني لأول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر، وأعطى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ولا فخر " الحديث. وهو إسناد صحيح، فالحديث صحيح من هذا الوجه، يؤيده الطريقان السابقان. ثالثًا: من حديث عبد الله بن سلام. رواه ابن حبان في صحيحه، كما في الموارد (ص ٥٢٣)، حديث (٢١٢٧)، من طريق عمرو بن عثمان الكلابي، حدثنا موسى بن أعين عن معمر بن راشد عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن بشر بن شفاف عن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، بيدي لواء الحمد تحته آدم فمن دونه". وفي إسناده عمرو بن عثمان الرقي ضعيف، قاله الحافظ في التقريب (٢/٧٤) . وقال الذهبي في الكاشف (٢/٣٣٦): "لين تركه النسائي". وعلى كل فهو صالح في الشواهد.
[ ١٣٥ ]
لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي ﷺ والدعاء له. هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.
وعند أصحاب أبي حنيفة، لا يستقبل القبر وقت السلام (١) عليه أيضًا.
ثم منهم من قال: يجعل الحجرة عن (٢) يساره - وقد رواه ابن وهب عن مالك - ويسلم عليه.
ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم. ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر.
٣٩٠ - لذلك قال القاضي عياض في المبسوط عن مالك: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي".
٣٩١ - قال: وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر/، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي ﷺ، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف (٣) .
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الحنفي المعروف بداماد أفندي (المتوفى سنة ١٠٧٨) في كتاب "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (١/٣١٣) . في أدب زيارة قبر رسول الله ﷺ بعد أن ذكر أن الزائر يصلي في الروضة: " ثم ينهض فيتوجه إلى القبر الشريف، فيقف عند رأسه، مستقبل القبلة، ويدنو منه قدر ثلاثة أذرع أو أربعة، ولا يدنو منه أكثر من ذلك، ولا يضع يده على جدار التربة الشريفة". وهذه إحدى الحالتين المرويتين عن أصحاب أبي حنيفة، وهي أن يجعل القبر عن يساره، ويستقبل القبلة، ويسلم على النبي ﷺ.
(٢) في ز، ب: "على".
(٣) ذكر القاضي عياض كل هذا في كتابه الشفاء (٢/٨٥، ٨٦) .
[ ١٣٦ ]
٣٩٢ - ورؤي واضعًا يده على مقعد النبي ﷺ من المنبر ثم وضعها على وجهه (١) .
٣٩٣ - قال: وعن ابن أبي قسيط والقعنبي، كان أصحاب النبي ﷺ إذا خلا المسجد جسَّوا برمانة المنبر التي تلي (٢) القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون (٣) .
٣٩٤ - قال: وفي الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي أنه كان - يعني ابن عمر - يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر (٤) .
_________________
(١) ذكر القاضي عياض كل هذا في كتابه الشفاء (٢/٨٥، ٨٦) .
(٢) في ز، ب: "تلقاء".
(٣) الشفاء للقاضي عياض (٢/٨٦) . وهذه الحكايات تحتاج إلى أسانيد، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء، ثم على تسليم أنهم فعلوا ذلك فذلك بالنسبة لأشياء عرفوا حق اليقين أن رسول الله ﷺ باشرها بنفسه بجسده الشريف صلوات الله وسلامه عليه. فأين عمل الناس الآن، وهم يتبركون بكل شيء من المسجد وغيره من الأشياء التي حدثت بعد رسول الله ﷺ بقرون؟!. وقد كره مالك وغيره طلب موضع شجرة بيعة الرضوان. شرح الزرقاني للموطأ (١/٣٥١) . وقد نهى عمر - ﵁ - عن تتبع آثار النبي ﷺ؛ لأن في ذلك تشبهًا باليهود والنصارى.
(٤) الشفاء (٢/٨٦) . وهو في الموطأ (١/١٦٦)، ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر، برقم (٦٨)، مالك عن عبد الله بن دينار، "رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي ﷺ، فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر - ﵄ -". وفي المصنف لعبد الرزاق (٣/٥٧٦)، باب السلام على قبر النبي ﷺ حديث (٦٧٢٤): "عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ، فقال: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا أبتاه! ". وأخبرناه عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر، فقال: "لا نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك" إلا ابن عمر. =
[ ١٣٧ ]
وعند ابن القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر.
قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
٣٩٥ - وقال في المبسوط: ويسلم على أبي بكر وعمر (١) .
قال أبو الوليد الباجي: وعندي أن (٢) يدعو للنبي ﷺ بلفظ
_________________
(١) = أقول: يستفاد من قول عبيد الله بن عمر، الإمام المدني، الثقة الثبت، أن الصحابة الكرام - وفيهم الخلفاء الراشدون - ما كانوا يأتون قبر النبي ﷺ إلا ما كان من عبد الله بن عمر - ﵄ - إذا قدم من سفر، مع حبهم الشديد لرسول الله وإكرامهم إياه وطاعتهم وانقيادهم له. فهل آن للأمة الإسلامية أن تثوب إلى رشدها، فتتبع هؤلاء العظماء والفقهاء النبلاء. وإننا على ثقة أنهم ما وقفوا جميعًا هذا الموقف إلا على أساس متين، وصراط مستقيم من العلم النبوي الصحيح، وعلى إدراك واع لمقاصد الشريعة وأهدافها، إنه ما كان ذلك منهم - مع حبهم الشديد الصادق لرسول الله ﷺ إلا تنفيذًا لتوجيهاته الكريمة؛ مثل قوله ﷺ: "لاتتخذوا قبري عيدًا". ومثل قوله ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد". ومثل قوله ﷺ - وبأبي وأمي هو -: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". تنفيذًا لهذه التوجيهات العظيمة الهادفة إلى حماية التوحيد، وصيانة العقيدة الإسلامية من شوائب الغلو والضلال الذي وقع فيه أهل الكتاب، كان ذلك الموقف الواعي الرشيد من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون والفقهاء المبرزون مثل زيد بن ثابت وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وغيرهم من علماء الصحابة وعظمائها وساداتها، فما هم إلا جند الله ثم جند محمد ﷺ، جند له في حياته يفدونه ورسالته بمهجهم وأموالهم وأرواحهم، وجند له أوفياء بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فلله درهم ما أفقههم وأنبلهم وأوفاهم!. فهل للأمة الإسلامية أن تتأسى بهؤلاء العظماء الأوفياء في تنفيذ هذه التوجيهات وغيرها مما جاء به خاتم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟ ولله در إمام دار الهجرة - ﵀ - إذ قال حين خالف بعض الناس بعض هذه التوجيهات وبدأوا يترددون على القبر: لا أعرف هذا عمن مضى، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وسيأتي كلامه فنشير إلى مصدره في موضعه.
(٢) الشفاء (٢/٨٦) .
(٣) كذا في الأصل وفي المنتقى (١/٢٩٦) والشفاء والرد على الأخنائي (ص ١٠٥) أنه.
[ ١٣٨ ]
الصلاة، ولأبي بكر وعمر (١) [بلفظ السلام]؛ لما في حديث ابن عمر من الخلاف.
وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب، قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر.
٣٩٦ - فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره، وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في الواضحة وغيره.
قال: وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء (٢) . وقال فيه أيضًا: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر، أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر (٣) . قيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة. فقال مالك: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا
_________________
(١) الشفاء (٢/٨٦) .
(٢) الشفاء (٢/٨٨) .
(٣) الشفاء ٢/٨٨) .
[ ١٣٩ ]
لمن جاء من سفر أو أراده (١) .
قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلموا (٢) . قال: ولذلك (٣) رأي.
٣٩٧ - قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم (٤) .
٣٩٨ - قال: وقال رسول الله ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد"، "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٥) .
٣٩٩ - قال: وقال النبي ﷺ: "لا تجعلوا قبري عيدًا" (٦) .
٤٠٠ - قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة (٧) فيمن وقف بالقبر: لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلًا.
_________________
(١) الشفاء ٢/٨٨) .
(٢) المصدر السابق (٢/٨٨) .
(٣) في المنتقى (١/٢٩٦) . قال ابن القاسم: وهو رأيٌ وكذلك في الشفاء.
(٤) الشفاء (٢/٨٨ - ٨٩) منقول كله بالحرف. ولله در الإمام مالك ما أفقهه! وما أشد تمسكه بالسنة! وما أحرصه على اقتفاء آثار الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان!.
(٥) تقدم تخريجه في ص (٣٥) رقم (١) .
(٦) أحمد في المسند (٢/٣٦٧) . وأبو داود (٣/٥٣٤) حديث (٢٠٤٢) . قال أحمد: ثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا. وقال أبو داود: ثنا أحمد بن صالح قرأت على عبد الله بن نافع به. وهو إسناد حسن.
(٧) أحمد بن سعيد الهندي في الشفا (٢/٨٨) .
[ ١٤٠ ]
٤٠١ - وفي (العتبية) - يعني عن مالك -: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد ﷺ (١)، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي ﷺ حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت .
٤٠٢ - فهذا قول مالك وأصحابه، وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم [يكونوا] يقصدون القبر إلا للسلام على النبي ﷺ والدعاء له. وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبي ﷺ. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي ﷺ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي ﷺ، فكيف بدعائه لنفسه؟ (٢) .
٤٠٣ - وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصدُ الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟.
٤٠٤ - فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله: "استقبله واستشفع به" كذب على مالك، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة
_________________
(١) أي يقدم صلاة تحية المسجد على الزيارة.
(٢) هذا تلخيص جيد لما نقله سابقًا من كلام مالك وأصحابه.
[ ١٤١ ]
والتابعين وأفعالهم التي نقلها (١) مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه فضلًا عن أن يستقبله ويستشفع به، يقول له: يا رسول الله اشفع لي أو ادع/ لي، أو يشتكي إليه (٢) المصائب [في] (٣) الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أو يشتكي إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين، وإن كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويبلّغ سلام البعيد (٤) .
٤٠٥ - وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذي رواه أحمد (٥) وأبو داود (٦) بإسناد جيد من حديث حيْوَة بن شريح المصري حدثنا أبو صخر عن يزيد [ابن عبد الله] بن قسيط عن أبي هريرة عن رسول
_________________
(١) في ز، ب: "يفعلها" وهو خطأ.
(٢) في خ: "إليهم".
(٣) ليست في الأصل وزيدت لأن المقام يقتضيها.
(٤) يشير شيخ الإسلام إلى الحديث الذي رواه محمد بن مروان السدي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -. وسيأتي الكلام عليه وعلى محمد بن مروان السدي في ص ١٥٧.
(٥) في المسند (٢/٥٢٧) .
(٦) السنن (٢/٥٣٤)، ٥ - كتاب المناسك، ١٠٠ - باب زيارة القبور، حديث (٢٠٤١) . وفي إسناده حميد بن زياد أبو صخر، ويزيد بن عبد الله بن قسيط فيهما كلام.
[ ١٤٢ ]
الله ﷺ أنه قال: "ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇".
وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة في السلام عليه عند قبره، صلوات الله وسلامه عليه.
٤٠٦ - فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء منها في الدين؛ لهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئًا منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني والبزار وغيرهما.
وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمري (١)، وهو ضعيف، والكذب ظاهر عليه.
مثل قوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي" (٢)، فإن
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العمري المدني، ضعيف عابد من السابعة/ م٤. تقريب (١/٤٣٥) . وضعف عبد الله عدد من أئمة الحديث مثل يحيى القطان، وعلي بن المديني، وابن حبان. لكن هذا الحديث الذي نسبه إليه شيخ الإسلام بهذا اللفظ ليس هو حديث عبد الله العمري، وإنما هو حديث حفص بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر. ولفظ حديث عبد الله بن عمر العمري الضعيف هكذا: "من زار قبري وجبت له شفاعتي". وقد أورد الشيخ نفسه الحديثين في الرد على الأخنائي (ص ٤٢، ٤٣) بحاشية الرد على البكري ناسبًا كل حديث إلى راويه على الصواب. وكذلك ذكر ابن عبد الهادي الحديثين في كتابه الصارم المنكي، أورد حديث عبد الله العمري في ص ١١ - وناقشه مناقشة علمية إلى (ص ٢٧) . وأورد حديث حفص بن سليمان في (ص ٤٨) وناقشه إلى (ص ٦٩) .
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه (٢/٢٧٨)، حديث (١٩٢) . والبيهقي في الكبرى (٥/٢٤٦)، كتاب الحج، باب زيارة قبر النبي ﷺ. وابن عدي في الكامل (٢/٧٩٠) . والطبراني في الكبير (١٢/٤٠٦)، حديث (١٣٤٩٧) . كلهم من طريق أبي الربيع =
[ ١٤٣ ]
هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره في حياته، وكان مؤمنًا به، كان من أصحابه، لا سيما إن كان من المهاجرين إليه، المجاهدين معه.
٤٠٧ - وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدُكم مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (١) . أخرجاه في الصحيحين (٢) .
_________________
(١) = الزهراني عن حفص بن أبي داود عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا. قال البيهقي بعد إخراجه: تفرد به حفص وهو ضعيف. وأورده الهيثمي في المجمع (٤/٢)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه حفص ابن أبي داود القاري، وثقه أحمد وضعفه جماعة من الأئمة. ونقل هذا النص العقيلي في الضعفاء (١/٢٧٠)، وابن عدي في الكامل (٢/٣٨٠) . وفي تاريخ بغداد (٨/١٨٦ - ١٨٧) عن حنبل - ما كان بحفص بأس. وفي رواية أخرى: "صالح"، وفي تاريخ بغداد أيضًا عن عبد الله أنه سأل أباه عنه فقال "صالح". وفي العلل ص ٣٩٠ رقم (٣٦٠٦) سمعت أبي يقول حفص بن سليمان يعني أبا عمرو القاري متروك الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل. راجع هذه الأقوال: الضعفاء للعقيلي (١/٢٧٠)، والكامل لابن عدي (٢/٣٨٠)، والضعفاء للنسائي (ص ٨٢) رقم (١٣٦)، والميزان (١/٥٥٨)، وكتاب المجروحين (١/٢٥٥) . والضعفاء للبخاري (ص ٦٦) رقم (٧٣) . وفي الإسناد ليث بن أبي سليم شيخ حفص، ضعيف. قال الحافظ في التقريب (٢/١٣٨): صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم، كل ذلك كان منه في اختلاطه، تركه يحيى القطان، وابن مهدي وأحمد بن حنبل، وابن معين. كتاب المجروحين (٢/٢٣١) . انظر الجرح والتعديل (٧/١٧٧)، والمغني (٢/٥٣٦)، والميزان (٣/٤٢٠) .
(٢) المد: ما يملأ راحة الكفين من الرجل المعتدل ويستعمل للحبوب وأمثالها. ونصيفه: نصفه.
(٣) البخاري، ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة، ٥ - باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلا، حديث (٣٦٧٣) . ومسلم (٤/١٩٦٧)، ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، =
[ ١٤٤ ]
٤٠٨ - والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة؛ كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين، بل ولا شرع السفر إليه، بل هو منهي عنه.
٤٠٩ - وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه، والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب، والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته، فكيف بالسفر المنهي عنه؟.
٤١٠ - وقد اتفق الأئمة (١) على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره بل ينهى عن ذلك.
_________________
(١) = ٥٤- باب تحريم سب الصحابة، حديث (٢٢٢) . وأبو داود (٥/٤٥)، ٣٤ - كتاب السنة، ١١ - باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله ﷺ (٤٦٥٨) . والترمذي (٥/٦٩٣ - ٦٩٤)، ٥٠ - كتاب المناقب (٣٨٦١) . وأحمد (٣/١١، ٥٤) كلهم من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁. ومسلم (٤/١٩٦٧)، ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٥٤ - باب تحريم سب الصحابة، حديث (٢٢١) وابن ماجه (١/٥٧)، مقدمة، باب ١١، حديث (١٦١) . من حديث أبي هريرة.
(٢) في مجمع الأنهر للشيخ عبد الله بن محمد بن سليمان المعروف بداماد آفندي الحنفي (١/٥٤٧): "ومن نذر بما هو واجب قصدًا من جنسه، وهو عبادة مقصودة (نذرًا مطلقًا) غير معلق بشرط بقرينة التقابل، مثل أن يقول: لله عليّ حج أو عمرة، أو اعتكاف، أو لله علي نذر، وأراد شيئًا بعينه كالصدقة؛ فإن هذه عبادات مقصودة، ومن جنسها واجب، وإنما قيد النذر به؛ لأنه لم يلزم الناذر ما ليس من جنسه فرض؛ كقراءة القرآن، وصلاة الجنازة، ودخول المسجد، وبناء المساجد والسقاية وعمارتها. وإكرام الأيتام، وعيادة المريض، وزيارة القبور، وزيارة قبر النبي ﷺ وإكفان الموتى، =
[ ١٤٥ ]
٤١١ - ولو نذر السفر إلى مسجده والمسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعي (١) .
_________________
(١) = وتطليق امرأته، وتزويج فلانة. لم يلزمه شيء من هذه الوجوه؛ لأنها ليس لها أصل في الفروض المقصودة، كما في كثير من الكتب".
(٢) قال الشافعي - ﵀ - في الأم (٢/٢٥٦): "ولو نذر، فقال عليّ المشي إلى إفريقية أو العراق أو غيرهما من البلدان لم يكن عليه شيء، لأنه ليس لله طاعة في المشي إلى شيء من البلدان، وإنما يكون المشي إلى المواضع التي يرتجى فيها البر، وذلك المسجد الحرام، وأحبّ إليَّ لو نذر أن يمشي إلى مسجد المدينة أن يمشي، وإلى مسجد بيت المقدس أن يمشي؛ لأن رسول الله ﷺ، قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس"، ولا يبين لي أن أوجب المشي إلى مسجد النبي ﷺ ومسجد بيت المقدس، كما يبين لي أن أوجب المشي إلى بيت الله الحرام؛ وذلك أن البر بإتيان بيت الله فرض، والبر بإتيان هذين نافلة". وانظر حلية العلماء للقفال الشاشي (٣/٣٤٢) . وقال أبو إسحاق الشيرازي في المهذب: "وإن نذر المشي إلى المسجد الأقصى ومسجد المدينة ففيه قولان؛ قال في البويطي يلزمه، لأنه مسجد ورد الشرع بشد الرحال إليه، فلزمه المشي إليه بالنذر، كالمسجد الحرام. وقال في الأم: لا يلزمه، لأنه مسجد لا يجب قصده بالنسك، فلم يجب المشي إليه بالنذر كسائر المساجد". وانظر حلية العلماء (٣/٣٤٢) . وذكر النووي هذين القولين في الإيضاح (ص ٥١٨ - ٥١٩) مع شرح ابن حجر الهيتمي. وقال ابن حجر الهيتمي هنا (ص ٥١٩): "ولو نذر زيارة قبره ﷺ لزم الوفاء به؛ لما علمت أنها في القرب المؤكدة، وكذا زيارة قبر غيره ﷺ مما تسن زيارته؛ لأنها قربة مقصودة". وهذا من العجائب والغرائب، لقد علم ابن حجر أن مذهب الشافعي استحباب الوفاء بالنذر بالذهاب إلى مسجد رسول الله ﷺ وبيت المقدس وتهيبه من القول بالوجوب خوفًا من الله وورعًا، وأكد ذلك النووي في الإيضاح بأن أصح القولين الاستحباب، وأقرهما ابن حجر على ذلك، ثم بعد كل هذا يرى وجوب وفاء النذر بزيارة القبور؛ لأنها في نظره من القرب المؤكدة، فهل شد الرحال إلى مسجد رسول الله وإلى بيت المقدس لا يرقى إلى درجة القرب المؤكدة، وقد حضنا رسول الهدى ﷺ إلى شد الرحال إليهما مع أعظم بيوت الله المسجد الحرام. أهكذا نعامل توجيهات رسول الله ﷺ؟! إن كان ابن حجر الهيتمي مقلدًا للشافعي فأين تقليده لإمامه هنا؟ ولماذا لا يلزم غرره هنا ويقف حيث وقف إمامه ورعًا وتقوى، وإن كان مجتهدًا فنعوذ بالله من اجتهاد يقوم على مخالفة النصوص الصحيحة الواضحة وعلى مخالفة أئمة الهدى، ويقوم على =
[ ١٤٦ ]
أظهرهما عنه: يجب ذلك، وهو مذهب مالك (١) وأحمد (٢) .
والثاني: لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة (٣)؛ لأن من أصله أنه لا يجب النذر إلا ما كان واجبًا بالشرع، وإتيان هذين المسجدين ليس واجبًا
_________________
(١) = الهوى وعلى الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ، ثم نقول أين فتاوى السلف الصالح في هذه القضية؟ وهل هي نازلة من النوازل التي ألمت بالأمة لم تكن في عهد السلف الصالح حتى يجتهد فيها المتأخرون؟!.
(٢) في المدونة (٢/٨٧): "وقال مالك: ومن قال: لله عليَّ أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو المشي إلى المدينة أو المشي إلى بيت المقدس، فلا شيء عليه، إلا أن يكون نوى بقوله ذلك أن يصلي في مسجد المدينة أو في مسجد بيت المقدس. فإن كان تلك نيته وجب عليه الذهاب إلى المدينة أو إلى بيت المقدس راكبًا". وانظر الكافي لابن عبد البر (١/٤٥٨) . ويفهم من استثناء مالك الصلاة فقط من صور الأعمال التي يشملها نذر المشي إلى المدينة وإلى بيت المقدس، ومنها مثلًا زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الشهداء في المدينة وقبر الخليل وسائر قبور الأنبياء في بيت المقدس، أنه لا يجب ولا يشرع شد الرحال إلى قبر نبينا محمد ﷺ ولا إلى قبر غيره من الأنبياء والصالحين ولا يجب ولا يستحب الوفاء بالنذر بالمشي إليها ولو كان يرى شيئًا من هذا لاستثناه كما استثنى الصلاة، وهذا يدل على قوة اتباعه للكتاب والسنة وتمسكه بهما وبعده عن الغلو والبدع التي قال الله في شأنها: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ وقول رسول الله ﷺ: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". وقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". فليت أتباعه يقفون حيث وقف لأن الدين توقيفي.
(٣) قال ابن قدامة في المغني (١٠/١٦): "وإن نذر المشي إلى مسجد النبي ﷺ، أو المسجد الأقصى لزمه ذلك. وبهذا قال مالك والأوزاعي، وأبو عبيد، وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: "ولا يبين لي وجوب المشي إليهما؛ لأن البر بإتيان بيت الله فرض والبر بإتيان هذين نفل".
(٤) في البحر الرائق (٣/٨١): "ولو قال عليَّ المشي إلى بيت الله الحرام، ولم يذكر حجًا ولا عمرة لزم أحد النسكين استحسانًا، فإن جعله عمرة مشي حتى يحلق، إلا إذا نوى به المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس أو مسجد من المساجد، فإنه لا يلزمه شيء". ويفهم من موقفهم هذا ما يفهم من موقف مالك رحم الله الجميع ووفق الأمة لسلوك منهجهم.
[ ١٤٧ ]
بالشرع فلا يجب بالنذر عنده (١) .
وأما الأكثرون فيقولون: هو طاعة لله.
٤١٢ - وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه" (٢) .
٤١٣ - وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء الصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة (٣) .
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (٣/١٣٢) . مجمع الأنهر (١/٥٤٧) .
(٢) أخرجه البخاري، ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٢٨ - باب النذر في الطاعة، حديث (٦٦٩٦)، و٣١ - باب النذر فيما لا يملك وفي معصية، حديث (٦٧٠٠) . وأبو داود (٣/٥٩٣)، ١٦ - كتاب الأيمان والنذور، ٢٢ - باب ما جاء في النذر في المعصية، حديث (٣٢٨٩) من حديث القاسم. والترمذي (٤/١٠٤)، ٢١ - كتاب النذور والأيمان ٢ - باب من نذر أن يطيع الله فليطعه، حديث (١٥٢٦) . وابن ماجه (١/٦٨٧)، ١١ - كتاب الكفارات، ١٦ - باب النذر في المعصية، حديث (٢١٢٦) . والنسائي (٢/١٣٦)، (٣٨٣٨) الطبعة الهندية. والدارمي (٢/١٠٥)، ١٤ كتاب النذور ٣ - باب لانذر في معصية الله، حديث (٢٣٤٣) . ومالك في الموطأ (٢/٤٧٦)، ٢٢ - كتاب النذور والأيمان، حديث (٨) . وأحمد (٦/٣٦، ٤١) . وابن الجارود في المنتقى (ص ٣١٢ - ٣١٣)، باب ما جاء في النذور، حديث (٩٣٤) . كلهم من طريق مالك وعبيد الله بن عمر، عن طلحة بن عبد الملك عن القاسم بن محمد عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا.
(٣) زيارة القبور مشروعة وكان رسول الله قد نهى عنها من باب سد الذرائع؛ لأن الأمم السابقة فتنت بقبور أنبيائها وصالحيها حتى أوقعهم الشيطان كرات ومرات في هوة الشرك بهم واتخاذهم أندادًا مع الله، وأول فتنة من فتن الشرك وقعت لقوم نوح إذ تعلقت قلوبهم بود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهم رجال صالحون فجعلوهم أندادًا مع الله. من أجل ذلك وأمثاله نهى رسول الله أولًا عن زيارة القبور، ولما رسخت عقيدة التوحيد في قلوب أصحابه الكرام وأمن عليهم الفتنة رخص لهم في زيارتها، وبين لهم الغاية من زيارتها وهي أنها تذكرهم الآخرة، هذه واحدة، والأخرى ليستفيد الأموات من دعاء إخوتهم الأحياء. =
[ ١٤٨ ]
_________________
(١) = وإذا كان الأمر كذلك، والهدف الأول وهو تذكرة الآخرة، أمر يتحقق بزيارة القبور القريبة والمجاورة، حتى ولو كانت قبور قوم مشركين اكتفى الشارع الحكيم بالحد الأدني الذي يحقق الغرض الشرعي مع تحفظات كثيرة تسد ذرائع الفتنة والشرك: منها أن لا يقولوا هجرًا، ومنها أن لا تتخذ مساجد، ومنها أن لا يبنى عليها، ولا تجصص، ولا يصلى عليها ولا إليها، اكتفى بالحد الأدنى مع هذه الاحتياطات والتحفظات. ولم يشرع أبدًا السفر إليها وشد الرحال إليها، لا بقوله ولا بفعله. وآية ذلك: أن هذا الأمر لم ينزل فيه قرآن، ولم يثبت فيه حديث من قول رسول الله أو فعله، فلو كان مشروعًا لتحقق فيه كل ذلك ولسن لنا رسول الله ذلك برحلات ورحلات إلى قبور الأنبياء والصالحين. ولملئت الدواوين برحلات الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، ونحن نجد دواوين الإسلام من صحاح وسنن ومسانيد وكتب فقه السلف الصالح قد سجلت كل حقوق الأموات من عيادتهم وهم مرضى إلى غسلهم وتحنيطهم وتشييعهم ودفنهم وزيارتهم والاستغفار لهم والدعاء لهم والنهي عن الجلوس على قبورهم، ومن جهة أخرى لحماية عقيدة الأحياء من المسلمين نهي عن البناء على قبور الأموات بأي شكل وبأي صورة لا مساجد ولا مطلق بناء ولا بتجصيص. كل هذا قد طفحت به دواوين الإسلام التي نوهنا عنها، خالية خلوًا كاملًا من حديث نبوي صحيح أو حسن، ومن أقوال الصحابة والقرون المفضلة، ومن أقوال أئمة الهدى من شيء له تعلق بقضية السفر إلى القبور، فهذا الإمام مالك لا تجد له كلمة في موطأه تشير إلى السفر وشد الرحال إلى قبر رسول الله ﷺ ولا إلى قبر غيره، وهذه كتب تلاميذه التي دونوا فيها فقه هذا الإمام لا نجد فيها بابًا ولا فصلًا ولا حديثًا يحث المسلمين على شد الرحال والسفر إلى قبر النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين. وهذا الإمام الشافعي يدون فقهه العظيم في الأم وغيرها، فلم يعقد بابًا ولا فصلًا، ولم يذكر حديثًا واحدًا بشأن السفر إلى قبور الأنبياء. وهذا الإمام أحمد بن حنبل وهذا مسنده العظيم ومسائله التي دونت في كتب لا تجد لهذه المسألة فيها أثرًا ولا خبرًا. وهذان الصحيحان، وبقية الأمهات الست وأخواتها من دواوين الإسلام المعتبرة، خلت خلوًا كاملًا عن قضية شد الرحال والسفر إلى قبر النبي ﷺ أو إلى قبور غيره من الأنبياء. وهذه كتب أبي حنيفة وأصحابه أبي يوسف ومحمد نبحث فيها، فلا نجد فيها ذكرًا لهذه المسألة. فما هو السر إذن في عمل هؤلاء الصحابة والتابعين والأئمة من الفقهاء والمحدثين؟ ويجب أن يقف جميع العقلاء متسائلين: هل ينقصهم حب رسول الله ﷺ؟ هل كان هناك مادة خصبة وأحاديث وآثار ثرة أهملوها بل كتموها ودفنوها كما فعلوا بوصية =
[ ١٤٩ ]
فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه؟ وهذا مالك كره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله ﷺ واستعظمه (١) .
وقد قيل: إن ذلك لكراهية زيارة القبور.
وقيل: لأن الزائر أفضل من المزور.
وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك.
٤١٤ - والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل
_________________
(١) = علي في نظر الباطنية وغلاة الرفض؟ إن المنتسبين إلى السنة على اختلاف اتجاهاتهم بحمد الله لا يظنون بسفلهم هذا الظن السيء، ولكنها الغفلة ودغدغة شياطين الإنس والجن لعواطف الحب العمياء التي لا تميز بين حق وباطل، وبين جفاء وإفراط وإطراء، إنه ليس بأيدي المتحمسين لهذه المسألة مسألة شد الرحال إلى القبور التي يبالغون فيها وقد يكفرون من يخالفهم إلا غثاء وسرابٌ من الأحاديث الباطلة لا يدعمها كتاب ولا سنة، ولا قول صحابي ولا إمام من أئمة الإسلام. إنا نقول لهؤلاء ما نقتبسه من قول الله: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة﴾ . نقول لكم: قوموا مثنى وفرادى وجماعات، وشكلوا لجانا واعقدوا مؤتمرات وفكروا في كل ذلك وقلبوه بطنا لظهر، لماذا أهمل سلفكم الصالح وأقصد بهم القرون المفضلة هذه القضية المهمة؟ ولماذا لم يحتفوا بها ويسجلوها في دواوينهم الفقهية والحديثية والعقائدية؟ هل أصابتهم جنة أو جفاء أو أن القضية لا أساس لها؟ لعل احترامكم لسادة هذه الأمة وسلفها الصالح وحسن ظنكم بهم يدفعانكم إلى الاعتراف بالحقيقة. والواقع أن رسول الله ﷺ لم يفعل ولم يأمر بشيء من هذا، بل عمل عكس هذا تمامًا من الاحتياطات والتحفظات التي ذكرناها، وما أروعها وأنصفها وأوضحها وأكثرها وأبركها على الأمة! ونختم هذا بقوله ﷺ: "لا تجعلوا قبري عيدًا". وفعل أصحابه تنفيذًا لهذا التوجيه السديد وأمثاله؛ حيث دفنوه في حجرته خشية أن يتخذ قبره مسجدًا، كما قالته عائشة ورواه الشيخان وغيرهما. وما كانوا يأتون قبره، كما روى ذلك عبد الرزاق عن معمر عن عبيد الله بن عمر العمري الإمام. وفق الله الأمة للعودة إلى الإسلام الحق وإلى اتباع نبيها وسلفها الصالح.
(٢) الشفاء (٢/٨٤) .
[ ١٥٠ ]
فيها الزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك، فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
٤١٥ - فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلي عليه صلاة الجنازة، فهذه الزيارة الشرعية.
٤١٦ - والثاني: أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات (١) منهم، أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، أو أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضي إجابة الدعاء، فمثل هذه الزيارة بدعة منهيّ عنها.
٤١٧ - فإذا كان لفظ "الزيارة" مجملًا يحتمل حقًا وباطلًا عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه كلفظ "السلام" عليه، ولم يكن لأحد أن يحتج على مالك بما روي في زيارة قبره أو زيارته بعد موته، فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة، لا يحتج بشيء منها في أحكام الشريعة/.
٤١٨ - والثابت عنه ﷺ أنه قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (٢)، هذا هو الثابت في الصحيح.
_________________
(١) في ز: "الحاجة".
(٢) البخاري، ٩٦ - كتاب الاعتصام، ١٦ - باب ماذكر النبي ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم إلخ، حديث (٧٣٣٥)، و٨٦ - كتاب الرقاق، ٥٣ - باب في الحوض، حديث (٦٥٨٨) . ومسلم، ١٥ - كتاب الحج، ٩٢ - باب ما بين القبر والمنبر، حديث =
[ ١٥١ ]
ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال: (قبري) (١) . وهو ﷺ حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعدُ صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة، لما (٢) تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصًا في محل النزاع، ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه، بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه.
٤١٩ - ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز أمره أن يشتري الحُجَر (٣) ويزيدها في المسجد، وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في المسجد من حينئذ، وبنوا الحائط البراني مسنمًا محرفًا.
_________________
(١) = (٥٠٢) . والموطأ (١/١٩٧)، ١٤ - ٥ - باب ما جاء في مسجد النبي ﷺ، حديث (١٠) . وأحمد (٢/٢٣٦، ٣٧٦) و(٣/٤) . والترمذي (٥/٦/٧١٨)، ٦٨ - باب ما جاء في فضل المدينة، حديث (٣٩١٥) . كلهم من حديث أبي هريرة إلا مالك وأحمد في (٣/٤) فعن أبي هريرة أو أبي سعيد كما عند مالك وأبي هريرة وأبي سعيد كما عند أحمد. وإلا عند الترمذي عن علي وأبي هريرة - ﵄ -. وأخرجه مسلم (٢/١٠١٠)، ١٥ - كتاب الحج، حديث (٥٠٠، ٥٠١) . والبخاري، ٢٠ - كتاب فضل ما بين القبر والمنبر، حديث (١١٩٥) . ومالك في الموطأ (٢/١٩٧)، ٥ - باب ما جاء في مسجد النبي ﷺ، حديث (١١) .
(٢) رواه أحمد في مسنده (٣/٦٤) وهو ضعيف مخالف للروايات الثابتة في الصحيحين وغيرهما بلفظ ما بين بيتي ومنبري إلخ. وقد أشار شيخ الإسلام هنا إلى ضعفه وضعفه أيضًا القرطبي وابن حجر والألباني انظر تحذير الساجد ص ١٩٩.
(٣) في ز، ب: "إنما".
(٤) أي حجر أمهات المؤمنين المجاورة يومئذ للمسجد النبوي ثم دخلت فيه عند توسيعه.
[ ١٥٢ ]
٤٢٠ - فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها" (١) .
٤٢١ - لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى. و(٢) كما نهى عن اتخاذها مساجد نهى عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له. فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم (٣) الذي سدَّ الله ورسوله ذريعته، وهذا بخلاف السلام المشروع حسبما تقدم.
٤٢٢ - وقد روى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام". رواه النسائي (٤) وأبو حاتم في صحيحه (٥) .
_________________
(١) مسلم (٢/٦٦٨)، ١١ - كتاب الجنائز، ٢٣ - باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، حديث (٩٧، ٩٨) . وأبو داود (٣/٥٥٤) ١٥ - كتاب الجنائز، ٧٧ - باب كراهية القعود على القبر، حديث (٣٢٢٩) . والنسائي (٢/٥٣)، النهي عن الصلاة إلى القبر. والترمذي (٣/٣٥٨)، ٨ - كتاب الجنائز، ٥٦ - باب ما جاء في تسوية القبور، حديث ١٠٥٠. وأحمد (٤/١٣٥) . والبيهقي (٤/٧٩) . والطحاوي في "شرح المعاني" (١/٥١٥) . وقال أحمد: إسناده جيد. وانظر تحذير الساجد (ص ٣٣) .
(٢) هذه الواو غير موجودة في الأصل.
(٣) في ز، ب: "الحرام".
(٤) (٣/٣٧)، باب السلام على النبي ﷺ. وأحمد (١/٣٨٧، ٤٤١، ٤٥٢)، وفضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٤) .
(٥) صحيح ابن حبان (٢/١٩٣)، والموارد حديث (٢٣٩٣) . وزاذان: صدوق يرسل.
[ ١٥٣ ]
وروى نحوه عن أبي هريرة.
فهذا فيه أن سلام البعيد تبلغه الملائكة.
٤٢٣ - وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا عليَّ من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تعرض عليَّ يومئذ، فمن كان أكثرهم عليَّ صلاة كان أقربهم مني منزلة" (١) .
_________________
(١) لفظ حديث أوس بن أوس: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة عليَّ"، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". أخرجه أبو داود، ٢ - كتاب الصلاة، ٢٠٧ - فضل يوم الجمعة، حديث (١٠٤٧) . والنسائي (٣/٧٥)، باب إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة. وابن ماجه، ٥ - كتاب إقامة الصلاة، ٧٩ - باب فضل الجمعة، حديث (١٠٨٥) . وأحمد في المسند (٤/٨) . والدارمي، كتاب الصلاة ٢٠٦ - باب فضل الجمعة، حديث (١٥٨٠) . وابن حبان (٢/١٨٩)، حديث (٨٩٨) . والموارد (١/١٤٦) . والحاكم في المستدرك، (١/٢٧٨) . وابن خزيمة (٣/١١٨)، حديث (١٧٣٣) . والطبراني في الكبير (١/١٨٦) . وإسماعيل القاضي في "فضل الصلاة علىالنبي ﷺ". كلهم من طريق حسين بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس - ﵁ - مرفوعًا. وفيه انقطاع؛ لأن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لم يدرك أبا الأشعث الصنعاني ذلك أنه لم يولد إلا بعد وفاة أبي الأشعث بمدة طويلة. ويرى البخاري، وأبو حاتم الرازي، أن عبد الرحمن الراوي عن أبي الأشعث إنما هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو ضعيف. انظر العلل لابن أبي حاتم (١/١٩٧)، والتاريخ الكبير للبخاري (ق١/ ج٣/٣٦٥)، وتاريخ دمشق (١٠/١٢٢)، وشرح العلل لابن رجب الموضع السابق. ثم إن هذا اللفظ الذي عزاه شيخ الإسلام لأوس بن أوس قطعة منه من حديث أوس بن أوس - كما هو واضح - والجزء الآخر لم أجده. في مصادر السنة بعد بحث، ولعله معنى حديث لابن مسعود - ﵁ - بلفظ: "إن أولى الناس بي يوم القيامة =
[ ١٥٤ ]
٤٢٤ - وفي مسند الإمام أحمد: حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" (١) . ورواه أبو داود.
٤٢٥ - قال القاضي عياض (٢): وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلى عليَّ عند قبري سمعته. ومن صلى نائيًا أبلغته" (٣) .
_________________
(١) = أكثرهم علي صلاة". أخرجه ابن حبان (٢/١٩٠) تحت عنوان: "ذكر البيان بأن أقرب الناس في القيامة يكون من النبي ﷺ من كان أكثر صلاة عليه في الدنيا". ثم قال عقب الحديث المذكور: "في هذا الخبر دليل على أن أولى الناس برسول الله ﷺ في القيامة يكون أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم". وابن أبي شيبة (١١/٥٠٥) حديث (١١٨٣٦) .
(٢) مسند أحمد (٢/٣٦٧) . وأبو داود (٢/٥٣٤) ١٠٠ - باب زيارة القبور، حديث (٢٠٤٢) . والبيهقي، في حياة الأنبياء (ص ١٢) . كلهم من طريق عبد الله بن نافع الصائغ عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا. وعبد الله بن نافع، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، فالحديث حسن على أقل الأحوال، وصححه النووي في الأذكار (ص ٩٣) . وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء: "إسناده حسن". وحسنه الحافظ في تخريج الأذكار - كما في الفتوحات الربانية - وله شواهد تقويه ستأتي - إن شاء الله -.
(٣) في الشفاء (٢/٧٧) .
(٤) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/١٣٧) في ترجمة محمد بن مروان السدي، وقال: "لا أصل له من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ، ولا يتابعه إلا من هو دونه". والبيهقي في "حياة الأنبياء" (ص ١٢) . والخطيب في التاريخ (٣/٢٩١ - ٢٩٢) . وابن الجوزي في الموضوعات (١/٣٠٢)، ٣٠٣) . وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح، ومحمد بن مروان السدي قال يحيى: ليس بثقة. وقال ابن نمير: كذاب - وقال السعدي: ذاهب. وقال النسائي: متروك. وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا اعتبارًا". ونقل كلام العقيلي، ونقل الخطيب بعض هذه =
[ ١٥٥ ]
٤٢٦ - وهذا قد رواه محمد بن مروان السدي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وهذا هو السدي الصغير وليس بثقة، وليس هذا من حديث الأعمش.
٤٢٧ - وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد ابن حيَّان عن أبي بكر الحنفي: حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، سمعت الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ: "صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا، ولا تتخذوا بيتي عيدًا. صلوا عليَّ وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني" (١) .
٤٢٨ - وروى سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله (٢) بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلًا يكثر الاختلاف إلى قبر النبي ﷺ قال له: ياهذا! إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني". فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء (٣) .
_________________
(١) = الأقوال، ونقل عن البخاري أنه قال: محمد بن مروان الكوفي صاحب الكلبي، لا يكتب حديثه ألبته. ونقل عن صالح ابن محمد أنه قال: كان ضعيفًا وكان يضع الحديث.
(٢) ١٢/١٣١) حديث (٦٧٦١) . ووجدت في التاريخ لابن عساكر (٤/٢١٧/١) من طريق حميد بن أبي زينب عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "حيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني".
(٣) هكذا في الأصل وغيره لكنه في سائر مصادر الحديث لا ذكر لعبد الله بل هو عن الحسن بن الحسن.
(٤) لم أجد في المطبوع من سنن سعيد بن منصور. وفي التاريخ لابن عساكر (٤/٢١٧/١) من طريق عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي عن جدي حدثني ابن عجلان عن سهيل وسهيل [كذا في التاريخ ولعل =
[ ١٥٦ ]
٤٢٩ - وروي هذا المعنى عن علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي بن أبي طالب، ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ في مختاره (١) الذي هو أصح من صحيح الحاكم.
٤٣٠ - وذكر القاضي عياض عن الحسن بن علي قال: إذا دخلت فسلم على النبي ﷺ فإن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي
_________________
(١) = الناسخ كرره سهوًا والرجل لم ينسب في المصادر كلها] عن أبي سعيد مولى المهري عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، أنه قال - ورأى رجلًا وقف على البيت الذي فيه قبر رسول الله ﷺ يدعو له ويصلي عليه - فقال حسن للرجل: لا تفعل، فإن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني". وأخرجه عبد الرزاق (٣/٥٧٧) عن الثوري عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قومًا عند القبر فنهاهم، وقال: "إن النبي" ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا " الحديث بنحوه. وسهيل هذا ذكره البخاري في تاريخه (ق٢/ج١/١٠٥)، فقال: سهيل عن حسن بن حسن، روى عنه محمد بن عجلان، منقطع. وقال ابن أبي حاتم: سهيل روى عن الحسن بن علي بن أبي طالب - ﵁ - وروى عن ابن عجلان، سمعت أبي يقول. قال أبو محمد: روى عنه سفيان الثوري "الجرح والتعديل" (٤/٢٤٩) . وقال ابن حبان في الثقات (٦/٤١٨): سهيل، شيخ يروي عن الحسن، روى عنه ابن عجلان. قال الألباني: وله راوٍ ثالث وهو إسماعيل الراوي لهذا الحديث عند ابن خزيمة، وهو إسماعيل ابن علية فقد روى عنه ثلاثة من الثقات، فهو معروف غير مجهول. تحذير الساجد (ص ١٤١) . والأولى أن يقال: مستور أو مجهول الحال، كما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في تعريف المستور، وهو: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق.
(٢) (١/١٥٤) . والمصنف لابن أبي شيبة (٢/٨٣/٢) كما في تحذير الساجد (ص ١٤٠) . ومسند أبي يعلى (١/٣٦١ - ٣٦٢) من طريق جعفر بن إبراهيم - من ولد ذي الجناحين - قال: حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين عن أبيه عن جده، بنحوه. والقاضي إسماعيل بن إسحاق في "فضل الصلاة على النبي ﷺ" بهذا الإسناد (ص ٣٣ - ٣٤) . إلا أنه قال: حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب عمن أخبره من أهل بلده عن علي بن حسين. قال الألباني: والحديث صحيح بطرقه وشواهده "فضل الصلاة على النبي ﷺ" (ص ٣٤) .
[ ١٥٧ ]
عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (١) .
٤٣١ - ومما يوهن هذه الحكاية (٢) أنه قال فيها: "ولم تصرفُ وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله (٣) يوم القيامة". إنما يدل على أنه يوم القيامة يتوسل الناس بشفاعته، وهذا حق كما تواترت به الأحاديث، لكن إذا كان الناس يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة، كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته في حياته، فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته، فنظير هذا - لو كانت الحكاية صحيحة - أن يطلب منه الدعاء والشفاعة في الدنيا عند قبره.
٤٣٢ - ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبي ﷺ / ولا سَنَّهُ لأمته، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحبه (٤) أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا غيره من الأئمة، فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة بأدلتها الشرعية، مع علو قدر مالك وعظم فضيلته وإمامته، وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها؟ وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع؟ فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل هذا.
_________________
(١) الشفاء (٢/٧٨) .
(٢) أي الحكاية المنقطعة المنقولة عن محمد بن حميد الرازي عن مالك، ومحمد بن حميد لم يلق مالكًا. وقد تقدمت الحكاية ونقدها من ص (١٣١ - ١٣٤) .
(٣) سقط لفظ الجلالة من: ز.
(٤) في ز، ب: "استحسنه" ورد هكذا استحبه في الفتاوى ١/٢٣٩.
[ ١٥٨ ]
٤٣٣ - ثم قال في الحكاية: "استقبله واستشفع به فيشفعك الله". والاستشفاع به معناه في اللغة؛ أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به.
٤٣٤ - ومنه الحديث الذي في السنن (١) أن أعرابيًا قال: يا رسول الله! جهدت الأنفس وجاع العيال، وهلك المال، فادْعُ الله لنا فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله. فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: "ويحك أتدري ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه".
٤٣٥ - وذكر تمام الحديث فأنكر قوله: "نستشفع بالله عليك". ومعلوم أنه لا ينكر أن يُسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله، وإنما (٢) أن يكون الله شافعًا إلى المخلوق، ولهذا لم ينكر قوله: "نستشفع بك على الله"؛ فإنه هو الشافع المشفع.
٤٣٦ - وهم - لو كانت الحكاية صحيحة - إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته ﷺ ولهذا قال في تمام الحكاية: (٤: ٦٤) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية، وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه
_________________
(١) أبو داود (٥/٩٤ - ٩٥)، ٣٤ - كتاب السنة، ١٩ - باب في الجهمية، حديث (٤٧٢٦) . من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده مرفوعًا. وهو ضعيف لأن في إسناده محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن في هذا الإسناد وفيه جبير بن محمد بن جبير، قال الحافظ فيه: مقبول من السادسة تقريب (١/١٢٦) .
(٢) في ز، ب: زيادة كلمة "أنكر"، ولعلها لإيضاح المعنى.
[ ١٥٩ ]
الشافعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم، واستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم.
٤٣٧ - وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته، فإنما يقال في ذلك: "استشفعْ به فيشفعه الله فيك" لا يقال: فيشفعك الله فيه وهذا معروف الكلام، ولغة النبي ﷺ وأصحابه وسائر العلماء، يقال: شفع فلان في فلان فشفع فيه. فالمشفع الذي يشفعه المشفوع إليه هو الشفيع المستشفع به، لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له، فإن هذا ليس هو الذي يشفع، فمحمد ﷺ هو الشفيع المشفع، ليس المشفع الذي يستشفع به. ولهذا يقول في دعائه: يا رب شفعني، فيشفعه الله فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبي شفاعته، فكيف يقول: واستشفع به فيشفعك الله؟.
٤٣٨ - وأيضًا فإن طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعًا عند أحد من أئمة المسلمين، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم القدماء، وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين:
٤٣٩ - ذكروا حكاية عن العتبي أنه رأى أعرابيا أتى قبره وقرأ هذه الآية، وأنه رأى في المنام أن الله غفر له (١) .
_________________
(١) هذه الحكاية ذكرها ابن عساكر في تأريخه. وابن الجوزي في "مثير الغرام" وغيرهما، بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي، قال: "دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي ﷺ، فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: ياخير الرسل إن الله أنزل عليك كتابًا صادقًا، قال فيه: ﴿ولن أنهم إذْ ظلموا أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿رحيمًا﴾ . وإني جئتك مستغفرًا ربك من ذنوبي مستشفعًا بك. وفي رواية؛ وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم بكى، وأنشأ يقول: =
[ ١٦٠ ]
_________________
(١) = ياخير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم استغفر وانصرف، قال: فرقدت، فرأيت النبي ﷺ في نومي وهو يقول: الحق بالرجل، وبشره بأن الله غفر له بشفاعتي. فاستيقظت، فخرجت أطلبه، فلم أجده". وفاء الوفاء للسمهودي (٤/١٣٦١) . وقد بحثت كثيرًا في مظان كثيرة من تأريخ ابن عساكر عن القصة فلم أجدها. وبحثت عن ترجمة محمد بن حرب الهلالي، فلم أقف له على ترجمة. قال ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" (ص ٢١٢): "وهذه الحكاية التي ذكرها - يعني السبكي - بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب بلا إسناد، عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي. وقد ذكرها البيهقي في كتاب "شعب الإيمان" بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي، قال: حج أعرابي، فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﷺ أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، ثم ذكر نحو ما تقدم. وقد وضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي بن أبي طالب - ﵁ -. وفي الجملة؛ ليست الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به الحجة، وإسنادها مظلم، ولفظها مختلف "أيضًا"، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم، وبالله التوفيق. أقول: ومحمد بن روح بن يزيد البصري، لم أقف له على ترجمته. والعجب من قوم لا يحتجون بالأحاديث الصحيحة في باب الاعتقاد، كيف يتعلقون فيما يوافق أهواءهم بروايات المجهولين، الذين لا يعرفهم علماء الجرح والتعديل، الذين دونوا أسماء الثقات والضعفاء والمجهولين، وفاتهم هؤلاء المجهولون الذين يتعلق برواياتهم أصحاب الأهواء. ثم العجب - ثانيًا - أنهم يتعلقون بالمنامات، ويحتجون بها في الاعتقادات. ثم العجب - ثالثًا - أنهم يتعلقون بما ينسب إلى الأعراب الأجلاف، ويعرضون عما ثبت عن أئمة الأسلاف من مثل ما روى عبد الرزاق عن معمر عن عبيد الله بن عمر، أنه لا يعلم عن أحد من الصحابة أنه كان يزور قبر النبي ﷺ، وهي رواية ثابتة صحيحة لا غبار عليها. وهل هذا الأعرابي أفقه من أصحاب رسول الله ﷺ، وأعلم بالقرآن منهم، وأحرص على تطبيقه منهم؟ كيف لم يأت أصحاب محمد ﷺ إلى قبره، مستغفرين من ذنوبهم، مستشهدين بهذه الآية؟. =
[ ١٦١ ]
وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين، الذين يفتي الناس بأقوالهم، ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلًا شرعيًا.
٤٤٠ - ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعًا، لكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق
_________________
(١) = إذن فعلى هؤلاء أن يتأدبوا مع رسول الله ﷺ بأدب الأعراب؛ فقد روى الإمام أحمد (٢/٢٨٨) ثنا زيد بن الحباب أخبرني محمد بن الهلال القرشي عن أبيه أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول - كنا مع رسول الله في المسجد، فلما قام قمنا معه، فجاءه أعرابي، فقال: أعطني يا محمد، قال "لا، واستغفر الله" فجذبه فخدشه، قالوا: فهموا به، قال: "دعوه"، ثم أعطاه. قال: وكانت يمينه أن يقول: "لا، واستغفر الله". وقال أيضًا - (٥/٦٥): "ثنا روح بن عبادة ثنا بسطام بن مسلم قال: سمعت خليفة بن عبد الله الغبري يقول: سمعت عائذ بن عمرو المزني قال: بينما نحن مع نبينا ﷺ إذا أعرابي قد ألح عليه في المسألة، يقول: يا رسول الله! أطعمني، يا رسول الله! أعطني، قال: فقام رسول الله ﷺ فدخل المنزل، وأخذ بعضادتي الحجرة، وأقبل علينا بوجهه، وقال: "والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم في المسألة، ما سأل رجل رجلًا وهو يجد ليلة تبيته" فأمر له بطعام. وروى البخاري في ٧٢ - كتاب اللباس، حديث (٥٨٠٩) . ومسلم في ١٢ - كتاب الزكاة، حديث (١٢٨) . وأحمد (٣/١٥٣، ٢١٠) كلهم من حديث أنس - ﵁ - قال كنت أمشي مع رسول الله ﷺ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظر إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ، وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. وفي لفظ عند أحمد؛ حتى انشق البرد، وحتى تغيبت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ. وروى البخاري في ٤ - كتاب الوضوء، حديث (٢٢٠)، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: "دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين". ورواه غيره. فهل يحتج بتصرفات هؤلاء الأعراب، ويقتدى بهم فيها، فإذا كانت تصرفاتهم هذه خطأ فتصرف ذلك الأعرابي - على افتراض ثبوتها ودونه خرط القتاد - خطأ؛ لأنه فهم الآية على غير وجهها وطلب من الرسول ﷺ بعد موته ما لا يجوز أن يطلب منه، ولو كان جائزًا لفعله الصحابة الكرام، واشتهر عنهم، بل وتواتر عنهم.
[ ١٦٢ ]
إليه من غيرهم، ولكان أئمة المسلمين يذكرون ذلك. وما أحسن ما قال مالك: لا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. قال: ولم يبلغني عن أولِ هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. فمثل هذا الإمام كيف يُشرع دينًا لم يُنقل عن أحد من (١) السلف، ويأمر الأمة بأن يطلبوا الدعاء والشفاعة والاستغفار بعد موت الأنبياء والصالحين منهم عند قبورهم، وهو أمر لم يفعله أحد من سلف الأمة؟.
٤٤١ - ولكن هذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، فيقول أحدهم:
اللهم إنا نستشفع إليك بفلان وفلان أي نتوسل به.
ويقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره: قد تُشفع به. من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له، بل وقد يكون غائبًا لم يسمع كلامه ولا شفع له.
٤٤٢ - وهذا ليس هو لغة النبي ﷺ وأصحابه وعلماء الأمة /، بل ولا هو لغة العرب، فإن الاستشفاع طلب الشفاعة، والشافع هو الذي يشفع للسائل فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه. وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعًا لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول.
٤٤٣ - نعم هذا سؤال به، ودعاء به (٢) ليس هو استشفاعًا به،
_________________
(١) سقطت كلمة "من" من: ز، ب.
(٢) كذا في الأصل.
[ ١٦٣ ]
ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة - كما غيروا الشريعة - وسموا هذا استشفاعًا - أي سؤالًا بالشافع - صاروا يقولون: استشفع به فيشفعك. أي يجيب سؤالك به، وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة، وليس لفظهما (١) من ألفاظ مالك!.
٤٤٤ - نعم قد يكون أصلها صحيحًا، ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت في مسجد الرسول ﷺ اتباعًا للسنة، كما كان عمرُ ينهي عن رفع الصوت في مسجده، ويكون مالك أمر بما أمر الله به؛ من تعزيزه وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بمالك أن يأمر به.
٤٤٥ - ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ، وعادتهم في الكلام وإلاّ حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيرًا من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ مايريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك.
٤٤٦ - وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم.
وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معانٍ أُخَر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم، ويقولون: إنا موافقون للأنبياء!.
_________________
(١) في ز، ب: "أين لفظها من لفظ". وليس لفظها هكذا على الصواب في نسخة الفتاوى ١/٢٤٢.
[ ١٦٤ ]
٤٤٧ - وهذا موجود في كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة، مثل من وضع "المُحدث" و"المخلوق" و"المصنوع" على ما هو معلول وإن كان [عنده] قديمًا أزليا، ويسمى ذلك "الحدوث الذاتي".
ثم يقول: نحن نقول إن العالم محدث، وهو مراده (١) .
ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار ليس لغة أحد من الأمم، وإنما المحدث عندهم ما كان بعد أن لم يكن.
٤٤٨ - وكذلك يضعون لفظ "الملائكة" على ما يثبتونه من العقول والنفوس وقوى النفس (٢) .. ولفظ "الجن" و"الشياطين" على بعض قوى النفس (٣) .
ثم يقولون: نحن نثبت ما أخبرت به الأنبياء، وأقر به جمهور الناس من الملائكة والجن والشياطين.
٤٤٩ - ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم علم بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك، مثل أن يعلم مرادهم بالعقل الأول وأنه مقارن عندهم لرب العالمين أزلًا وأبدًا، وأنه مبدع لكل ما سواه، أو بتوسطه حصل كل ما سواه.
_________________
(١) أي مراده أنه معلول وأزلي.
(٢) قال الغزالي في معراج السالكين (٣/١٥٩) من القصور العوالي: "وقد أخبر الشارع ﵇ أن الخير من الملائكة، والشر من الشيطان، فلا بد من أثر يحصل على الملائكة، ولما كانت النفس روحانية قبلت عن الروحاني، وتأثرت عنه، فلولا العقول المعبر عنها بالملائكة الممدة للنفوس من خارج لما عقلت معقولًا ألبتة".
(٣) قد وقع شيء من هذا في زماننا. انظر صحيفة الفتح الأعداد ٦٨٥ و٦٩١ و٧٠٥.
[ ١٦٥ ]
٤٥٠ - والعقل الفعال عندهم عنه يصدر كل ما تحت فلك القمر، ويعلم بالاضطرار من دين الأنبياء أنه ليس من الملائكة عندهم من هو رب كل ما سوى الله، ولا رب كل ماتحت فلك القمر، ولا من هو قديم أزلي أبدي لم يزل ولا يزال.
٤٥١ - ويعلم أن الحديث الذي يروى: "أول ماخلق الله العقل" (١) حديث باطل عن النبي ﷺ، مع أنه لو كان حقًا لكان حجة عليهم، فإن لفظه "أول ما خلق الله العقل" بنصب الأول على الظرفية "فقال له: أقبل، فأقبل. ثم قال: أدبر، فأدبر. فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم عليَّ منك، فبك آخذ، وبك أعطي، وبك الثواب، وبك العقاب"، وروي "لما خلق الله العقل".
_________________
(١) لفظه: "لما خلق الله العقل، قال له: قم، فقام، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: اقعد فقعد، فقال: ما خلقت خلقًا هو خير منك، ولا أكرم منك، ولا أفضل منك، ولا أحسن منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف، وإياك أعاقب، لك الثواب وعليك العقاب". أورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريقين إلى أبي هريرة (١/١٧٤) وطعن في ثلاثة من رجاله. فقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ. قال يحيى: الفضل رجل سوء - يعني الفضل بن عيسى الرقاشي -، وحفص بن عمر يروي الموضوعات لا يحل الاحتجاج به، وأما سيف فكذاب بإجماعهم. والموضوعات الكبرى لعلي القاري (ص ٤٣، ٩٨) . والمقاصد الحسنة (ص ١١٨)، قال السخاوي فيه: قال ابن تيمية وتبعه غيره: "إنه كذب موضوع باتفاق". وذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة (١/٢٠٣ - ٢٠٤) . وعزاه للعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وللبيهقي في الشعب. ونقل عن البيهقي في الشعب أنه ساق من طريق ابن عدي. ومن طريق آخر، وقال: هذا إسناد قوي. ونقل عن ابن حبان أنه قال: "ليس عن رسول الله ﷺ خبر صحيح في العقل". ونقل عن العقيلي قوله: "لا يثبت في هذا الباب شيء".
[ ١٦٦ ]
٤٥٢ - فالحديث لو كان ثابتًا كان معناه أنه خاطب العقل في أول أوقات خلقه، وأنه خلق قبله غيره، وأنه تحصل به هذه الأمور الأربعة لا كل المصنوعات.
٤٥٣ - و"العقل" في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلًا، ويراد به القوة التي بها يُعقل. وعلوم وأعمال تحصل بذلك، لا يراد بها قط في لغة جوهر قائم بنفسه، فلا يمكن أن يراد هذا المعنى بلفظ العقل.
٤٥٤ - مع أنا قد بينا في مواضع أخر فساد ما ذكروه من جهة العقل الصريح، وأن ما ذكروه من المجردات والمفارقات ينتهي أمرهم فيه إلى إثبات النفس التي تفارق البدن بالموت، وإلى إثبات/ ما تجرده النفس من المعقولات القائمة بها، فهذا منتهى ما يثبتونه من الحق في هذا الباب.
٤٥٥ - والمقصود هنا أن كثيرًا من كلام الله ورسوله يتكلم به من يسلك مسلكهم ويريد مرادهم لا مراد الله ورسوله، كما يوجد في كلام صاحب الكتب المضنون بها وغيره.
مثل ما ذكره في "اللوح المحفوظ" حيث جعله النفس الفلكية، ولفظ "القلم" حيث جعله العقل الأول (١) .
_________________
(١) قريب من هذا ما قاله الغزالي في "الرسالة اللدنية" في (١/١١٤ - ١١٥)، من القصور العوالي: "الطريق الثاني وهو التعليم الرباني على وجهين: الوجه الأول، إلقاء الوحي، وهو أن النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص، والأمل في الفانية، وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها، وتتمسك بجود مبدعها، وتعتمد على إفادته، وفيض نوره. والله تعالى بحسن رعايته يقبل على تلك النفس إقبالًا كليًا، وينظر إليها نظرًا إليهًا، ويتخذ منها لوحًا، ومن النفس الكلي قلما، وينقش فيها جميع علومه، ويصير العقل الكلي كالمعلم، والنفس القدسية كالمتعلم، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس، وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر". =
[ ١٦٧ ]
ولفظ "الملكوت" و"الجبروت" و"الملك" حيث جعل ذلك عبارة عن النفس والعقل، ولفظ "الشفاعة" حيث جعل ذلك فيضًا يفيض من الشفيع على المستشفع (١) وإن كان الشفيع قد لا يدري، وسلك في هذه الأمور ونحوها مسالك ابن سينا كما قد بسط في موضع آخر.
_________________
(١) = ويقول عن الإلهام (١/١١٦) في القصور: "والذي يحصل عن الإلهام يسمى علمًا لدنيًا، والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري، وإنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صافٍ فارغ لطيف، وذلك أن العلوم كلها حاصلة معلومة في جوهر النفس الكلية الأولى الذي هو في الجواهر المفارقة الأولية المحضة بالنسبة إلى العقل الأول كنسبة حواء إلى آدم ﵇، وقد بين أن العقل الكلي أشرف وأكمل وأقوى وأقرب إلى الباري تعالى من النفس الكلية، والنفس الكلية أعز وألطف وأشرف من سائر المخلوقات، فمن إفاضة العقل الكلي يتولد الإلهام، ومن إشراق النفس الكلية بتولد الإلهام، فالوحي حلية الأنبياء، والإلهام زينة الأولياء". إلى أن يقول في (ص ١١٧): "وفرق بين الرسالة والنبوة؛ فالنبوة قبول النفس القدسية حقائق المعلومات والمعقولات عن جوهر العقل الأول". والرسالة تبليغ تلك المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين والقابلين. إلى أن يقول: فإذا أراد الله تعالى بعبد خيرًا، رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس التي هي اللوح، فيظهر فيها أسرار بعض المكنونات وانتقش فيها معاني تلك المكنونات، فتعتبر النفس عنها كما تشاء لمن يشاء من عباده".
(٢) قال الغزالي في المضنون به (٢/١٥١): "وأما شفاعة الأنبياء والأولياء، فالشفاعة عبارة عن نور يشرق من الحضرة الإلهية على جوهر النبوة، وينتشر منها إلى كل جوهر استحكمت مناسبته مع جوهر النبوة؛ لشدة المحبة وكثرة المواظبة على السنن وكثرة الذكر بالصلاة عليه ﷺ، ومثاله نور الشمس إذا وقع على الماء، فإنه ينعكس منه إلى موضع مخصوص من الحائط، لا إلى جميع المواضع، وإنما اختص ذلك الموضع لمناسبة بينه وبين الماء في الموضع، وتلك المناسبة مسلوبة على سائر أجزاء الحائط، وذلك الموضع هو الذي إذا خرج منه خط إلى موضع النور من الماء حصلت منه زاوية إلى الأرض مساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى قرص الشمس، بحيث لا يكون أوسع منه ولا أضيق. مثال ذلك لائح، وهذا لا يمكن إلا في موضع مخصوص من الجدار، فكما أن المناسبات الوضعية تقتضي الاختصاص بانعكاس النور، فالمناسبات المعنوية العقلية أيضًا تقتضي ذلك في الجواهر المعنوية، ومن استولى عليه التوحيد فقد تأكدت مناسبته مع الحضرة الإلهية، فأشرق عليه النور من غير واسطة، ومن استولت عليه السنن والاقتداء =
[ ١٦٨ ]
٤٥٦ - والمقصود هنا ذكر من يقع ذلك منه من غير تدبر منه للغة الرسول ﷺ كلفظ القديم؛ فإنه في لغة الرسول التي جاء بها القرآن خلاف الحديث وإن كان مسبوقًا بغيره، كقوله تعالى: (٣٦: ٣٩): ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وقوله تعالى عن إخوة يوسف (١٢: ٩٥): ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقوله تعالى (٢٦: ٧٥ - ٧٦): ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأقْدَمُونَ﴾ .
٤٥٧ - وهو عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه وجود غيره إن لم يكن مسبوقًا بعدم نفسه، ويجعلونه - إذا أريد به هذا - من باب المجاز.
٤٥٨ - ولفظ "المحدث" في لغة القرآن مقابل للفظ "القديم" في القرآن. وكذلك لفظ "الكلمة" في لغة القرآن والحديث وسائر لغات العرب إنما يراد به الجملة التامة كقوله ﷺ: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان؛ سبحان الله وبحمده سبحان
_________________
(١) = بالرسول ومحبة أتباعه، ولم ترسخ قدمه في ملاحظة الوحدانية لم تستحكم مناسبته إلا مع الواسطة فافتقر إلى واسطة في اقتباس النار، كما يفتقر الحائط الذي ليس مكشوفًا للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس، إلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا، فالوزير الممكن في قلب الملك المخصوص بالعناية قد يغضي الملك عن هفوات أصحاب الوزير، يعفو عنهم لا لمناسبة بين الملك وأصحاب الوزير، لكن لأنهم يناسبون الوزير المناسب للملك، ففاضت العناية عليهم بواسطة الوزير لا بأنفسهم، ولو ارتفعت الواسطة لم تشملهم العناية أصلًا؛ لأن الملك لا يعرف أصحاب الوزير واختصاصهم به إلا بتعريف الوزير وإظهاره الرغبة في العفو عنهم " برأ الله الإسلام من هذا الضلال الذي دونه ضلال الجاهلية.
[ ١٦٩ ]
الله العظيم" (١) .
وقوله: "إن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلال الله باطل" (٢) .
ومنه قوله تعالى (١٨: ٥): ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾، وقوله تعالى (٣: ٦٤): ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى (٩: ٤٠): ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وأمثال ذلك.
٤٥٩ - ولا يوجد لفظ الكلام (٣) في لغة العرب إلا بهذا المعنى، والنحاة اصطلحوا على أن يسموا (٤) الاسم وحده والفعل والحرف كلمة، ثم يقول: بعضهم وقد يراد بالكلمة الكلام. فيظن من اعتاد هذا أن هذا هو لغة العرب.
_________________
(١) أخرجه البخاري، ٩٧ - كتاب التوحيد، ٥٨ - باب قول الله ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، حديث (٧٥٦٣) . ومسلم، ٤٨ - كتاب الذكر، ١٠ - باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، حديث (٣١) . وابن ماجه (٢/١٢٥١)، ٣٣ - كتاب الأدب، حديث (٣٨٠٦) . والترمذي (٥/٥١٢)، ٤٩ - كتاب الدعوات، حديث (٣٤٦٧) . كلهم من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري، ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار، ٢٦ - باب أيام الجاهلية حديث (٣٨٤١) . ومسلم (٤/١٧٦٨)، حديث (٢ - ٦) . والترمذي (٤/٢١٨)، ١٠٣ - باب ما جاء في إنشاد الشعر حديث (٣٠٠٧) . و"جه" (٢/١٢٣٦)، حديث (٣٧٥٧) . وأحمد (٢/٢٤٨، ٣٩١، ٤٤٤) كلهم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
(٣) كذا في الأصل وغيره والسياق يقتضي لفظ الكلمة لا الكلام.
(٤) في خ: "يمسوا".
[ ١٧٠ ]
٤٦٠ - وكذلك لفظ "ذوي الأرحام" في الكتاب والسنة يراد به الأقارب من جهة الأبوين فيدخل فيهم العصبة وذوو الفروض، وإن شمل ذلك من لا يرث بفرض ولا تعصيب، ثم صار ذلك في اصطلاح الفقهاء اسمًا لهؤلاء دون غيرهم، فيظن من لا يعرف إلا ذلك أن هذا هو المراد بهذا اللفظ في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة. ونظائر هذا كثيرة.
٤٦١ - ولفظ "التوسل" و"الاستشفاع" ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول وأصحابه، ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم.
والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق (١) . والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة (٢) بثبوت لفظه ومعرفة دلالته (٣)، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله. فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية (٤) .
٤٦٢ - ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلي على النبي ونسلم عليه في كل مكان، فهذا مما اتفق عليه المسلمون، وكذلك رغبنا وحضنا في الحديث الصحيح على أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه مقامًا محمودًا الذي وعده.
_________________
(١) كذا في خ ولعل الصواب: "محقق".
(٢) في خ: "معفرة" ولعله من خطأ الناسخ.
(٣) في الأصل "بثبوت لفظ ومعرفة ودلالته" وهو غير مستقيم. ولذا صحح محقق الفتاوى هذا الكلام بما أثبتناه في الأصل حيث لا يستقيم الكلام على هذا الوجه المصحح.
(٤) أي الحكاية الموضوعة على لسان مالك، وتناول التحريف فيها لغة العرب كما تناول لغة الإسلام.
[ ١٧١ ]
٤٦٣ - فهذه الوسيلة التي شرع لنا أن نسألها الله تعالى - كما شرع لنا أن نصلي عليه ونسلم عليه - هي حق له، كما أن الصلاة عليه والسلام حق له ﷺ. والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إلى الله بطاعته، وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله، وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي ﷺ بالإيمان به وطاعته، وهذا التوسل به فرض على كل أحد.
٤٦٤ - وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم، وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره، مثل توسل الأعمى بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته (١) - فهذا نوع ثالث من باب قبول / الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه، فمن شفع له الرسول ﷺ ودعا له فهو بخلاف من لم يَدْعُ له ولم يشفع به (٢) .
٤٦٥ - ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به، فظن هذا مشروعًا مطلقًا لكل أحد في حياته ومماته، وظنوا أن هذا مشروع في حق الأنبياء والملائكة، بل وفي الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح، وإن لم يكن صالحًا في نفس الأمر.
٤٦٦ - وليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها في الأحاديث - لا في الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره - وإنما
_________________
(١) حديث توسل الأعمى يأتي (ص ٢٠٣ - ٢١٥) .
(٢) كذا في الأصول ولعل الصواب "له".
[ ١٧٢ ]
يوجد في الكتب التي عرف أن فيها كثيرًا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي يختلقها الكذابون بخلاف من قد يغلط في الحديث ولا يتعمد الكذب، فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم في السنن ومسند الإمام أحمد ونحوه، بخلاف من يتعمد الكذب فإن أحمد لم يرو في مسنده عن أحد من هؤلاء.
٤٦٧ - ولهذا تنازع الحافظ أبو العلاء الهمذاني والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: هل في المسند حديث موضوع؟، فأنكر الحافظ أبو العلاء (١) أن يكون في المسند حديث موضوع (٢)، وأثبت ذلك أبو الفرج وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة.
٤٦٨ - ولا منافاة بين القولين، فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج هو الذي قام دليل على أنه باطل وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب بل غلط فيه، ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع.
٤٦٩ - وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره وقالوا: إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل، بل بينوا ثبوت بعض ذلك، لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء.
٤٧٠ - وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع
_________________
(١) هو الحافظ العلامة المقري، شيخ الإسلام، الحسن بن أحمد بن الحسن العطار شيخ همذان، كان إمامًا في الحديث والقراءات والنحو واللغة، ومعروفًا بالفقه والزهد والكرم، توفي سنة (٥٦٩)، تذكرة الحفاظ (٤/١٣٢٤) .
(٢) تكررت هذه الجملة في خ.
[ ١٧٣ ]
المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه الكذب، والكذب كان قليلًا في السلف.
٤٧١ - أما الصحابة فلم يعرف فيهم - ولله الحمد - من تعمد الكذب على النبي ﷺ، كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق، ولا كان فيهم من قال: إنه أتاه الخضر، فإن خضر موسى مات كما بين هذا في غير هذا الموضع.
٤٧٢ - والخضر الذي يأتي كثيرًا (١) من الناس إنما هو جني تصور بصورة إنسي أو إنسي كذاب، ولا يجوز أن يكون ملكًا مع قوله أنا الخضر، فإن الملك لا يكذب وإنما يكذب الجني والإنسي.
وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيًا مما يطول ذكره في هذا الموضع.
٤٧٣ - وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس، وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها كما فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم، ولا كان فيهم من تسرق الجن أموال الناس وطعامهم وتأتيه به، فيظن أن هذا من باب الكرامات كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع.
٤٧٤ - وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب في التابعين من
_________________
(١) في خ "كثير".
[ ١٧٤ ]
أهل مكة والمدينة والشام والبصرة بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم، وقد عرف الكذب بعد هؤلاء في طوائف.
٤٧٥ - وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحيانًا وفيمن بعدهم، ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط وإن كان جمهور متون الصحيحين مما يعلم أنه حق.
فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط، والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين أنه رواها لتعرف، بخلاف ما تعمد صاحبه الكذب.
٤٧٦ - ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروي عنهم أهل السنن كأبي داود والترمذي مثل نسخة كثير (١) بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وإن كان أبو داود يروي في سننه منها، فشرط أحمد في مسنده أجودُ من شرط أبي داود في سننه.
٤٧٧ - والمقصود أن هذه / الأحاديث التي تُروى في ذلك من جنس أمثالها من الأحاديث الغريبة المنكرة بل الموضوعة، التي يرويها من يجمع في الفضائل والمناقب الغث والسمين، كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف في فضائل الأوقات وفضائل العبادات وفضائل الأنبياء والصحابة وفضائل البقاع ونحو ذلك، فإن هذه الأبواب فيها أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث كذب موضوعة، ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة
_________________
(١) ضعيف من السابعة، منهم من نسبه إلى الكذب/ د، ت، ق. تقريب (٢/١٣٢) .
[ ١٧٥ ]
ولا حسنة.
٤٧٨ - لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يُعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب.
وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقًا، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع.
٤٧٩ - وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي، لكن إذا عُلم تحريمه وروي حديث في وعيد الفاعل له، ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه، فيجوز أن يروى في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله.
٤٨٠ - وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيما علم أن الله أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا.
٤٨١ - فأما أن يثبت شرعًا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم، ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة.
٤٨٢ - ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه.
[ ١٧٦ ]
٤٨٣ - ولكن (١) كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح، وضعيف.
٤٨٤ - والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعف (٢) خفيف لا يمنع من ذلك.
٤٨٥ - وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام - صحيح، وحسن، وضعيف - هو أبو عيسى الترمذي (٣) في جامعه.
والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ.
٤٨٦ - فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفًا ويحتج به، ولهذا مثل أحمد الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما. وهذا مبسوط في موضعه.
٤٨٧ - والأحاديث التي تروى في هذا الباب - وهو السؤال بنفس المخلوقين - هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة، ولا
_________________
(١) في الأصل: "ولا كمن" وهو تحريف ظاهر.
(٢) كذا في الأصل والتعبير بلفظ مرض أنسب.
(٣) هو الإمام محمد بن عيسى - صاحب السنن - المتوفى سنة ٢٧٩، وقد قال في آخر كتابه: أردت بقولي: "حسن" ما لا يكون في سنده متهم بالكذب، ولا يكون شاذا، ويروى من غير وجه. وهو المعنى الذي أراده شيخ الإسلام ابن تيمية وعليه يكون الحق مع من لم يأخذ بالحديث الشديد الضعف - لا في فضائل الأعمال ولا في غيرهما.
[ ١٧٧ ]
يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها.
٤٨٨ - مثل الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ فقال: إنني أتعلم القرآن ويتفلت مني فقال له رسول الله ﷺ:"قل اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وبإبراهيم خليلك وبموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوارة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد وبكل وحي أوحيته وقضاء قضيته". وذكر تمام الحديث.
٤٨٩ - وهذا الحديث ذكره رزين بن معاوية العبدري في جامعه، ونقله ابن الأثير في جامع الأصول (١) ولم يَعزُه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين، لكنه قد رواه من صنف في عمل يوم وليلة كابن السني (٢) وأبي نُعيم.
وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء.
وقد رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب فضائل الأعمال وفي هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة.
٤٩٠ - ورواه أبو موسى المديني من حديث زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، وقال: هذا حديث حسن مع أنه
_________________
(١) جامع الأصول لابن الأثير (٤/٣٠٢)، حديث (٢٣٠٢) .
(٢) رجعت إلى باب الدعاء لحفظ القرآن ص ٢١٧، من عمل اليوم والليلة لابن السني فلم أجد في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا لعلي بن أبي طالب، ﵁، ولم أجد حديث أبي بكر ﵁ في الباب المذكور.
[ ١٧٨ ]
ليس بالمتصل.
قال أبو موسى: ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه عن جده، عن الصديق ﵁، وعبد الملك ليس بذاك/ القوي، وكان بالري، وأبوه وجده ثقتان.
٤٩١ - قلت: عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب، قال يحيى بن معين: هو كذاب (١) . وقال السعدي دجال كذاب (٢) . وقال أبو حاتم بن حبان: يضع الحديث (٣) . وقال النسائي: متروك (٤) . وقال البخاري: منكر الحديث (٥) . وقال أحمد بن حنبل: ضعيف (٦) . وقال ابن عدي: له أحاديث لا يتابعه عليها أحد (٧) . وقال الدارقطني: هو وأبوه ضعيفان (٨) . وقال الحاكم في كتاب المدخل (٩): عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني روى عن أبيه أحاديث موضوعة.
_________________
(١) التأريخ لابن معين (٢/٣٧٦) في الترتيب، الترجمة (١٦٨٨) .
(٢) أحوال الرجال (ص ٦٨)، رقم (٧٧)، والسعدي: هو الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني، توفي سنة (٢٥٩)، انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ (٢/٥٤٩)، وتهذيب التهذيب (١/١٨١) .
(٣) كتاب المجروحين (٢/١٣٣) .
(٤) كتاب الضعفاء والمتروكين (ص ١٦٦)، رقم (٤٠٥) .
(٥) الضعفاء (ص ١٤٨)، رقم (٢١٨) .
(٦) العلل ومعرفة الرجال (١/٣٨٤) .
(٧) الكامل (٥/١٩٤٢) وفيه: "وعبد الملك بن هارون له أحاديث غرائب عن أبيه عن جده عن الصحابة، مما لا يتابعه عليه أحد".
(٨) الضعفاء والمتروكين (ص٢٨٩) رقم (٣٦٢)، وعبارته: "عبد الملك بن هارون بن عنترة الكوفي عن أبيه، وأبوه أيضًا متروك". فكلمة أيضًا تدل على أنه قال فيه: متروك، أو لأن الكتاب موضوع للضعفاء والمتروكين.
(٩) (١/١٧٠)، رقم (١٢٩) .
[ ١٧٩ ]
وأخرجه أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب الموضوعات (١) .
وقول الحافظ أبي موسى: "هو منقطع" يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع.
٤٩٢ - وقد روى عبد الملك - هذا الحديث (٢) الآخر المناسب لهذا في استفتاح أهل الكتاب به كما سيأتي ذكره (٣)، وخالف فيه عامة ما نقله المفسرون وأهل السير وما دل عليه القرآن، وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه من أنه متروك؛ إما لتعمده الكذب، وإما لسوء حفظه، وتبين أنه لا حجة لا في هذا ولا في ذاك.
٤٩٣ - ومثل ذلك الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعًا وموقوفًا عليه "أنه لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. قال: وكيف عرفت محمدًا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا": لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم، ولولا محمد ما خلقتك".
_________________
(١) (٣/١٧٤ - ١٧٥) بإسناده إلى مجاهد عن ابن مسعود مرفوعًا. وقال عقبه: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ والمتهم به عمر بن الصبح، قال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، فلعله سقط من المطبوع، وأورده السيوطي في اللآلئ (٢/٣٥٧)، وابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/٣٢٢)، وعزواه إلى أبي الشيخ في كتاب الثواب. وقال السيوطي وتابعه ابن عراق: "عبد الملك دجال مع ما في السند من الإعضال".
(٢) في خ: "الأحاديث".
(٣) رقم (٦٢٩)، ص (٢٤٧) رقم (٢) .
[ ١٨٠ ]
وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه (١) من حديث عبد الله بن مسلم الفهري (٢) عن إسماعيل بن مسلمة (٣) عنه. وقال الحاكم: وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن في هذا الكتاب (٤) . وقال الحاكم: هو صحيح.
ورواه الشيخ أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة (٥) موقوفًا على عمر من حديث عبد الله بن إسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم موقوفًا.
٤٩٤ - ورواه الآجري أيضًا من طريق آخر، من حديث
_________________
(١) (٢/٦١٥) وقال عَقبه: وهذا حديث صحيح الإسناد فتعقبه الذهبي بقوله: "بل موضوع وعبد الرحمن واهْ) .
(٢) أبو الحارث، روى عن اسماعيل بن مسلمة بن قعنب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبرًا باطلًا، فيه: يا آدم، لولا محمد ما خلقتك، رواه البيهقي في دلائل النبوة، الميزان للذهبي (٢/٥٠٤)، قال الحافظ ابن حجر في اللسان (٣/٣٦٠) بعد نقله لكلام الذهبي السابق: "قلت: لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله، فإنه من طبقته" والذي قبله هو: عبد الله بن مسلم بن رشيد، عن الليث ذكره ابن حبان وقال: متهم بوضع الحديث، وقال: حدثنا عنه جماعة يضع على ليث، ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه. انتهى. وبقية كلامه: "وهذا شيخ لا يعرفه أصحابنا، وإنما ذكرته لئلا يحتج له من أصحاب الرأي، لأنهم كتبوا عنه، فيتوهم من لم يتبحر في العلم أنه ثقة، وهو الذي روى عن ابن هدبة نسخة كأنها معمولة". وانظر كتاب المجروحين (٢/٤٤) وعبارته: "وإنما ذكرته لئلا يحتج به واحد من أصحاب الرأي على من لم يتبحر في العلم من أصحابنا فيوهمه أنه كان ثقة إلخ. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك (٢/٦١٥) تعليقًا على هذا الحديث: "قلت: رواه بن مسلم الفهري، ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة عنه.
(٣) ابن قعنب الحارثي القعنبي، أبو بشر المدني، نزيل مصر صدوق يخطىء من التاسعة /ق. تقريب.
(٤) المستدرك (٢/٥١٦) .
(٥) ص (٤٢٧) .
[ ١٨١ ]
عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه موقوفًا عليه، وقال: حدثنا هارون بن يوسف التاجر، حدثنا أبو مروان العثماني، حدثني أبو عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: "من الكلمات التي تاب الله بها على آدم: قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك. قال الله تعالى: وما يدريك ما محمد؟ قال: يا رب رفعت رأسي فرأيت مكتوبًا على عرشك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك".
٤٩٥ - قلت: ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب المدخل (١) إلى معرفة الصحيح من السقيم: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.
٤٩٦ - قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا، ضعفه أحمد بن حنبل (٢) وأبو زرعة وأبو حاتم (٣) والنسائي (٤)، والدارقطني (٥) وغيرهم، وقال أبو حاتم بن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك من روايته، من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك (٦) .
٤٩٧ - وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما
_________________
(١) (١/١٥٤)، رقم (٩٧) .
(٢) العلل (١/٢٦٥)، والجرح والتعديل (٥/٢٣٣، ٢٣٤) .
(٣) الجرح والتعديل، الموضع السابق.
(٤) الضعفاء والمتروكين، (ص ١٥٨)، رقم (٣٧٧) .
(٥) الضعفاء والمتروكين، ص (٢٧٠)، رقم (٣٣١) .
(٦) (٢/٥٧) .
[ ١٨٢ ]
أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث.
كما صحح حديث زريب بن ثرملا (١) الذي فيه ذكر وصي المسيح، وهو كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقي (٢) وابن الجوزي (٣)
_________________
(١) في خ: "برثملي". قال الحافظ في الإصابة (١/٥٦١): "زريب - بالتصغير - ابن ثرملا، ذكره الطبري في الصحابة، وروى البارودي من طريق عبد الله بن معروف، عن أبي عبد الرحمن الأنصاري، عن محمد بن حسين بن علي، أن سعد بن أبي وقاص لما فتح حلوان، مر رجل من الأنصار يقال له: جعونة بن نضلة بشعب فحضرت الصلاة، فتوضأ، ثم أذن، فأجابه صوت، فنظر فلم ير شيئًا، فأشرف عليه رجل من كهف، شديد بياض الرأس واللحية، فقال: من أنت؟ قال: أنا زريب بن ثرملا، من حواري عيسى ابن مريم، وقد أردت الوصول إلى محمد رسول الله ﷺ، فحالت بيني وبينه فارس. فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فانطلق جعونة، فأخبر سعدًا، فكتب سعد إلى عمر، فكتب عمر: أطلب الرجل، فابعث به إليَّ، فتتبعوا الشعاب والأودية، فلم يروا له أثرًا.
(٢) الدلائل، (٥/٤٢٥ - ٤٢٨) . وهي قصة طويلة، رواها من طريقين: الأولى: إلى عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر. والثانية: من طريق ابن لهيعة، عن مالك بن أزهر عن نافع به. قال البيهقي عقب الرواية الأولى: قال أبو عبد الله الحافظ: كذا قال عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، عن مالك بن أنس، ولم يتابع عليه. وإنما يعرف هذا الحديث لمالك بن الأزهر عن نافع فهو رجل مجهول لا يسمع بذكره في غير هذا الحديث. ثم قال عقب الثانية: "هذا الحديث بهذا الإسناد أشبه وهو ضعيف بمرَّةٍ".
(٣) أوردهما ابن الجوزي في: الموضوعات (١/٢٠٩ - ٢١٣) . من الطريقين السابقين، ثم رواه من طريق عبيد الله بن يحيى، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: لما ظهر سعد على حلوان العراق، وذكر القصة، وعبيد الله بن يحي، لم أقف له على ترجمة. ثم قال ابن الجوزي: "ورواه أبو بكر الأنباري من حديث عبد الله بن عمرو بن عبد الرحمن، وهو مجهول. وحديث زريب حديث باطل، لا أصل له وأكثر رواته مجاهيل لا يعرفون. أما رواية الراسبي عن مالك، فليس من حديث مالك. قال أبو بكر الخطيب: روى الراسبي عن مالك هذا الحديث المنكر". ثم نقل عن الأئمة كلامهم في ابن لهيعة. وذكر القصة ابن عراق (١/٢٣٩ - ٢٤١) ونقل في نقدها كلام العلماء.
[ ١٨٣ ]
وغيرهما (١) .
وكذلك أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها، وهي عند أئمة أهل العلم بالحديث موضوعة.
ومنها ما يكون موقوفًا يرفعه.
٤٩٨ - ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه. وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه.
٤٩٩ - بخلاف أبي حاتم بن حبان البستي، فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدرًا.
وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن منده وأمثالهم فيمن يصحح الحديث، فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع، فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم.
٥٠٠ - ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم. ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب. والبخاري / من أعرف خلق الله بالحديث
_________________
(١) منهم أبو نعيم في الدلائل (١/١٢٤ - ١٢٦)، من طريق عبد الرحمن الراسبي ولم أر له تعقبًا على القصة، لكن ابن عراق قال: "وقال أبو نعيم في الراسبي: فيه ضعف ولين". وقال الذهبي: "عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، عن مالك أتى بخبر باطل طويل، وهو المتهم به، وذكر طرفًا من القصة. الميزان (٢/٥٤٥ - ٥٤٦) .
[ ١٨٤ ]
وعلله مع فقهه فيه، وقد ذكر الترمذي أنه لم ير أحدًا أعلم بالعلل منه (١) .
٥٠١ - ولهذا كان من عادة البخاري إذا روى حديثًا (٢) اختُلف في إسناده أو بعض ألفاظه أن (٣) يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يُغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونًا بالاختلاف فيه.
٥٠٢ - ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحًا على قول من نازعه. بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها وكان الصواب فيها مع من نازعه (٤) .
٥٠٣ - كما روى في حديث الكسوف أن النبي ﷺ صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه صلى بركوعين (٥) .
_________________
(١) عبارة الترمذي (٥/٧٣٨)، ٥١ - كتاب العلل: "ولم أر أحدًا، بالعراق ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل". قال هذا بعد أن ذكر أبا زرعة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
(٢) في خ: "حديث".
(٣) زيدت في المطبوع وفي مجموع الفتاوى (١/٢٥٦) لأن المقام يقتضيها ولا توجد في الأصل المخطوط.
(٤) في هذا الإطلاق نظر فإن الصواب يكون غالبًا في جانب مسلم رحمه الله تعالى
(٥) أحاديث صلاة الكسوف رواها مسلم (٢/٦١٨ - ٦٣٠)، ١٠ - كتاب الكسوف من حديث (١ - ٢٩) .
(٦) من طريق هشام بن عروة، والزهري، عن عروة عن عائشة وفيه في كل ركعة ركوعان.
(٧) من طريق ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير (حسبته عن عائشة) . ومن طريق قتادة، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة: وفيه: "في كل ركعة ثلاث ركوعات".
(٨) ومن طريق عمرة عن عائشة، وفيه في كل ركعة ركوعان.
(٩) ومن طريق أبي الزبير عن جابر، وفيه في كل ركعة ركوعان. =
[ ١٨٥ ]
٥٠٤ - والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي (١)، وهو قول البخاري (٢) وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه (٣) .
٥٠٥ - والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم. ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب.
٥٠٦ - وكذلك روى مسلم: "خلق الله التربة يوم السبت" (٤) .
_________________
(١) = ٥ - ومن طريق عبد الملك (يعني ابن ميسرة الكوفي ثقة) عن عطاء عن جابر، وفيه في كل ركعة ثلاث ركوعات.
(٢) ومن طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس، وفيه ركوعان في كل ركعة.
(٣) ومن طريق حبيب (يعني ابن أبي ثابت، وهو ثقة يرسل كثيرًا ويدلس) وفيه ثمان ركعات في أربع سجدات. والراجح ما قاله شيخ الإسلام من أن الثابت في كل ركعة ركوعان، كما هو ظاهر من أسانيد الروايات، وكما هو الثابت من ناحية تأريخية. فعروة وعمرة أثبت في عائشة من عبيد بن عمير لا سيما وقد شك في الراوي وأخشى أن يكون عطاء قد وهم في حديث عائشة وجابر. أَمَّا رواية ابن عباس التي فيها ثمان ركعات، ففي إسنادها حبيب بن أبي ثابت، وهو يرسل ويدلس، وقد عنعن في إسناد هذه الرواية وقد عده الحافظ ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين (ص ٣٩) من الطبقات. ولعل مسلمًا كان يرى تعدد قصة الكسوف ثم بنى على ظواهر الأسانيد - ﵀ - وقد صحح هذه الروايات إسحاق، وابن المنذر وغيرهما، وجمعوا بينها. انظر: المغني لابن قدامة (٢/٣١٦) .
(٤) الأم (١/٢٤٥ - ٢٤٦) .
(٥) رجعت إلى صحيح البخاري، ١٦ - كتاب الكسوف من حديث (١٠٤٠ - ١٠٦٦)، فلم أر له رأيا صريحًا، ولعل شيخ الإسلام أخذ هذا من تصرف البخاري، حيث اقتصر على إخراج الأحاديث التي فيها ركوعان فقط، أوله رأي منقول في غير الصحيح.
(٦) انظر المغني لابن قدامة (٢/٣١٣ - ٣١٤) .
(٧) أخرجه مسلم، ٥٠ - كتاب صفة المنافقين وأحكامهم - باب ابتداء الخلق حديث (٢٧) . وأحمد (٢/٣٢٧)، وابن معين في التاريخ (٣/٥٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣٦٤) .
[ ١٨٦ ]
ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى بن معين (١) والبخاري (٢) وغيرهما (٣) فبينوا أن هذا غلط ليس من كلام النبي ﷺ.
_________________
(١) لم أقف على كلام يحيى بن معين في هذا الحديث بعد بحث.
(٢) قال البخاري في التاريخ الكبير (١/١/٤١٣ - ٤١٤) في ترجمة أيوب بن خالد: "وروى إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد الأنصاري، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "خلق الله التربة يوم السبت ". وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح.
(٣) منهم الإمام علي بن المديني. - قال البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣٨٤): "قال علي بن المديني: وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا عن إبراهيم بن أبي يحيى. قلت (البيهقي): وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي، عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف. وروى عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف والله أعلم". وقد تصدى الشيخ عبد الرحمن المعلمي في كتابه القيم الأنوار الكاشفة (ص ١٨٨ - ١٩٢) لسرد الشبه التي طعن بها هذا الحديث في إسناده ومتنه، فأجاد وأفاد، فرد على إعلال ابن المديني بقوله: "ويرد على هذا أن إسماعيل ثقة عندهم غير مدلس وقال بعضهم إلخ بقوله: وليته ذكر إسنادها ومتنها، فقد تكون ضعيفة، ويدل على ضعفها، أن المحفوظ على كعب وعبد الله بن سلام ووهب ابن منبه ومن يأخذ منهم، أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب". وأحال على الأسماء والصفات للبيهقي (ص ٢٧٢ - ٢٧٥)، وأوائل تفسير ابن جرير، والدر المنثور (٣/٩١) . وصحح الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني ودافع عنه في تعليقه على حديث (٥٧٣٤)، من مشكاة المصابيح بقوله: "ولا مطعن في إسناده البته، وليس هو بمخالف للقرآن بوجه من الوجوه خلافا لما توهمه بعضهم، فإن الحديث يفصل كيفية الخلق على الأرض وحدها وأن ذلك كان في سبعة أيام، ونص القرآن على أن خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام والأرض في يومين، لا يعارض ذلك، لاحتمال أن هذه الأيام الستة غير الأيام السبعة المذكورة في الحديث، وأنه - أعني الحديث - تحدث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض، حتى صارت صالحة للسكنى - ويؤيده أن القرآن يذكر أن بعض الأيام عند الله تعالى كألف سنة، وبعضها مقداره خمسون ألف سنة، فما المانع أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل، والأيام السبعة من أيامنا هذه كما هو صريح الحديث وحينئذ فلا تعارض بينه وبين القرآن". وأكد هذا الدفاع في كتابه سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/٤٤٩ - ٤٥٠) فأجاد وأفاد.
[ ١٨٧ ]
والحجة مع هؤلاء، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم وكان خلقه يوم الجمعة.
وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة.
وقد روي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد (١) .
٥٠٧ - وكذلك روى أن أبا سفيان لما أسلم طلب من النبي ﷺ أن يتزوج بأم حبيبة وأن يتخذ معاوية كاتبًا (٢)، وغلّطه في ذلك طائفة من الحفاظ.
_________________
(١) لم أقف على حديث مرفوع، ينص على أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وإنما يوجد آثار، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام. ذكرها ابن جرير في تاريخه (١/٤٧) . أما أثر ابن عباس وابن مسعود، ففيه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، صدوق يهم رمى بالتشيع. وأما أثر ابن سلام، ففي إسناده أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، ضعيف، وفيه عبد الله بن صالح، لم يتبين لي من هو، وأظنه كاتب الليث، فإن كان فهو ضعيف. ثم إن موضوعها خلق السماوات والأرض، مع ذكر أشياء ذكرت في حديث مسلم، فلفظ هذه الآثار: "إن الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل فتلك الساعة التي تقوم في الساعة".
(٢) أخرجه مسلم (٤/١٩٤٥)، ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، حديث (١٦٨)، وفي إسناده أبو زُميل - بالزاي مصغرًا - سماك بن الوليد الحنفي اليمامي الكوفي، ليس به بأس من الثالثة/ بخ م٤. تقريب (١/٣٣٢)، وعكرمة بن عمار العجلي اليمامي، صدوق يغلط/ خت م٤. تقريب (٢/٣٠) . قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي - في الأنوار الكاشفة (ص ٢٣٠) - عن هذا الحديث: "وفي سنده عكرمة بن عمار موصوف بأنه يغلط ويهم، فمن أهل العلم من تكلم في هذا الحديث، وقال: إنه من أوهام عكرمة، ومنهم من تأوله وأقرب تأويل له أن زواج النبي ﷺ، لما كان قبل إسلام أبي سفيان، كان بدون رضاه، فأراد بقوله: "أزوجكها، أرضى بالزواج، فأقْبل مني هذا الرضا". وقال النووي في شرح مسلم (١٦/٦٣): "يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطييبًا لقلبه، لأنه ربما كان يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه".
[ ١٨٨ ]
ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث، تلقوها بالقبول وأجمعوا عليها وهم يعلمون علمًا قطعيًا أن النبي ﷺ قالها. وبسط الكلام في هذا له موضع آخر.
٥٠٨ - وهذا الحديث المذكور في آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير إسناد وما هو من جنسه مع زيادات أخر، كما ذكر القاضي عياض قال: وحكى أبو محمد المكي وأبو الليث السمرقندي (١) وغيرهما: "أن آدم عند معصيته قال: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي - قال: ويروى تقبل توبتي - فقال الله له: من أين عرفت محمدًا؟ قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال: ويروى: محمد عبدي ورسولي، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك، فتاب عليه وغفر له" (٢) .
٥٠٩ - ومثل هذا لا يجوز أن تبنى عليه الشريعة ولا يحتج به في الدين باتفاق المسلمين، فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التي لا
_________________
(١) الإمام الفقيه المحدث الزاهد أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم، السمرقندي الحنفي صاحب كتاب "تنبيه الغافلين"، تروج عليه الأحاديث الموضوعة، مات سنة (٣٧٥) . سير أعلام النبلاء (١٦/٣٢٢ - ٣٢٣) .
(٢) الشفاء (١/١٣٣)، والقصة كما تراها بغير إسناد.
[ ١٨٩ ]
يعلم صحتها إلا بنقل ثابت عن النبي ﷺ، وهذه (١) لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب ابن منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار المبتدأ وقصص المتقدمين عن أهل الكتاب لم يجز أن يحتج بها في دين المسلمين باتفاق المسلمين، فكيف إذا نقلها من لا ينقلها لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين، بل إنما ينقلها عمن هو عند المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه، واضطرب عليه فيها اضطرابًا يعرف [به] أنه لم يحفظ ذلك، ولم ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد على نقلهم، وإنما هي من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر (٢) وأمثاله في كتب المبتدأ، وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعًا لهم، وحينئذ فكان الاحتجاج بها مبنيًا على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟ والنزاع في ذلك مشهور.
٥١٠ - لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع، لمن قبلنا من نقل ثابت (٣) عن نبينا ﷺ أو بما تواتر عنهم، لا بما يروى على هذا الوجه، فإن هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع المسلمين أحد من المسلمين.
٥١١ - ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن
_________________
(١) في خ "هذا".
(٢) أبو حذيفة البخاري صاحب كتاب المبتدأ، تركوه، وكذبه علي بن المديني، وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب، وقال الدارقطني: كذاب متروك. قلت: يروي العظائم عن ابن إسحاق، والثوري، وابن جريج. الميزان (١/١٨٤)، واللسان (١/٣٤٥) .
(٣) في خ: "الثابت".
[ ١٩٠ ]
الصنعاني صاحب التفسير (١) بإسناده عن ابن عباس مرفوعًا أنه قال: "من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم، فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف، أو في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر، وليشربه على الريق، وليصم ثلاثة أيام، وليكن إفطاره عليه، ويدعو به في أدبار صلواته/: اللهم إني أسألك بأنك مسئول، لم يسأل مثلك ولا يسأل، وأسألك بحق محمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك" (٢) . وذكر تمام الدعاء.
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين، قال أبو أحمد بن عدي فيه: منكر الحديث (٣) .
_________________
(١) قال الذهبي معروف ليس بثقة، فإن ابن حبان قال فيه: دجال، وضع على ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس كتابًا في التفسير. وقال ابن عدي منكر الحديث. الميزان (٤/٢١١)، وانظر ترجمته في: الكامل (٦/٢٣٤٨) .
(٢) لم أجده في كتب الموضوعات منسوبًا لابن عباس، وإنما ينسب إلى ابن مسعود كما سيأتي، ولعل المصنفين في الموضوعات لم يعثروا على كتاب موسى بن عبد الرحمن. ثم وجدته في كتاب الدعاء للطبراني (٣/١٤٢٢) رقم ١٣٣٤.
(٣) لم أجد هذه العبارة في المطبوع من الكامل وقد سقطت ترجمته مع عدد من التراجم من المخطوطة التي عندي، والذي في المطبوع (٦/٢٣٤٨) بعد أن ساق في ترجمته أربعة أحاديث، قال: "وموسى بن عبد الرحمن هذا لا أعلم له أحاديث غير ماذكرته، وقد يقبل بابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وهذه الأحاديث بواطيل". وأعتقد أنه قد وقع تحريف في قوله، وقد يقبل، فهذه العبارة لاتتناسب مع قوله: وهذه الأحاديث بواطيل. والأحاديث إنما أوردها من روايته، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وإذا كان ابن عدي لا يعلم له إلا هذه الأحاديث الأربعة، وقد حكم عليها بأنها بواطيل، فكيف يستقيم القول بأنه قد يقبل بابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. والعبارة التي نقلها شيخ الإسلام عن ابن عدي، نقلها الذهبي. الميزان (٤/٢١١) . مما يؤكد صدق نقله ﵀، ويؤكده كلام ابن حبان الآتي.
[ ١٩١ ]
وقال أبو حاتم ابن حبان: دجال يضع الحديث، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتابًا في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل (١) .
٥١٢ - ويروى نحو هذا - دون الصوم - عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزي حدثنا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود (٢) .
وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن معين: كذاب (٣)، وقال الدارقطني: متروك (٤)، وقال ابن حبان: كان مغفلًا يلقن فيتلقن فاستحق الترك (٥) .
_________________
(١) كتاب المجروحين (٢/٢٤٢)، وبعد هذا الكلام الذي نقله شيخ الإسلام بالحرف: "وألزقه بابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس".
(٢) أورده السيوطي، في اللآليء المصنوعة (٢/٣٥٦)، من طريق فيها عمر بن صبح، ثم قال: موضوع، والمتهم به عمر بن صبح، ثم قال في (ص ٣٥٧): "قلت وله طريق آخر أخرجه الخطيب في الجامع، ثم ساقه بالإسناد الذي ذكره شيخ الإسلام. وهو في الجامع للخطيب (٢/٢٦١)، برقم (١٧٩٣)، بالإسناد المذكور. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٧٤)، وابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/٣٢٢)، من طريق عمر بن صبح، وزاد ابن عراق قوله: "ورواه أبو الشيخ في الثواب، من حديث أبي بكر الصديق، من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني الدجال، مع ما في سنده من الإعضال.
(٣) قاله الذهبي في الميزان (٤/١٩٩) .
(٤) ذكره الدارقطني في الرواة عن مالك، ساق له حديثًا وقال: "باطل منكر، وموسى بن إبراهيم ومن دونه ضعفاء". اللسان (٥/٤٠٥) في ترجمة محمد بن نصر بن عيسى.
(٥) لم أجد ترجمتة في المجروحين، ولا يبعد أن تكون قد سقطت، وفي الميزان (٤/١٩٩)، واللسان (٦/١١١) "كذّبه يحيى وقال الدارقطني وغيره متروك" ثم قال فمن بلاياه ثم ذكر طرفًا من حديث ابن مسعود. وقال العقيلي في الضعفاء (٤/١٦٦): "منكر الحديث"، وساق له حديثًا وقال: حديث باطل (٤/١٦٧) .
[ ١٩٢ ]
ويروى هذا عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف (١) من الأول.
٥١٣ - ورواه أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري: حدثنا أبو الأشعث، حدثنا زهير بن العلاء (٢) العتبي، حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري، ورفع الحديث قال: "من سره أن يَحفظ فليصم سبعة أيام، وليكن إفطاره في آخر هذه الأيام السبعة على هؤلاء الكلمات" (٣) .
قلت: وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء.
٥١٤ - وقد رواه أبو موسى المديني في أماليه، وأبو عبد الله المقدسي، على عادة أمثالهم في رواية ما يروى في الباب سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا، كما اعتاده أكثر المتأخرين من المحدثين، أنهم يروون ما روي به الفضائل، ويجعلون العهدة في ذلك على الناقل، كما هي عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات والعادات.
٥١٥ - كما يرويه أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل الأعمال وغيره، حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته، وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة، وأحاديث كثيرة ضعيفة موضوعة وواهية.
وكذلك ما يرويه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة.
_________________
(١) في اللآليء المصنوعة، وتنزيه الشريعة، في الموضعين المذكورين سابقًا.
(٢) قال أبو حاتم: "أحاديثه موضوعة" الميزان (٢/٨٣) .
(٣) لم أجده فيبحث عنه.
[ ١٩٣ ]
وما يرويه أبو نعيم الأصبهاني في فضائل الخلفاء في كتاب مفرد، وفي أول حلية الأولياء.
وما يرويه أبو الليث السمرقندي وعبد العزيز الكناني وأبوعلي بن البناء وأمثالهم من الشيوخ، وما يرويه أبو بكر الخطيب وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى المديني وأبو القاسم بن عساكر والحافظ عبد الغني وأمثالهم ممن له معرفة بالحديث، فإنهم كثيرًا ما يروون في تصانيفهم ما روي مطلقًا على عادتهم الجارية؛ ليعرف ما روي في ذلك الباب لا ليحتج بكل ما روي، وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول: غريب، ومنكر، وضعيف. وقد لا يتكلم.
٥١٦ - وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم مثل مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري، وغير هؤلاء، فإن هؤلاء الذين يبنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها وتمييز رجالها.
٥١٧ - وكذلك الذين تكلموا في الحديث والرجال ليميزوا بين هذا وهذا لأجل معرفة الحديث كما يفعل أبو أحمد بن عدي، وأبو حاتم البستي، وأبو الحسن الدارقطني وأبو بكر الإسماعيلي، وكما قد يفعل ذلك، أبو بكر البيهقي، وأبو إسماعيل الأنصاري، وأبو القاسم الزنجاني، وأبو عمر
[ ١٩٤ ]
ابن عبد البر، وأبو محمد بن حزم، وأمثال هؤلاء، فإن بسط هذه الأمور له موضع آخر.
٥١٨ - ولم يذكر من لا يروي بإسناد - مثل كتاب وسيلة المتعبدين لعمر الملا الموصلي، وكتاب الفردوس لشهريار الديلمي، وأمثال ذلك - فإن هؤلاء دون هؤلاء الطبقات، وفيما يذكرونه من الأكاذيب أمر كبير.
٥١٩ - والمقصود هنا، أنه ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ يعتمد عليه في مسألة شرعية، باتفاق أهل المعرفة بحديثه، بل المروي في ذلك إنما يعرف أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات؛ إما تعمدًا من واضعه، وإما غلطًا / منه.
وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة:
٥٢٠ - فمنها حديث الأربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا، وهم عبد الله ومصعب ابنا (١) الزبير، وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان.
ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء (٢) .
ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوي، عن سفيان الثوري، عن طارق بن عبد العزيز، عن الشعبي، أنه قال: "لقد رأيت عجبًاكنا بفناء الكعبة أنا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن
_________________
(١) في خ: "ابني" وهو خطأ.
(٢) (ص ١٢٠) .
[ ١٩٥ ]
الزبير، وعبد الملك بن مروان، فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم كل رجل منكم، فليأخذ بالركن اليماني، وليسأل الله حاجته، فإنه يُعطى من سعة. ثم قالوا: قم ياعبد الله بن الزبير فإنك أول مولود في الإسلام بعد الهجرة (١) . فقام، فأخذ بالركن اليماني ثم قال: اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك، وحرمة عرشك، وحرمة نبيك، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني الحجاز، ويسلم علي بالخلافة. ثم جاء فجلس.
ثم قام مصعب، فأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم إنك رب كل شيء، وإليك يصير كل شيء، أسألك بقدرتك على كل شيء، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق، وتزوجني بسُكينة بنت الحسين.
ثم قام عبد الملك بن مروان، فأخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم رب السموات السبع، ورب الأرض ذات النبت بعد القفر، أسألك بما سألك به عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول عرشك" (٢) إلى آخره.
٥٢١ - قلت: وإسماعيل بن أبان الذي روى هذا عن سفيان الثوري كذاب، قال أحمد بن حنبل: كتبت عنه، ثم حدث بأحاديث موضوعه فتركناه (٣) . وقال يحيى بن معين: وضع حديثًا على السابع من
_________________
(١) في خ: إنك أول مولود في الهجرة".
(٢) كتاب مجابي الدعاء (ص ١٢١) .
(٣) الميزان (١/٢١١) .
[ ١٩٦ ]
ولد العباس يلبس الخضرة (١) (يعني المأمون) . وقال البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو زرعة (٤)، والدارقطني (٥): متروك. وقال الجوزجاني: ظهر منه على الكذب (٦) . وقال أبو حاتم: كذاب (٧) . وقال ابن حبان: يضع على الثقات (٨) .
وطارق بن عبد العزيز الذي ذكر أن الثوري روى عنه لا يعرف من هو (٩)، فإن طارق بن عبد العزيز المعروف (١٠) الذي روى عنه (١١) ابن عجلان ليس من هذه الطبقة.
_________________
(١) الجرح والتعديل (٢/١٦٠)، والميزان (١/٢١١) .
(٢) الضعفاء الصغير له (ص ٢٣)، رقم ١٦.
(٣) الميزان (١/٢١٢)، وقال النسائي في الضعفاء (ص ٤٨): "متروك الحديث".
(٤) الجرح والتعديل (٢/١٦٠) .
(٥) ذكره في الضعفاء والمتروكين (ص ١٣٢) من رواية البرقاني.
(٦) أحوال الرجال (ص ٨٤)، رقم (١١٣) .
(٧) الجرح والتعديل (٢/١٦٠) قال: "متروك الحديث، وكان كذابًا".
(٨) كتاب المجروحين (١/١٢٨)، وقال: "كان أحمد بن حنبل شديد الحمل عليه".
(٩) فعلًا لا ذكر له في كتب الرجال.
(١٠) ذكره ابن أبي حاتم (٤/٤٨٨)، فقال: طارق بن عبد العزيز بن قيس الربعي، ثم العبدي، روى عن محمد بن عجلان، روى عنه عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي، وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري. قال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال: شيخ يذاكر بحديثه ما رأيت بحديثه بأسًا في مقدار ما رأيت من حديثه. وذكره الحافظ في اللسان (٣/٢٠٤) باسم طارق بن بارق المكي وقال: قال ابن حبان في الثقات: ربما خالف الأثبات في الروايات. ونقل فيه كلام ابن أبي حاتم. وفي الثقات (٨/٣٢٧) طارق بن طارق المكي، يروي عن ابن عجلان، وفيه ما نقله الحافظ عن ابن حبان.
(١١) كذا في الأصل والنسخ المطبوعة ومجموع الفتاوى ولعله سبق قلم من الناسخ والصواب "عن" لأنه يروي عن ابن عجلان كما في الجرح والتعديل.
[ ١٩٧ ]
٥٢٢ - وقد خولف فيها، فرواها أبو نعيم عن الطبراني: حدثنا أحمد ابن زيد بن الجريش، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: "اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير، وعبد الله بن عمر فقالوا: تمنوا فقال عبد الله بن الزبير أَمَّا أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أَمَّا أنا فأتمنى أن يوخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر له" (١) .
٥٢٣ - قلت: وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم، وليس فيه سؤال بالمخلوقات.
وفي الباب حكايات عن بعض الناس، أنه رأى منامًا قيل له فيه: ادع بكذا وبكذا، ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلًا باتفاق العلماء.
_________________
(١) الحلية (٢/٩١)، قال: حدثنا أحمد بن بندار، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا سليمان بن معبد، ثنا الأصمعي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر مصعب بن الزبير، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وذكر القصة. فلعل الإسناد الذي ذكره شيخ الإسلام، قد ذكره أبو نعيم في موضع آخر، أو سبق نظره إلى إسناد آخر، فإن أبا نعيم كثيرًا ما يروي عن الطبراني. أحمد بن بندار لعله أحمد بن بندار بن إسحاق الأصبهاني الغار الظاهري وثقه أبو نعيم، توفي ٣٥٩، السير للذهبي (١٦/ ٦١ - ٦٢) . وعبد الله بن سليمان بن الأشعث، هو ابن أبي داود، ثقة. تأريخ بغداد (٩/٤٦٤ - ٤٦٩) . وسليمان بن معبد، هو أبو داود المروزي السنجي، ثقة. التقريب (١/٢٣٠) . والأصمعي، هو عبد الملك بن قُريب، الشاعر المشهور، صدوق. وعبد الرحمن بن أبي الزناد، صدوق تغير حفظه، وكان فقيهًا. التقريب (١/٤٨٠) . فهو إسناد جيد فإذا انضم إلى الإسناد الذي ذكره شيخ الإسلام ازداد قوة، إذا سلم من الانقطاع بين عبد الرحمن وأصحاب القصة. وعلى كل فهو خيرٌ من ذاك الإسناد.
[ ١٩٨ ]
وقد ذكر بعض هذه الحكايات من جمع في الأدعية.
٥٢٤ - ورُوي في ذلك أثر عن بعض السلف، مثل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء، قال: حدثنا أبو هاشم، سمعت كثير (١) ابن محمد ابن كثير بن رفاعة (٢) يقول: جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد ابن أبجر، فجس بطنه فقال: بك داء لا يبرأ. قال: ما هو؟ قال: الدُّبَيْلة (٣) . قال: فتحول الرجل فقال: الله الله، الله ربي، لا أشرك به شيئًا، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ﷺ تسليمًا، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي. قال فجس بطنه فقال: قد برئت ما بك علة (٤) .
٥٢٥ - قلت: فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، ونهى به (٥) آخرون. فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته، فلا نزاع بين الطائفتين، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع، وما تنازعوا فيه يرد إلى الله والرسول. وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود مما يدل على أنه سائغ في الشريعة، فإن كثيرًا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب
_________________
(١) لم أقف له على ترجمة.
(٢) لم أقف له على ترجمة.
(٣) وردت في حديث عامر بن الطفيل "فأخذته الدبيلة" وهي خراج ودمل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا.
(٤) مجابوا الدعاء (ص ١٥٤) .
(٥) كذا في خ ولعل الصواب عنه.
[ ١٩٩ ]
والمخلوقين، ويحصل ما يحصل من غرضه (١) ./
٥٢٦ - وبعض الناس يقصد الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي (٢) في الكنائس، ويحصل ما يحصل من غرضه. وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين، ويحصل ما يحصل من غرضه. فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحًا، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته. والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد، لكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها.
٥٢٧ - كما أن كثيرًا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة، لكن لما كانت مصلحته راجحة على مفسدته (٣) أمر به الشارع. فهذا أصل يجب اعتباره، ولا يجوز أن يكون الشيء واجبًا أو مستحبًا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه. والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة. والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرًا مباحًا.
٥٢٨ - وفي الجملة فقد نقل عن بعض السلف والعلماء به
_________________
(١) في مجموع الفتاوى (١/٢٢٤) "غرضهم" وهو في الأصل غير واضح والمناسب ما في المجموع".
(٢) في خ: "الذي".
(٣) في خ: "مفسدة".
[ ٢٠٠ ]
السؤال به، بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين، والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا مما لم يفعله أحد من السلف، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين.
٥٢٩ - وحديث الأعمى الذي رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) هو من القسم الثاني من التوسل بدعائه، فإن الأعمى قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره. فقال له: "إن شئت صبرت وإن شئت دعوت". فقال: بل ادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: "اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم فشفعه في". فهذا توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، ودعا له النبي ﷺ، ولهذا قال: وشفعه في، فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه.
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره.
٥٣٠ - وهذا الحديث - حديث الأعمى - قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره:
_________________
(١) في السنن (٥/٥٦٩)، باب (١١٩)، حديث (٣٥٧٨)، وتحفة الأحوذي (١٠/٣٢ - ٣٤) .
(٢) في عمل اليوم والليلة (ص ٤١٧، ٧١٨)، حديث (٦٥٨ - ٦٦٠) .
[ ٢٠١ ]
رواه البيهقي (١) من حديث عثمان بن عمر، عن شعبة، عن أبي جعفر الخطمي، قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت، يحدث عن عثمان ابن حنيف، أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال له: "إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت". قال: فادعُه، فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فيقضيها لي، اللهم فشفعه في وشفعني فيه. قال: فقام وقد أبصر.
ومن هذا الطريق رواه الترمذي من حديث عثمان بن عمر.
ومنها رواه النسائي وابن ماجه (٢) أيضًا.
وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي (٣) .
هكذا وقع في الترمذي وسائر العلماء قالوا هو أبو جعفر الخطمي وهو الصواب.
_________________
(١) في دلائل النبوة (٦/١٦٦ - ١٦٨)، باب ما في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة. وأخرجه الإمام أحمد (٤/١٣٨)، والحاكم، في المستدرك (١/٣١٣) .
(٢) (١/٤٤١)، ٥ - كتاب إقامة الصلاة، ١٨٩ - باب ما جاء في صلاة الحاجة، حديث (١٣٨٥) .
(٣) هذا النص هو كما ذكره شيخ الإسلام في الطبعة الهندية (٢/١١٩) وفي تحفة الأحوذي (١٠/٣٤) . أما في الطبعة المصرية، بتحقيق إبراهيم عطوة عوض، ففيها: "هذا حديث حسن صحيح غريب إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر، وهو الخطمي" وكذلك الأمر في عارضة الأحوذي (١٣/٨١) ويبدو أن كلمة غير سقطت منهما.
[ ٢٠٢ ]
٥٣١ - وأيضًا فالترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء بل رووه إلى قوله "اللهم شفعه فيَّ". قال الترمذي (١): حدثنا محمود ابن غيلان، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف، أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادعُ الله أن يعافيني. قال: "إن شئت صبرت فهو خير لك". قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي، اللهم شفعه فيَّ.
٥٣٢ - قال البيهقي: رويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح، عن روح بن عبادة، عن شعبة، قال: ففعل الرجل فبرأ (٢) .
قال: وكذلك رواه حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي (٣) .
٥٣٣ - قلت: ورواه الإمام أحمد في مسنده، عن روح / بن عبادة كما ذكره البيهقي. قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، عن أبي جعفر المديني: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت، يحدث عن عثمان بن حنيف، أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله ادع الله أن يعافيني، قال: "إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك، وإن شئت دعوت لك". قال: لا بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ، وأن يصلي
_________________
(١) السنن (٥/٥٦٩)، حديث ٣٥٧٨.
(٢) الدلائل (٦/١٦٧)، ورواية حماد بن سلمة - أيضًا - في مسند أحمد (٤/١٣٨) .
[ ٢٠٣ ]
ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه، فتقضي لي وتشفعني فيه وتشفعه في". قال: ففعل الرجل فبرئ (١) .
٥٣٤ - ورواه البيهقي أيضًا من حديث شبيب بن سعيد الحبطي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني - وهو الخطمي (٢) - عن أبي أمامة [ابن] سهل بن حنيف، عن عثمان بن حنيف، قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاءه رجل ضرير يشتكي إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال رسول الله ﷺ: "ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي عن بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي". قال عثمان بن حنيف: والله ما تفرقنا ولاطال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط (٣) .
٥٣٥ - فرواية شبيب، عن روح، عن أبي جعفر الخطمي، خالفت رواية شعبة وحماد بن سلمة في الإسناد (٤) والمتن، فإن في تلك أنه رواه أبو جعفر، عن عمارة بن خزيمة، وفي هذه أنه رواه عن أبي أمامة [بن] سهل، وفي تلك الرواية أنه قال: فشفعه في وشفعني فيه، وفي هذه
_________________
(١) مسند أحمد (٤/١٣٨) .
(٢) واسمه عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الأنصاري المدني ثم البصري.
(٣) الدلائل (٦/١٦٧، ١٦٨) من طريق محمد بن علي بن يزيد الصائغ، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي، قال: حدثني أبي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر به.
(٤) تكررت كلمة "في الإسناد" في خ.
[ ٢٠٤ ]
وشفعني في نفسي. لكن هذا الإسناد له شاهد آخر من رواية هشام الدستوائي عن أبي جعفر (١) .
٥٣٦ - ورواه البيهقي من هذه الطريق، وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته - إن كانت صحيحة - رواه من حديث إسماعيل ابن شبيب بن سعيد الحبطي، عن شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المدني، عن أبي أمامة [بن] سهل بن حنيف، أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي الرجل عثمان بن حنيف، فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة، فتوضأ، ثم إئت المسجد، فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي، فيقضي لي حاجتي. ثم اذكر حاجتك ثم رح حتى أروح (٢) . قال فانطلق الرجل، فصنع ذلك، ثم أتى بعدُ عثمان بن عفان، فجاء البواب، فأخذ بيده، فأدخله على عثمان،
_________________
(١) الاختلاف في الإسناد، ذكره النسائي، في عمل اليوم والليلة (ص ٤١٨) قال - بعد أن روى الحديث من طريق حماد بن سلمة وشعبة، عن أبي جعفر -: "وخالفهما هشام الدستوائي، وروح بن القاسم، فقالا عن أبي جعفر عمير بن يزيد بن خراشة، عن أبي أمامة بن سهل، عن عثمان بن حنيف، ثم قال: أخبرني زكريا بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثني معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه، أن أعمى أتى النبي ﷺ فقال: وذكر الحديث، وفيه: "وشفعني في نفسي". وكذلك في رواية حماد، عند النسائي: "وشفعني في نفسي". وكذلك عند البيهقي في الدلائل. أقول: من أئمة الحديث من وثق أبا جعفر عمير بن يزيد الخطمي وقال الحافظ فيه: "صدوق"، وفي النفس من الاختلاف عليه في إسناد هذا الحديث ومتنه وفي النفس شيء من تفرده بهذا الحديث فإنه يدور عليه وحده، فليس له متابعات ولا شواهد.
(٢) كذا في خ ولعله سقط بعده كلمة معك على الناسخ.
[ ٢٠٥ ]
فأجلسه معه على الطنفسة وقال: انظر ما كانت لك من حاجة، فذكر حاجته، فقضاها له، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إليَّ حتى كلمته في. فقال عثمان بن حنيف: ما كلمته، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول، وجاءه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ: "أو تصبر؟ ". فقال له: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق عليّ، فقال: إئت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي لي عن بصري، اللهم فشفعه في، وشفعني في نفسي". قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وما طال بنا الحديث، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط (١) .
٥٣٧ - قال البيهقي: ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله، وساقه من رواية يعقوب بن سفيان، عن أحمد بن شبيب بن سعيد، قال: ورواه أيضا هشام الدستوائي، عن أبي جعفر، عن (٢) أبي أمامة بن سهل، عن عمه - وهو عثمان بن حنيف - ولم يذكر إسناد هذه الطريق (٣) .
٥٣٨ - قلت: وقد رواه النسائي في كتاب "عمل اليوم والليلة" (٤)
_________________
(١) الدلائل (٦/١٦٧ - ١٦٨) .
(٢) من قوله: "شبيب بن سعيد" إلى هنا، سقط من ز.
(٣) الدلائل (٦/١٦٨)، والأمر كما قال شيخ الإسلام.
(٤) (ص ٤١٨)، حديث رقم (٦٥٨ - ٦٦٠) . وقد تقدم تخريجها ص (٢٠١) .
[ ٢٠٦ ]
من هذه الطريق، من حديث معاذ بن هشام، عن أبيه، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف.
ورواه أيضًا من حديث شعبة وحماد بن سلمة، كلاهما عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة، ولم يروه أحد من هؤلاء - لا الترمذي، ولا النسائي، ولا ابن ماجه - من تلك الطريق الغريبة، التي فيها الزيادة، طريق شبيب ابن سعيد، عن روح بن القاسم.
٥٣٩ - لكن رواه الحاكم في مستدركه/ من الطريقين، فرواه من حديث عثمان بن عمر: حدثنا شعبة، عن أبي جعفر المدني، سمعت عمارة بن خزيمة يحدث، عن عثمان بن حنيف، أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال:
أدع الله أن يعافيني فقال: "إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت". قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء:
"اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، اللهم فشفعه في وشفعني فيه". قال الحاكم: على شرطهما.
٥٤٠ - ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطي، وعون بن عمارة، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف، أنه سمع النبي ﷺ وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره وقال: يا رسول الله ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال: "ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل:
[ ٢٠٧ ]
اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي، فيجلي لي عن بصري، اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي". قال عثمان فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث، حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط. قال الحاكم: على شرط البخاري (١) .
٥٤١ - وشبيب هذا صدوق (٢)، روى له البخاري، لكنه قد رُوي له عن روح بن الفرج (٣) أحاديث مناكير، رواها ابن وهب، وقد ظن أنه غلط عليه. ولكن قد يقال مثل هذا إذا انفرد عن الثقات - الذين هم أحفظ منه، مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي - بزيادة، كان ذلك عليه في الحديث، لا سيما وفي هذه الرواية أنه قال: "فشفعه في وشفني في نفسي". وأولئك قالوا: "فشفعه في وشفعني فيه". وبمعنى قوله: "وشفعني فيه" أي في دعائه، وسؤاله لي، فيطابق قوله: "وشفعه في" (٤) .
_________________
(١) المستدرك (١/٣١٣، ٥١٩، ٥٢٦) من الطرق التي ذكرها شيخ الإسلام.
(٢) قال الحافظ: شبيب بن سعيد الحبطي البصري. أبو سعيد، لا بأس بحديثه، من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب/ خ، خد، س. تقريب (١/٣٤٦) .
(٣) كذا في الأصل وجميع النسخ المطبوعة والصواب هنا وفيما يأتي روح بن القاسم إذ ليس لشيب شيخ يسمى روح ابن الفرج راجع ترجمته في تهذيب الكمال. وانظر هذا في الكامل لابن عدي إذ هذا الكلام الذي نقله شيخ الإسلام إنما هو لابن عدي وليس فيه إلا روح ابن القاسم.
(٤) الذي وقفت عليه من اختلاف في رواية هذه الألفاظ: أ - من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة، عن أبي جعفر: "اللهم شفعه في". عند الترمذي، وأحمد، والنسائي، في عمل اليوم والليلة. ب - عثمان بن عمر، عن شعبة، عن أبي جعفر. وشبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر: "اللهم شفعه في وشفعني في نفسي". ويمكن أن يكون هذا وهمًا من البيهقي، أو من أحد رجال الإسناد. والله أعلم. ج - من طريق هشام الدستوائي، عن أبي جعفر: "اللهم شفعه في وشفعني في نفسي". عند النسائي، في عمل اليوم والليلة. =
[ ٢٠٨ ]
٥٤٢ - قال أبو أحمد بن عدي في كتابه المسمى "بالكامل في أسماء الرجال"، ولم يصنف في فنه مثله: شبيب بن سعيد الحبطي أبو سعيد البصري التميمي، حدث عنه ابن وهب بالمناكير، وحدث عن يونس، عن الزهري بنسخة الزهري أحاديث مستقيمة، وذكر عن علي ابن المديني أنه قال: هو بصري ثقة كان من أصحاب يونس، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وجاء بكتاب صحيح.
قال: وقد كتبتها (١) عن ابنه أحمد بن شبيب. وروى عن (٢) عدي حديثين عن ابن وهب، عن شبيب هذا عن روح ابن القاسم (٣):
أحدهما: عن ابن (٤) عقيل، عن سابق بن ناجية، عن ابن سلام (٥) قال: مر بنا رجل فقالوا: إن هذا قد خدم النبي ﷺ.
والثاني: عنه، عن روح بن القاسم، عن عبد الله بن الحسين، عن أمه فاطمة حديث دخول المسجد. قال ابن عدي: كذا قيل في الحديث عن عبد الله بن الحسين، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ.
_________________
(١) = د - روحِ، عن شعبة، عن أبي جعفر. وحماد بن سلمة، عن أبي جعفر: "اللهم شفعني فيه، وشفعه في". عند الإمام أحمد.
(٢) هذا قول ابن المديني. انظر الكامل لابن عدي المخطوط ٢/ق١، ١٦٢، وتهذيب الكمال للمزي (١٢/٣٢١) .
(٣) كذا في الأصل والظاهر "ابن عدي".
(٤) وتقدم التنبيه عليه في حاشية رقم (٣) ص ٢٠٨.
(٥) الصواب: عن أبي عقيل انظر الكامل (٢/ق/١٦٢) .
(٦) الصواب عن أبي سلام. انظر الكامل (٢/ق ١٦٢) . وانظر الكنى للدولابي (٢/٣٣)، والجرح والتعديل (٤/٣٠٧) .
[ ٢٠٩ ]
٥٤٣ - قال ابن عدي: ولشبيب بن سعيد نسخة الزهري عنده، عن يونس، عن الزهري، وهي أحاديث مستقيمة. حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير. و[إن] حديثي روح بن القاسم اللذين أمليتهما، يرويهما بن وهب عن شبيب. وكان شبيب بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب - نسخة الزهري: ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه، ولعل شبيبًا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم. - وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب (١) .
٥٤٤ - قلت: هذان الحديثان اللذان أنكرهما ابن عدي عليه، رواهما عن روح بن القاسم، وكذلك هذا الحديث، حديث الأعمى رواه عن روح بن القاسم. وهذا الحديث مما رواه عنه ابن وهب أيضًا، كما رواه عنه ابناه، لكنه لم يُتقن لفظه كما أتقنه ابناه، وهذا يصحح ما ذكره ابن عدي، فعلم أنه محفوظ عنه.
وابن عدي أحال الغلط عليه لا على ابن وهب، وهذا صحيح إن كان قد غلط، وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم في ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه في هذا الحديث.
٥٤٥ - وروح بن القاسم ثقة مشهور، روى له الجماعة فلهذا لم
_________________
(١) الكامل لابن عدي (٤/١٣٤٧ - ١٣٤٨) من قوله: قال أبو أحمد بن عدي إلى هنا.
[ ٢١٠ ]
يحيلوا الغلط عليه. والرجل قد يكون حافظًا لما يرويه عن شيخ، وغير حافظ لما يرويه عن آخر، مثل إسماعيل بن عياش فيما / يرويه عن الحجازيين، فإنه يغلط فيه، بخلاف ما يرويه عن الشاميين. ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهري. ومثل هذا كثير، فيحتمل أن يكون هذا يغلط فيما يرويه عن روح بن القاسم - إن كان الأمر كما قاله ابن عدي - وهذا محل نظر.
٥٤٦ - وقد روى الطبراني (١) هذا الحديث في المعجم، من حديث ابن وهب، عن شبيب بن سعيد. رواه من حديث أصبغ بن الفرج: حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿ فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له.
ثم أتى باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له.
_________________
(١) المعجم الصغير (١/١٨٣ - ١٨٤) بالإسناد والمتن اللذين ذكرهما شيخ الإسلام وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٢٣٤)، حديث (٦٣٣) .
[ ٢١١ ]
ثم قال له: ماذكرتُ حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا.
ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيَّ. فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي ﷺ: افتصبر؟ فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق [علي]، فقال له رسول الله ﷺ: "ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات". فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط.
قال الطبراني (١): روى هذا الحديث شعبة، عن أبي جعفر واسمه عمير بن يزيد، وهو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر، عن شعبة، قال أبو عبد الله المقدسي: والحديث صحيح.
٥٤٧ - قلت: والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه، ولم تبلغه رواية روح بن عبادة، عن شعبة. وذلك إسناد صحيح، يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر.
وطريق ابن وهب هذه تؤيد ما ذكره ابن عدي، فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه، بل ذكر فيها أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف، وليس كذلك بل في حديث الأعمى أنه قال: "اللهم
_________________
(١) المعجم الصغير (١/١٨٤) .
[ ٢١٢ ]
فشفعه في وشفعني فيه - أو قال - في نفسي". وهذه لم يذكرها ابن وهب في روايته، فيشبه أن يكون حدث ابن وهب من حفظه كما قال ابن عدي، فلم يتقن الرواية.
٥٤٨ - وقد روى أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه حديث حماد ابن سلمة فقال:
حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سلمة، نا أبو جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حنيف، أن رجلًا أعمى أتى النبي ﷺ فقال: إني أصبت في بصري، فادع الله لي. قال: "اذهب فتوضأ، وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللهم فشفعني في نفسي، وشفع نبيي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك". فرد الله عليه بصره.
قال ابن أبي خيثمة: وأبو جعفر هذا - الذي حدث عنه حماد بن سلمة - اسمه عمير بن يزيد، وهو أبو جعفر، الذي يروي عنه شعبة.
ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة.
٥٤٩ - قلت: وهذه الطريق فيها: "فشفعني في نفسي" مثل طريق روح بن القاسم، وفيها زيادة أخرى وهي قوله: "وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك - أو قال - فعل مثل ذلك".
وهذه قد يقال: إنها توافق قول عثمان بن حنيف، لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى، وقوله: "وإن كانت حاجة فعل
[ ٢١٣ ]
مثل ذلك". قد يكون مدرجًا من كلام عثمان، لا من كلام النبي ﷺ فإنه لم يقل: "وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك" بل قال: "وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك".
٥٥٠ - وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة، وإنما غايتها أن يكون عثمان / بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض، فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه، وظن أن هذا مشروع بعد موته ﷺ.
ولفظ الحديث يناقض ذلك، فإن في الحديث، أن الأعمى سأل النبي ﷺ أن يدعو له، وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول: "اللهم فشفعه فيَّ". وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي ﷺ داعيًا شافعًا له بخلاف من لم يكن كذلك، فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم.
٥٥١ - وفيه أيضًا أنه قال: "وشفعني فيه".
وليس المراد أن يشفع للنبي ﷺ في حاجة للنبي ﷺ، وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه، وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة.
ففي صحيح البخاري، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة" (١) .
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٧٣) .
[ ٢١٤ ]
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" (١) .
٥٥٢ - وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له، وهو معنى الشفاعة، ولهذا كان الجزاء من جنس العمل، فمن صلى عليه، صلى [عليه] الله، ومن سأل الله له الوسيلة المتضمنة لشفاعته، شفع له ﷺ، كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة، فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة، وهو كالشفاعة في الشفاعة. فلهذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه.
٥٥٣ - وذلك أن قبول دعاء النبي ﷺ في مثل هذا هو من كرامة الرسول على ربه، ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته، فهو كشفاعته يوم القيامة في الخلق، ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول: "فشفعه في وشفعني فيه". بخلاف قوله: "وشفعني في نفسي". فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا الطريق الغريب.
٥٥٤ - وقوله: "وشفعني فيه". رواه عن شعبة رجلان جليلان: عثمان بن عمر، وروح بن عبادة. وشعبة أجل من روى هذا الحديث، ومن طريق عثمان بن عمر، عن شعبة رواه الثلاثة: الترمذي والنسائي
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٧٢) .
[ ٢١٥ ]
وابن ماجه.
رواه الترمذي (١)، عن محمود بن غيلان، عن عثمان بن عمر، عن شعبة.
ورواه ابن ماجه (٢)، عن أحمد بن يسار، عن عثمان بن عمر.
٥٥٥ - وقد رواه أحمد في "المسند" (٣) عن روح بن عبادة، عن شعبة، فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث. مع أن قوله: "وشفعني في نفسي"، إن كان محفوظًا مثل ماذكرناه، وهو أنه طلب أن يكون شفيعًا لنفسه، مع دعاء النبي ﷺ، ولو لم يدع له النبي ﷺ كان سائلًا مجردًا كسائر السائلين.
ولا يسمى مثل هذا شفاعة، وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره.
٥٥٦ - فهذه الزيادة فيها عدة علل: انفراد هذا بها عن من هو أكبر وأحفظ منه، وإعراض أهل السنن عنها، واضطراب لفظها، وأن راويها عرف له - عن روح هذا - أحاديث منكرة.
ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة، فلا حجة فيها، إذ الاعتبار بما رواه الصحابي، لا بما فهمه إذا كان اللفظ
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٢٠١) .
(٢) تقدم تخريجه في ص (٢٠٢) .
(٣) تقدم تخريجه في ص (٢٠٤) .
[ ٢١٦ ]
الذي رواه لا يدل على ما فهمه، بل على خلافه.
٥٥٧ - ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه - مع [أن] النبي ﷺ لم يدعُ له - كان هذا كلامًا باطلًا، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبي ﷺ شيئًا، ولا أن يقول فشفعه فيَّ، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي ﷺ شفاعة، ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: "فشفعه فيَّ" لكان كلامًا لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان. والدعاء المأثور عن النبي ﷺ لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثورًا عن النبي ﷺ.
٥٥٨ - ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة، في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما ثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول.
٥٥٩ - ولهذا / نظائر كثيرة: مثل ما كان عمر (١) يدخل الماء في عينيه في الوضوء (٢)، ويأخذ لأذنيه ماءً جديدًا (٣) .
_________________
(١) في خ وسائر النسخ والصواب ابن عمر ويؤكده نسبة ذلك إليه ما في مصنف عبد الرزاق والسنن الكبرى للبيهقي.
(٢) في السنن الكبرى للبيهقي (١/١٧٧)، من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - "كان إذا اغتسل من الجنابة نضح الماء في عينيه، وأدخل أصبعه في سرته".
(٣) وفي السنن الكبرى للبيهقي أيضًا (١/٦٥)، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر، "كان يعيد أصبعه في الماء فيمسح بها أذنيه". وانظر المصنف لعبد الرزاق (١/١١ - ١٣) .
[ ٢١٧ ]
وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضد في الوضوء ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
وروي عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل.
٥٦٠ - فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعًا لهما، فقد خالفهم في ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضئون هكذا، والوضوء الثابت عنه ﷺ الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبي ﷺ: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل (١) .
_________________
(١) الحديث في البخاري، ٤ - كتاب الوضوء، ٣ - باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء، حديث (١٣٦) . ومسلم (١/٢١٦)، ٢ - كتاب الطهارة، ١٢ - باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، حديث (٣٤، ٣٥) . وأحمد (٢/٣٣٤، ٣٦٢، ٤٠٠، ٥٢٣) كلهم من طريق نعيم بن عبد الله عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظ البخاري: إني سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". ولفظ مسلم، عن نعيم بن عبد الله المجمر قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى، حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى، حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى، حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى، حتى أشرع في الساق. ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: قال رسول الله ﷺ: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباع الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله". وفي لفظ لمسلم: "فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه، حتى رفع إلى الساقين". وفي مسند أحمد (٢/٣٣٤، ٥٢٣)، بعد رواية الحديث فقال نعيم: "لا أدري قوله: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل من قول رسول الله ﷺ، أو من قول أبي هريرة". قال الحافظ في الفتح (١/٢٣٥ - ٢٣٦): "وزاد الإسماعيلي فيه: فغسل وجهه ويديه، فرفع =
[ ٢١٨ ]
٥٦١ - بل هذا من كلام أبي هريرة، جاء مدرجًا في بعض الأحاديث، وإنما قال النبي ﷺ: "إنكم تأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء". وكان ﷺ يتوضأ، حتى يشرع في العضد والساق، فقال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته [فليفعل] . وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحجلة. والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله، لا يغسل الرأس، ولا غرة في الرأس، والحجلة لا يستحب إطالتها، وإطالتها مثلة.
٥٦٢ - وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي ﷺ، وينزل مواضع منزله، ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ، ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها.
_________________
(١) = في عضديه، وغسل رجليه، فرفع في سابقيه". وكذا لمسلم عن نعيم، من طريق عمرو ابن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال نحوه. ومن طريق عمارة بن غزية، وزاد في هذه أن أبا هريرة قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فأفاد رفعه، وفيه رد على من زعم أن ذلك رأي أبي هريرة، بل من روايته ورأيه معًا". أقول: ولمسلم أيضًا من طريق أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، قال: كنت خلف أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى يبلغ إبطَهُ. فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: بني فروخ أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء. سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". ففي تخفي أبي هريرة بهذا الوضوء، وبقوله هذا، وفي قول نعيم لا أدري قوله: "من استطاع أن يطيل غرته فليفعل". من قول رسول الله ﷺ، أو من قول أبي هريرة. ونعيم هو مدار هذا الحديث. في كل هذا ما يؤيد من ذهب إلى تعليل هذه الجملة من الحديث، لا سيما وفي إسنادها خالد بن مخلد القطواني، وهو صدوق يتشيع. وعمارة ابن غزية الأنصاري المدني، قال فيه الحافظ: لا بأس به.
[ ٢١٩ ]
٥٦٣ - ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه (١) مستحبًا، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر. ولو رأوه مستحبًا، لفعلوه، كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به.
٥٦٤ - وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة، شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة، خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يلتمس الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند أسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.
٥٦٥ - وأما [ما] فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده - مثل أن ينزل بمكان، ويصلي فيه لكونه نزله لا قصدًا لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه.
فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب.
٥٦٦ - كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد، قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى
_________________
(١) في خ "رواه".
[ ٢٢٠ ]
فيه النبي ﷺ. فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب، أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبِيَعًا. فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض (١) .
٥٦٧ - فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب، التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه (٢) بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب.
٥٦٨ - وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في النية أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة (٣): هل فعلها استحبابًا أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها.
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في الاقتضاء (ص ٣٨٦): فروى سعيد بن منصور في سننه، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد، عن عمر - ﵁ - قال: خرجنا معه في حجة حجها.. وذكر القصة. وقال ابن وضاح في كتابه البدع والنهي عنها (ص ٤١ - ٤٢): حدثني إبراهيم بن محمد قال: نا حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب، عن الأعمش، حدثني مروان بن سويد الأسدي، عن عمر. وساق القصة ثم قال: وثنا موسى بن معاوية قال: نا جرير، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد: خرجنا حجاجًا مع عمر القصة وليس من شيوخ الأعمش مروان بن سويد الأسدي وإنما هو مسعود بن مالك الأسدي فلعل مروان خطأ من الطابعين، أو من بعض النساخ. وعلى كل حال فالقصة صحيحة.
(٢) في خ: "متشبها".
(٣) يشير إلى حديث مالك بن الحويرث الليثي: "أنه رأى النبي ﷺ، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا". أخرجه البخاري، ١٠ - كتاب الأذان، ١٤٢ - باب من استوى قاعدًا في وتر من صلاته، ثم نهض، حديث (٨٣٢) . والترمذي =
[ ٢٢١ ]
٥٦٩ - وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه: هل فعله لأنه كان أسمح بخروجه، أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك.
ومن هذا وضعُ ابن عمر يده على مقعد النبي ﷺ (١) .
وتعريف ابن عباس (٢) بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة، فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة ولم يكن النبي ﷺ شرعه لأمته لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة.
٥٧٠ - بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا أنه سنة مستحبة سنها النبي ﷺ لأمته.
_________________
(١) = (٢/٧٩) أبواب الصلاة، ٢١٣ - باب كيف النهوض من السجود، حديث (٢٨٧) . وأبو داود (١/٥٢٦ - ٥٢٧)، ٢ - كتاب الصلاة، ١٤٢ - باب النهوض في الفرد، حديث (٨٤٢ - ٨٤٤) وأحمد (٥/٥٣ - ٥٤) . وجلسة الاستراحة وردت في حديث أبي حميد الساعدي. كما رواه الترمذي (٢/١٠٦ - ١٠٧)، أبواب الصلاة، حديث (٣٠٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) الشفاء للقاضي عياض (٢/٥٣ - ٥٤) بدون إسناد، بلفظ: "ورؤي ابن عمر واضعًا يده على مقعد النبي ﷺ من المنبر ثم وضعها على وجهه".
(٣) قال عبد الرزاق في المصنف (٤/٣٧٦): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال عدي بن أرطأة للحسن، ألا تخرج بالناس فتعرف بهم؟ وذلك بالبصرة، فقال الحسن: إنما المعرَّف بعرفة، قال: وكان الحسن يقول: أول من عرَّف بأرضنا ابن عباس. ثم بين هذا التعريف فقال (٤/٣٧٧): عن ابن التيمي عن أبيه قال: سمعت الحسن يقول: أول من عرّف بأرضنا ابن عباس كان يتعد عشية عرفة، فيقرأ القرآن، البقرة آية آية، وكان مثجًا عالمًا. ثم قال: عن معمر عن مغيرة عن إبراهيم، قال: "كان الناس يعرفون في المسجد بالكوفة، فلا يعرف معهم" المصنف (٤/٣٧٨ - ٣٧٩) . وروى البيهقي بإسناده إلى شعبة قال: "سألت الحكم وحمادًا عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد، فقالا: هو محدث، وعن منصور عن إبراهيم قال: هو محدث، وعن قتادة عن الحسن قال: أولُ من صنع ذلك ابن عباس" السنن الكبرى (٥/١١٨) .
[ ٢٢٢ ]
أو يقال في /التعريف: إنه لا بأس به أحيانًا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة.
٥٧١ - وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين. فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله ﷺ، إذ ليس لغيره أن يسن ولا يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه، ولا يكون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروها إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه.
٥٧٢ - وهكذا في الإباحات، كما استباح أبو طلحة أكل البَرد وهو صائم (١) .
واستباح حذيفة السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع (٢) . وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك، وجب الرد إلى الكتاب والسنة.
_________________
(١) انظر مسند أحمد (٣/٢٧٩) بإسناد صحيح. وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (١/٤٨١) حديث (١٠٢٢) .
(٢) المسند (٦/٥٣٢) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن حذيفة، ومن طريق سفيان الثوري عن عاصم عن زر بن حبيش، قلت: لحذيفة أي تسحرتم مع النبي ﷺ؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع". وعاصم صدوق له أوهام. قال ابن حزم بعد أن روى ما يقرب من هذا الحديث من الأحاديث والآثار: "هذا كله على أنه لم يكن يتبين له الفجر بعد، فبهذا تتفق السنن مع القرآن".
[ ٢٢٣ ]
٥٧٣ - وكذلك الكراهية والتحريم. مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت (١) .
_________________
(١) روى مالك في الموطأ (١/٤١٠)، ٢٠ - كتاب الحج، ٧٣ - باب الإفاضة، حديث (٢٢٢)، عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب، قال: "من رمى جمرة العقبة ثم حلق أو قصر ونحر هديا، إن كان معه، فقد حل له ما حرم عليه، إلا النساء والطيب، حتى يطوف بالبيت". وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥/١٣٥ - ١٣٦) من طريق أبي اليمان عن شعيب عن نافع عن ابن عمر، ومن طريق معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر به. ثم روى بإسناده إلى الشافعي أنبأ سفيان عن عمرو بن دينار عن سالم قال: "قالت عائشة - ﵂ - أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله وإحرامه، قال سالم: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع". وفي البخاري ٥ - كتاب الغسل ١٤ - باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب (حديث /٢٧٠) من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: سألت عائشة، فذكرت لها قول ابن عمر: "ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبًا" فقالت عائشة - ﵂ -: "أنا طيبت رسول الله ﷺ ثم طاف على نسائه". قال الحافظ في الفتح (١/٢٨١): "ومن فوائده - أيضًا - رد بعض الصحابة على بعض بالدليل، واطلاع أزواج النبي ﷺ على ما لا يطلع عليه غيرهن من أفاضل الصحابة". وفي صحيح مسلم (٢/٨٤٩ - ٨٥٠) ١٥ - كتاب الحج حديث ٤٧، ٤٩، "ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبا؛ لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك وفيه جواب عائشة عليه"، وانظر سنن النسائي (٥/١٠٩)، ومسند أحمد (٦/١٧٥) . قال الحافظ ابن حجر: "وكان ابن عمر يتبع أباه، فإنه كان يكره استدامة الطيب بعد الإحرام كما سيأتي، وكانت عائشة تنكر عليه ذلك، وقد روى سعيد بن منصور، من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر، أن عائشة كانت تقول: "لا بأس بأن يمس الطيب عند الإحرام، قال: فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر، فأرسلته إليها، وقد علمت قولها، ولكن أحببت أن يسمعه أبي فجاءني رسولي، فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإحرام فأحب ما بدا لك، قال: فسكت ابن عمر". وكذا سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده في ذلك، لحديث عائشة. قال ابن عيينة: "أخبرنا عمرو بن دينار، عن سالم، أنه ذكر قول عمر في الطيب، ثم قال: قالت عائشة - ﵂ - فذكر الحديث، قال سالم: سنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع". قال الحافظ: "ويؤخذ منه أن المفزع في النوازل إلى السنن، وأنه مستغنى بها عن أراء الرجال، وفيها المقنع". الفتح (٣/٢٩٨) .
[ ٢٢٤ ]
وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع، أو التمتع مطلقًا (١)، أو رأى تقدير مسافة القصر بحدٍّ حدَّه، وأنه لا يقصر بدون ذلك (٢)، أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم في السفر (٣) .
ومن ذلك قول سلمان: إن الريق نجس (٤) .
وقول ابن عمر: إن الكتابية لا يجوز نكاحها (٥) .
وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر (٦) .
ومنع عمر وابن مسعود للجنب أن يتيمم (٧) .
_________________
(١) انظر صحيح مسلم ١٥ - كتاب الحج حديث (١٤٣، ١٤٥، ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦، ١٥٧، ١٥٨) .
(٢) من الصحابة من حدها بأربعة برد، وفي مسيرة اليوم، كابن عمر، ومنهم من قال: يقصر في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وجدة، وفي مثل ما بين مكة وعسفان كابن عباس، وهناك أقوال لعلماء آخرين. انظر: الموطأ (١/١٤٧ - ١٤٨) . ومصنف عبد الرزاق (٢/٥٢٤ - ٥٢٨) . ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٤٤٣ - ٤٤٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/١٣٦ - ١٣٧)، والبخاري ١٨ - كتاب تقصير الصلاة ٤ - باب في كم يقصر الصلاة. فتح (٢/٥٦٥ - ٥٦٨) .
(٣) انظر الموطأ (١/٢٩٥) عمل ابن عمر - ﵄ -. وانظر مصنف عبد الرزاق (٤/٢٧٠) رأى عمر، ﵁.
(٤) انظر: السنن الكبرى (١/١٤) عن سلمان قال: "إذا حك أحدكم جلده فلا يمسحه بريقه، فإنه ليس بطاهر".
(٥) في مصنف ابن أبي شيبة (٤/١٥٨) من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب، وقرأ: "ولا تنكحوهن حتى يؤمن. وقال السيوطي الدر المنثور (١/٢٥٦): "وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه عن نافع عن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئًا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله". ولم أجده في البخاري.
(٦) انظر مصنف ابن أبي شيبة (١١/٣٧١، ٣٧٤) .
(٧) انظر صحيح البخاري ٧ - كتاب التيمم، ٨ - باب التيمم ضربة حديث (٣٤٧) . وصحيح مسلم (١/٢٨٠ - ٢٨١)، ٣ - كتاب الحيض ٢٨ - باب التيمم، حديث =
[ ٢٢٥ ]
وقول علي وزيد وابن عمر في المفوِّضة: إنه لا مهر لها إذا مات الزوج (١) .
وقول علي وابن عباس في المتوفى عنها الحامل: إنها تعتدُّ أبْعَدَ الأجَلَين (٢) .
وقول ابن عمر وغيره: إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما يفعل بالحلال (٣) .
_________________
(١) = (١١٠ - ١١٣) . وأبو داود (١/٢٢٧ - ٢٢٩) ١ - كتاب الطهارة حديث (٣٢١ - ٣٢٢) . وابن ماجه (١/١٨٨) ١ - كتاب الطهارة، ٩١ - باب ما جاء في التيمم ضربة واحدة حديث (٥٦٩) .
(٢) انظر: مصنف عبد الرزاق (٦/٢٩٢ - ٢٩٥)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤/٣٠٠ - ٣٠٢)، والمغني لابن قدامة (٧/٢٤٦) .
(٣) قول ابن عباس في الموطأ (٢/٥٨٩) في خلاف دار بينه وبين أبي هريرة وأبي سلمة بن عبد الرحمن فسئلت أم سلمة فأجابت بفتوى رسول الله ﷺ لسبيعة الأسلمية حيث ولدت بعد ليال من وفاة زوجها فقال لها رسول الله ﷺ: "قد حللت فانكحي إن شئت". البخاري ٦٥ - كتاب التفسير ٦٥ - سورة الطلاق حديث (٤٩٠٩) . وانظر قول علي وابن عباس - ﵄ - في تفسير ابن جرير (٢٨/١٤٣ - ١٤٤) . وانظر الدر المنثور (٨/٢٠٤ - ٢٠٦) .
(٤) أصل هذه المسألة حديث ابن عباس، ﵁، قال: كنا مع النبي في سفر فرأى رجلًا سقط عن بعيره، فوقص فمات وهو محرم، فقال رسول الله ﷺ: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة يهل أو يلبي". هذا لفظ الترمذي (٤/١٧٥) مع عارضة الأحوذي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه البخاري، ومسلم، وأبو داود. قال العيني في عمدة القاري (٨/٥١): "احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر في أن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولهذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وهو قول عثمان، وعلي، وابن عباس، وعطاء، والثوري، وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال". وانظر: فتح الباري (٣/١٣٨)، وعارضة الأحوذي (٤/١٧٥) . وبذل المجهود (١٤/٢٠٩) .
[ ٢٢٦ ]
وقول ابن عمر وغيره: لا يجوز الاشتراط في الحج (١) .
وقول ابن عباس وغيره في المتوفى عنها: ليس عليها لزوم المنزل (٢) .
وقول عمر وابن مسعود: إن المبتوتة لها السكنى والنفقة (٣) .
وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة، فإنه يجب فيه الرد إلى الله والرسول، ونظائر هذا كثير فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ينسب هذا القول إلى ابن عمر وعائشة والنخعي والحكم وطاووس ومالك والثوري وأبي حنيفة، وقالوا: لا ينفعه اشتراط، ويمضي على إحرامه. وهذا المذهب مخالف للحديث الصحيح المتفق عليه من حديث عائشة في قصة ضباعة، حينما دخل عليها رسول الله ﷺ وهي مريضة فقال لها: "لعلك أردت الحج فقالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: "حجي واشترطي قولي: اللهم محلي حيث حبستني". وأجاز هذا الاشتراط عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعمار وابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة وعطاء وعلقمة وشريح. انظر عمدة القاري للعيني (٢٠/٨٥)، وشرح النووي لصحيح مسلم (٨/١٣٢) . قال البيهقي: "لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة في الاشتراط لقال به، وقال الشافعي لو ثبت حديث عروة (يعني في قصة ضباعة) لم أعده إلى غيره؛ لأنه لا يحل عندي خلاف ما يثبت عن رسول الله ﷺ، قال البيهقي: قد ثبت هذا الحديث من أوجه عن النبي ﷺ". السنن الكبرى (٥/٢٢١) والفتح (٤/٨) . وانظر في الموضوع تفسير ابن كثير (١/٣٣٥) وانظر قول ابن عمر في الترمذي (٣/٢٧٠) ٧ - كتاب الحج حديث (٩٤٢) .
(٢) انظر مصنف عبد الرزاق (٧/٢٩ - ٣٠)، وهو قول عدد من الصحابة والتابعين كما في المصنف. وانظر السنن الكبرى للبيهقي (٧/٤٣٥ - ٤٣٦) . وسنن سعيد بن منصور (ص ٣٢٢) .
(٣) انظر: هذه المسألة في شرح معاني الآثار (٣/٦٨) . وعمدة القاري للعيني (٢٠/٣٠٧ - ٣٠٨) . وفتح الباري (٩/٤٧٧ - ٤٨١)، وعون المعبود نشر عبد المحسن السلفي (٦/٣٨٨ - ٣٩٨)، وزاد المعاد (٥/٥٢٢ - ٥٤٢)، والمغني لابن قدامة (٧/٥٢٨) .
[ ٢٢٧ ]
٥٧٤ - ومن قال من العلماء: "إن قول الصحابي حجة" فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارًا على القول، فقد يقال: "هذا إجماع إقراري"، إذا عرف أنهم أقروه لم ينكره أحد منهم، هم لا يقرون على باطل.
٥٧٥ - وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال: "هو حجة". وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق.
٥٧٦ - وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم.
٥٧٧ - وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا له ولا شافعًا فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته، كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا.
٥٧٨ - بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمنًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا
[ ٢٢٨ ]
فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" فيسقون (١) .
٥٧٩ - وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، لم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا (٢) بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس.
٥٨٠ - فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟.
٥٨١ - فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.
٥٨٢ - وحديث الأعمى حجة لعمر / وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي ﷺ ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء: "قل اللهم شفعه فيَّ"، وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته، كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق [لسنة] رسول الله ﷺ، وكان المخالف لعمر محجوجًا بسنة رسول الله ﷺ، وكان الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ حجة عليه لا له. والله أعلم.
_________________
(١) تقدم ص (٨٨) .
(٢) تقدم ص (١٢٧) .
[ ٢٢٩ ]