فصل
٩٠٠ - وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله، وما نهى الله عنه ورسوله، في حق أشرف الخلق وأكرمهم على الله ﷿، وسيد ولد آدم وخاتم الرسل والنبيين، وأفضل الأولين والآخرين، وارفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاهًا عند الله ﵎، تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بأن لا يشرك به، ولا يُتخذ قبره وثنًا يعبد، ولا يُدعى من دون الله لا في حياته ولا في مماته.
٩٠١ - ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدي فلانًا أغثني وانصرني وادفع عني، أو أنا في حسبك. ونحو ذلك.
٩٠٢ - بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم - لما كانوا من جنس عباد الأوثان - صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأصنام ويغويهم فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاثُ به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لا بد أن يكون في ذلك ما هو كذب، بل الكذب أغلب عليه/ من الصدق.
٩٠٣ - وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم، وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذي جاء من الغيب حتى فعل ذلك، أو يظن أن الله تعالى صور ملكًا على صورته فعل ذلك،
[ ٣٢٦ ]
ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله! وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به.
٩٠٤ - كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم، كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب، وهو اليوم موجود في المشركين من الترك والهند وغيرهم.
٩٠٥ - وأعرفُ من ذلك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم، فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ورفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينتُ لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين.
٩٠٦ - وهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدةُ الأوثان، وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلاّس يرون أيضًا من يأتي على صورة ذلك الشيخ النصراني الذي استغاثوا به فيقضي بعض حوائجهم.
٩٠٧ - وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت النبي ﷺ غاية أحدهم أن يجري له بعض هذه الأمور أو يحكي لهم بعض هذه الأمور فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل.
[ ٣٢٧ ]
٩٠٨ - ومن هؤلاء من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه، وإنما ذلك كله من الشياطين.
٩٠٩ - وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان. وقد قال الخليل ﵇ (١٤: ٣٥ - ٣٦): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ﴾ . كما قال نوح ﵇، ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيرًا من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم، ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السموات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب:
٩١٠ - منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين، ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر، ومنهم من جعلها لأجل الجن، ومنهم من جعلها لأجل الملائكة.
٩١١ - فالمعبود لهم في قصدهم إنما هو للملائكة والأنبياء والصالحين أو الشمس أو القمر وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين، فهي التي تقصد من الإنس أن يعبدها وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك، كما قال تعالى (٣٤: ٤٠ - ٤١): ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ .
[ ٣٢٨ ]
٩١٢ - وإذا كان العابد ممن (١) لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به. وأما إن كان ممن (٢) لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن.
٩١٣ - وقد يطلب الشيطان الممثل له في صورة الإنسان أن يسجد له، أو أن يفعل به الفاحشة أو أن يأكل الميتة ويشرب الخمر، أو أن يقرّب لهم الميتة، وأكثرهم لا يعرفون ذلك، بل يظنون أن من يخاطبهم إما ملائكة وإما رجال من الجن يسمونهم رجال الغيب، ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس.
٩١٤ - وأولئك جن تمثلت بصور الإنس أو رؤيت في غير صور الإنس، قال تعالى (٧٢: ٦): ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ .
٩١٥ - كان الإنس إذا نزل أحدهم بواد يخاف أهله قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سببًا لطغيان الجن، وقالت: الإنس تستعيذ بنا!.
٩١٦ - وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية هي تتضمن أسماء رجال من الجن يُدعون ويُستغاث بهم ويُقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور.
٩١٧ - وهذا من جنس السحر والشرك قال تعالى (٢: ١٠٢): ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ / وَلَكِنَّ
_________________
(١) في خ "مما" في كلا الموضعين
[ ٣٢٩ ]
الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْأخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
٩١٨ - وكثير من هؤلاء يطير في الهواء وتكون الشياطين قد حملته وتذهب به إلى مكة وغيرها، ويكون مع ذلك زنديقًا يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله، ويستحل المحارم التي حرمها الله ورسوله.
٩١٩ - وإنما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى إذا آمن بالله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ورسوله، فارقته تلك الشياطين، وذهبت تلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات.
٩٢٠ - وأنا أعرف من هؤلاء عددًا كثيرًا بالشام ومصر والحجاز واليمن، وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها، وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم.
٩٢١ - وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها، فحيث قوي الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإيمان وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية.
[ ٣٣٠ ]
٩٢٢ - وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية، والشخص الواحد الذي يجتمع فيه هذا وهذا الذي تكون في مادة تمدّه للإيمان ومادة تمدُّه للنفاق يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال.
٩٢٣ - والمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام مثل البخشية والطونية والبُدّى ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند والخُطا وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر، ويصعد أحدهم في الهواء ويحدثهم بأمور غائبة، ويبقى الدف الذي يغني لهم به يمشي في الهواء، ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم، ولا يرون أحدًا يضرب له، ويطوف الإناء الذي يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله، ويكون أحدهم في مكان فمن نزل منهم عنده ضيفه طعامًا يكفيهم، ويأتيهم بألوان مختلفة.
٩٢٤ - وذلك من الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتي به.
٩٢٥ - وهذه الأمور كثيرة عند من يكون مشركًا أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم، وعند التتار من هذا أنواع كثيرة.
وأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول، بل دعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم، فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضي الشيطان.
٩٢٦ - ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل. يُحمل أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت،
[ ٣٣١ ]
ولا يبيت بمزدلفة، ولا يطوف طواف الإفاضة، ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة من كرامات الأولياء، ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به، فإن (١) مثل هذا الحج ليس مشروعًا ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين. ومن ظن أن هذا عبادة وكرامة لأولياء الله فهو ضال جاهل.
٩٢٧ - ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا، فإنهم أجل قدرًا من ذلك.
٩٢٨ - وقد جرت هذه القضية لبعض من حُمل وطائفة معه من الإسكندرية إلى عرفة، فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء الحجاج فقال: هل كتبتموني؟ قالوا: أنت لم تحج كما حج الناس، أنت لم تتعب ولم تحرم ولم يحصل لك من الحج الذي يثاب الناس عليه ما حصل للحجاج.
٩٢٩ - وكان بعض الشيوخ قد طلب منه بعض هؤلاء أن يحج معهم في الهواء فقال لهم: هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم لأنكم لم تحجوا كما أمر الله ورسوله.
٩٣٠ - ودين الإسلام مبني على أصلين: على أن يُعبد الله وحده لا يُشرك به شيء، وعلى أن يُعبد بما شرعه على لسان نبيه ﷺ.
٩٣١ - وهذان هما حقيقة قولنا: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده / ورسوله".
_________________
(١) في خ "قال".
[ ٣٣٢ ]
فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيمًا وخوفًا ورجاء وإجلالًا وإكرامًا. والله ﷿ له حق لا يشركه فيه غيره فلا يُعبد إلا الله، ولا يُدعى إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يُطاع إلا الله.
٩٣٢ - والرسول ﷺ هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله وتحريمه، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه. والرسول ﷺ واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وتحليله وتحريمه، وسائر ما بلغه من كلامه.
٩٣٣ - وأما في إجابة الدعاء، وكشف البلاء، والهداية والإغناء، فالله تعالى هو الذي يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ونجواهم، وهو سبحانه قادر على إنزال النعم، وإزالة الضر والسقم، من غير احتياج منه إلى أن يعرِّفه أحد أحوال عباده، أو يعينه على قضاء حوائجهم.
٩٣٤ - والأسباب التي بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها، فهو مسبب الأسباب، وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد: (٥٥: ٢٩): ﴿يسأله من في السموات والأرض كل يومٍ هو في شأن﴾ .
٩٣٥ - فأهل السموات يسألونه وأهل الأرض يسألونه، وهو سبحانه لا يشغله سمع كلام هذا عن سمع كلام هذا، ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ولغاتهم، بل يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، ولا يبرمه إلحاح الملحين، بل يحبُّ الإلحاح في الدعاء.
[ ٣٣٣ ]
٩٣٦ - وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا سألوا النبي ﷺ عن الأحكام أمر رسول الله ﷺ بإجابتهم كما قال تعالى (٢: ١٨٩) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، (٢: ٢١٩): ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ﴾، (٢: ٢١٧) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى غير ذلك من مسائلهم.
٩٣٧ - فلما سألوه عنه ﷾ قال: (٢: ١٨٦): ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ﴾ فلم يقل سبحانه: "فقل"، بل قال تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ فهو قريب من عباده.
٩٣٨ - كما قال النبي ﷺ في الحديث لما كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر والدعاء فقال: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقربُ إلى أحدكم من عنق راحلته" (١) .
_________________
(١) أخرجه البخاري، ٥٦ - جهاد (١٣١) - باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (حديث ٢٩٩٢) ٦٤ - كتاب المغازي، ٣٨ - باب غزوة خيبر، حديث (٤٢٠٥) وفي عدد من المواضع. وأحمد (٤/٣٩٤، ٤٠٢) . ومسلم، (٤/٢٠٧٦)، ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ١٣ - باب استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث (٤٤، ٤٥) . وأبو داود (٢/١٨٢ - ١٨٣)، ٢ - الصلاة، حديث (١٥٢٦ - ١٥٢٨) . والترمذي (٥/٥٠٩) ٥٨ - باب ما جاء في فضل التسبيح والتهليل والتحميد، حديث (٣٤٦١) . وعبد الرزاق في مصنفه (٥/١٥٩)، حديث (٩٢٤٤) . والنسائي في "عمل اليوم والليلة" ص (٣٦٤ - ٣٦٥)، حديث (٥٣٨) . كلهم من حديث أبي موسى الأشعري، ﵁.
[ ٣٣٤ ]
٩٣٩ - وقال النبي ﷺ: "إذا قام أحدكم إلى صلاته فلا يبصقن قبل وجهه فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، ولكن عن يساره وتحت قدمه" (١) وهذا الحديث في الصحيح من غير وجه.
٩٤٠ - وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وهو سبحانه غني عن العرش وعن سائر المخلوقات لا يفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة (٢) العرش.
٩٤١ - وقد جعل تعالى العالم طبقات، ولم يجعل أعلاه مفتقرًا إلى أسفله، فالسماء لا تفتقر إلى الهواء، والهواء لا يفتقر إلى الأرض، فالعليّ الأعلى ربُّ السموات والأرض وما بينهما الذي وصف نفسه بقوله تعالى (٣٩: ٦٧): ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شيء بحمل أو
_________________
(١) أخرجه البخاري في عدد من المواضع، منها في ٨ - كتاب الصلاة، ٣٣ - باب حك البزاق باليد في المسجد، حديث (٤٠٥)، (٤٠٦) . و٣٤ - حك المخاط بالحصى من المسجد، (٤٠٨)، (٤٠٩)، وحديث (٤١٧) عن أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، ﵃. ومسلم (٤/٢٣٠٣)، ٥٣ - الزهد، حديث (٧٤) من حديث جابر (٣٧٠٧)، ٥ - المساجد ١٣ - باب النهي عن البصاق، حديث (٥٠) عن ابن عمر مرفوعًا. والنسائي (٢/٥١)، ٨ - مساجد، ٣١ - باب النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد حديث (٧٣٤) من حديث ابن عمر، و٣٢ - حديث (٧٢٥) من حديث أبي سعيد. و٣٢ - حديث (٧٢٦) من حديث طارق بن عبد الله المحاربي. ومالك في الموطأ (١/١٩٤)، ١٤ - قبلة ٣٥ - باب النهي عن البصاق في القبلة حديث (٤) . وأحمد (٢/٣٢، ٦٦) كلاهما من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا.
(٢) في خ: "بحملة".
[ ٣٣٥ ]
غير حمل، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، الذي كل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما سواه.
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، قد بين فيه التوحيد الذي بعث الله به رسوله قولًا وعملًا.
٩٤٢ - فالتوحيد القولي مثل سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد﴾ والتوحيد العملي ﴿قل يَا أَيُّهَا الكافرون﴾ ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الفجر (١) وركعتي الطواف (٢) وغير ذلك.
٩٤٣ - وقد كان أيضًا يقرأ في ركعتي الفجر وركعتي الطواف (٢: ١٣٦): ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية. وفي الركعة الثانية بقوله تعالى (٣: ٦٤): ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَ نَعْبُدَ إِلاَ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣) .
٩٤٤ - فإن هاتين الآيتين فيهما دين الإسلام، وفيهما الإيمان القولي والعملي، فقوله/ تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأسْبَاطِ﴾ إلى آخرها يتضمن الإيمان القولي والإسلام، وقوله ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم ٧٢٦ (١/٥٠٢) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ١٤ باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما والمحافظة عليهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٢١٨) (٢/٨٨٨)، ١٥ كتاب الحج، ١٩٠ باب حجة النبي ﷺ عن جابر ﵁.
(٣) ما يتعلق بركعتي الفجر خرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين حديث ٧٣٧.
[ ٣٣٦ ]
بيننا وبينكم﴾ - الآية إلى آخرها - يتضمن الإسلام والإيمان العملي فأعظم نعمةً أنعمها الله على عباده الإسلام والإيمان وهما في هاتين الآيتين، والله ﷾ أعلم.
٩٤٥ - فهذا آخر السؤال والجواب الذي أحببت إيراده هنا بألفاظه لما اشتمل عليه من المقاصد المهمة والقواعد النافعة في هذا الباب، مع الاختصار، فإن التوحيد هو سرُّ القرآن ولب الإيمان، وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور وأنفعها للعباد في مصالح المعاش والمعاد. والله أعلم.
تم الكتاب ولله الحمد والمنة
[ ٣٣٧ ]