[فصل]
٥٨٣ - وأما القسم الثالث مما يسمى: "توسلًا" فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ﷺ شيئًا يحتج به أهل العلم - كما تقدم (١) بسط الكلام على ذلك - وهو الإقسام على الله ﷿ بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي ﷺ شيئًا ثابتًا لا في الإقسام أو السؤال به، ولا في الإقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين، وإن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه، فتكون مسألة نزاع كما تقدم بيانه.
٥٨٤ - فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع، وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين، بل المعاقب على ذلك معتدٍ جاهل ظالم، فإن القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء، والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة.
٥٨٥ - وقد ثبت أنه لا يجوز القسم بغير الله لا بالأنبياء ولا بغيرهم كما سبق بسط الكلام في تقرير ذلك (٢) .
٥٨٦ - وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبي ولا لغير نبي، وأن هذا نذر شرك لا يوفى به (٣) .
_________________
(١) انظر ص (١٢٨ - ١٢٩) .
(٢) انظر ص ٩٠.
(٣) انظر شرح معاني الآثار ٣/١٣٢، ومجمع الأنهر ١/٥٤٧.
[ ٢٣٠ ]
٥٨٧ - وكذلك الحلف بالمخلوقات (١) لا ينعقد به اليمين، ولا كفارة فيه، حتى لو حلف بالنبي ﷺ لم ينعقد يمينه كما تقدم ذكره، ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، بل نهى عن الحلف بهذه اليمين، فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق ﷻ؟.
٥٨٨ - وأما السؤال به من غير إقسام به فهذا أيضًا مما منع منه غير واحد من العلماء، والسنن الصحيحة عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على ذلك.
فإن هذا إنما يفعله من يفعله على أنه قربه وطاعة وأنه مما يستجاب به الدعاء.
٥٨٩ - وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجبًا وإما أن يكون مستحبًا، وكل ما كان واجبًا أو مستحبًا في العبادات والأدعية فلا بد أن يشرعه النبي ﷺ لأمته، فإذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجبًا ولا مستحبًا ولا يكون قربة وطاعة ولا سببًا لإجابة الدعاء، وقد تقدم بسط الكلام على هذا كله.
_________________
(١) قال في بدر المتقى شرح الملتقى بهامش مجمع الأنهر (١/٥٤٤): "ولا يكون اليمين بغير الله كالقرآن والنبي والعرش والكعبة، فإنه حرام بل عن ابن عمر وغيره أن الحلف بغير الله شرك، قال الرازي أخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك وفي المنية من يحلف بروح الأمير وحياته ورأسه لم يتحقق إسلامه بعدُ" وانظر مجمع الأنهر في الموضع نفسه. وانظر شرح الزرقاني على الموطأ (٣/٦٧) . وتكملة المجموع شرح المهذب في الفقه الشافعي (١٦/٤٧١ - ٤٧٢) . والمغني لابن قدامة (٩/٤٨٨ - ٤٨٩) .
[ ٢٣١ ]
٥٩٠ - فمن اعتقد ذلك في هذا وفي هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة، وقد تبين بالأحاديث الصحيحة وما استقريء من أحوال النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن هذا لم يكن مشروعًا عندهم.
٥٩١ - وأيضًا فقد تبين أنه سؤال لله تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء وأنه كالسؤال بالكعبة والطور والكرسي والمساجد وغير ذلك من المخلوقات، ومعلوم أن سؤال الله بالمخلوقات ليس هو مشروعًا، كما أن الإقسام بها ليس مشروعًا بل هو منهي عنه، فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق ولا يسأله بنفس مخلوق، وإنما يسأل بالأسباب التي تناسب إجابة الدعاء كما تقدم تفصيله.
٥٩٢ - لكن قد روي في جواز ذلك آثار وأقوال عن بعض أهل العلم؛ ولكن ليس في المنقول عن النبي ﷺ شيء ثابت بل كلها موضوعة، وأما النقل عن من ليس قوله حجة فبعضه ثابت وبعضه ليس بثابت.
٥٩٣ - والحديث الذي رواه أحمد (١) وابن ماجة (٢) وفيه: "بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا".
_________________
(١) (٣/٢١) قال: ثنا يزيد، أنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري.
(٢) من طريق الفضل بن الموفق أبي الجهم، ثنا فضيل بن مرزوق به. (١/٢٥٦) ٤ - كتاب المساجد، حديث (٧٧٨) . وأورده البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (١/٩٨) وقال: هذا إسناد مسلسل بالضعفاء عطية هو العوفي وفضيل بن مرزوق، والفضل بن الموفق كلهم ضعفاء، لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق =
[ ٢٣٢ ]
رواه أحمد عن وكيع عن فضيل (١) بن مرزوق عن عطية (٢) عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "من قال إذا خرج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي/ هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته".
وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم (٣) .
٥٩٤ - وقد روي من طريق آخر وهو ضعيف (٤) أيضًا، ولفظه
_________________
(١) = فضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده. أقول: ثم ماذا، فإذا اعتقد ابن خزيمة صحته وهو ضعيف، فماذا يغني عنه لا سيما وأنت تعلم أن إسناده مسلسل بالضعفاء ثم إني بحثت عنه في صحيح ابن خزيمة فلم أجده، وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٤٢) .
(٢) قال الحافظ: صدوق يهم، ورمى بالتشيع، من السابعة / ي م ٤. تقريب (٢/١١٣) .
(٣) هو ابن سعد بن جنادة الكوفي، قال الحافظ: "صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيا مدلسًا/ بخ د، ت ق، تقريب (٢/٢٤) قال الشيخ ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/٣٧) بعد أن وضح ضعف الحديث توضيحًا علميًا ورد شبه من أراد أن يقويه: "ثم بدا لي وجه ثالث في تضعيف الحديث، وهوا ضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته حيث إنه رواه تارة مرفوعًا كما تقدم، وأخرى موقوفًا على أبي سعيد، كما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/١١٠/١) عن ابن مرزوق به موقوفًا. وفي رواية البغوي عن ابن فضيل قال: "أحسبه قد رفعه"، وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/١٨٤): "موقوف أشبه".
(٤) انظر ترجمته في الميزان (٣/٧٩ - ٨٠) .
[ ٢٣٣ ]
لا حجة فيه فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك.
٥٩٥ - وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم فإنه سأله هذا ببره العظيم لوالديه، وسأله هذا بعفته العظيمة عن الفاحشة، وسأله هذا بأدائه العظيم للأمانة (١)؛ لأن هذه الأعمال أمر الله بها ووعد الجزاء لأصحابها فصار هذا كما حكاه عن المؤمنين بقوله (٣: ١٩٣): ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾، وقال تعالى: (٢٣: ١٠٩) ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾، وقال تعالى: (٣: ١٥ - ١٦): ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
٥٩٦ - وكان ابن مسعود يقول في السحر: "اللهم دعوتني
_________________
(١) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليل من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ. والوازع، قال فيه البخاري: "منكر الحديث". الضعفاء (ص ٢٤٥) وقال النسائي: "متروك". الضعفاء (ص ٢٣٩) . وقال أحمد وابن معين: "ليس بثقة". وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ" انظر المغني (٢/٧١٨)، والميزان (٤/٣٢٧)، واللسان (٦/٢١٣) .
(٢) تقدم تخريجه ص (١٠٥) .
[ ٢٣٤ ]
فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي" (١) .
٥٩٧ - وأصل هذا الباب أن يقال: الإقسام على الله بشيء من المخلوقات، أو السؤال له به، إما أن يكون مأمورًا به إيجابًا أو استحبابًا، أو منهيًا عنه نهي تحريم أو كراهة، أو مباحًا لا مأمورًا به ولا منهيًا عنه.
٥٩٨ - وإذا قيل: إن ذلك مأمور به أو مباح؛ فإما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق أو يقال: بل يشرع بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها. فمن قال إن هذا مأمور به أو مباح في المخلوقات جميعها لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا يقوله مسلم.
٥٩٩ - فإن قال: بل يسأل بالمخلوقات المعظمة كالمخلوقات التي أقسم بها في كتابه، لزم من هذا أن يسأل بالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى، والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها - ويسأل الله تعالى ويقسم عليه بالخُنَّس الجواري الكنَّس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس، ويسأل بالذاريات ذروًا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمرًا - ويسأل بالطور، وكتاب مسطور في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، ويسأل ويقسم عليه بالصافات صفا، وسائر ما أقسم الله به في كتابه، فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته فهي دليل على ربوبيته، وألوهيته، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته،
_________________
(١) مختصر قيام الليل، (ص ٨١) . وتفسير ابن جرير (١٢/٦٤) .
[ ٢٣٥ ]
ومشيئته، ورحمته، وحكمته، وعظمته، وعزته، فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن - المخلوقون - ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع.
٦٠٠ - بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات وذكروا إجماع الصحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهي عنه، ومن سأل الله بها لزمه أن يسأله بكل ذكر وأنثى، وبكل نفس ألهمها فجورها وتقواها، ويسأله بالرياح والسحاب والكواكب والشمس والقمر والليل والنهار والتين والزيتون وطور سينين، ويسأله بالبلد الأمين مكة، ويسأله حينئذ بالبيت والصفا والمروة وعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك من المخلوقات، ويلزم ذلك أن يسأله بالمخلوقات التي عبدت من دون الله، كالشمس والقمر والكواكب والملائكة والمسيح والعزيز وغير ذلك مما عبد من دون الله ومما لم يعبد من دونه.
٦٠١ - ومعلوم أن السؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع المنكرة في دين الإسلام، ومما يظهر قبحه للخاص والعام.
٦٠٢ - ويلزم من ذلك أن يقسم على الله تعالى بالأقسام والعزائم التي تكتب في الحروز والهياكل التي تكتبها الطرقية والمعزمون.
٦٠٣ - بل ويقال: إذا جاز / السؤال والإقسام على الله بها فعلى المخلوقات أولى، فحينئذ تكون العزائم والأقسام التي يقسم بها على الجن مشروعة في دين الإسلام، وهذا الكلام يستلزم الكفر والخروج من الإسلام بل ومن دين الأنبياء أجمعين.
[ ٢٣٦ ]
٦٠٤ - وإن قال قائل: بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظم دون معظَّم من المخلوقات، إما الأنبياء دون غيرهم، أو نبي دون غيره، كما جوز بعضهم الحلف بذلك، أو الأنبياء والصالحين دون غيرهم.
٦٠٥ - قيل له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة في أنه لا يجعل شيء (١) منها نِدًّا لله تعالى، فلا يُعبدُ ولا يتوكل عليه ولا يخشى ولا يتقى ولا يصام له ولا يسجد له ولا يرغب إليه، ولا يقسم بمخلوق، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت" (٢) .
وقال: "لا تحلفوا إلا بالله" (٣) .
وفي السنن عنه أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٤) .
٦٠٦ - فقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة عن النبي ﷺ أنه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات، لا فرق في ذلك بين الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ولا فرق بين نبي ونبي.
٦٠٧ - وهذا كما قد سوى الله تعالى بين جميع المخلوقات في ذم الشرك بها وإن كانت معظمة. قال تعالى: (٣: ٧٩ - ٨٠): ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ
_________________
(١) في خ: "شيئًا".
(٢) تقدم ص (٩١) .
(٣) تقدم ص (٩١) .
(٤) تقدم ص (٩٠) .
[ ٢٣٧ ]
وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وقال تعالى: (١٧: ٥٦ - ٥٧): ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ .
٦٠٨ - قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزيز والملائكة (١)، فقال تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، ويتقربون إليَّ كما تتقربون إليَّ.
٦٠٩ - وقد قال تعالى (٢٤: ٥٢) ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ .
فبين أن الطاعة لله والرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع
_________________
(١) راجع تفسير ابن جرير (١٥/١٠٣ - ١٠٦) . قال ابن جرير بعد تفسير الآية الأولى: وقيل: إن الذين أمر النبي ﷺ أن يقول لهم هذا القول، كانوا يعبدون الملائكة وعزيرًا والمسيح وبعضهم كانوا يعبدون نفرًا من الجن، ثم فسر الآية الثانية، وساق بعد ذلك عددًا من الروايات فيها الصحيح والحسن عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: كان أناس من أهل الجاهلية يعبدون نفرًا من الجن، فلما بعث النبي ﷺ فأسلم الجن وبقي الإنس على كفرهم. ثم قال: وقال آخرون: بل هم الملائكة، وساق عددًا من الروايات إلى ذلك إلى ابن مسعود، ثم إلى ابن زيد، ثم إلى ابن عباس، ثم إلى مجاهد، ثم ساق رواية عن ابن عباس، قال: هو عزيز والمسيح والشمس والقمر. وقول ابن مسعود اخرجه البخاري في ٦٥ - تفسير في ٧ - من تفسير سورة الإسراء حديث ٤٧١٤، ٤٧١٥. وأخرجه مسلم ٥٤ - التفسير، ٤ - باب قول الله تعالى أولئك الذين يدعون حديث (٢٨ - ٣٠) . وانظر تفسير ابن كثير (٥/٨٦)، وتحفة الأشراف (٧/٦٨) .
[ ٢٣٨ ]
الله، وبين أن الخشية والتقوى لله وحده فلم يأمر أن يخشى مخلوق ولا يتقى مخلوق.
٦١٠ - وقال تعالى: (٩: ٥٩): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، وقال تعالى (٩٤: ٧ - ٨) ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . فبين ﷾ أنه كان ينبغي لهؤلاء أن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله، ويقولوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله، إنا إلى الله راغبون، فذكر الرضا بما آتاه الله ورسوله لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ أمره ونهيه وتحليله وتحريمه ووعده ووعيده. فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله. ولهذا قال تعالى (٥٩: ٧): ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . فليس لأحد أن يأخذ من الأموال إلا ما أحله الله ورسوله، والأموال المشتركة، كمالِ الفيء والغنيمة والصدقات، عليه أن يرضى بما آتاه الله ورسوله منها، وهو مقدار حقه لا يطلب زيادة على ذلك، ثم قال تعالى (٩: ٥٩) ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾، ولم يقل: "ورسوله"؛ فإن الحسْب هو الكافي، والله وحده هو كاف عباده المؤمنين كما قال تعالى (٨: ٦٤): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي هو وحده حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين.
٦١١ - هذا هو القول الصواب الذي قاله جمهور السلف والخلف كما بين في موضع آخر، والمراد أن الله كاف للرسول ولمن اتبعه. فكل من اتبع الرسول فالله كافيه وهاديه وناصره ورازقه، ثم قال
[ ٢٣٩ ]
تعالى (٩: ٥٩): ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، فذكر الإيتاء لله ورسوله، لكن وسطه بذكر الفضل فإن الفضل لله وحده بقوله: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، فجعل الرغبة إلى الله وحده دون الرسول وغيره من المخلوقات.
٦١٢ - فقد تبين أن الله سوى بين المخلوقات في هذه الأحكام، لم يجعل لأحد من المخلوقين - سواء كان نبيًا أو ملكًا - أن يقسم/ به ولا يتوكل عليه ولا يرغب إليه ولا يخشى ولا يتقى. وقال تعالى (٣٤: ٢٢ - ٢٣) ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
٦١٣ - فقد تهدد سبحانه من دعا شيئًا من دون الله وبين أنهم لا ملك لهم مع الله ولا شركاء في ملكه، وأنه ليس له عون ولا ظهير من المخلوقين. فقطع تعلق القلوب بالمخلوقات رغبة ورهبة وعبادة واستعانة، ولم يبق إلا الشفاعة وهي حق، لكن قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
٦١٤ - وهكذا دلت الأحاديث الصحيحية (١) في الشفاعة يوم القيامة، إذا أتي الناس آدم وأولي العزم نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى بن
_________________
(١) البخاري ٦٠ - الأنبياء باب ٩، حديث (٣٦١)، ٩٧ - كتاب التوحيد باب ١٩ - حديث ٧٤١٠ والتوحيد، ٣٦ - باب كلام الرب ﷿، حديث (٧٥١٠) . وأحمد في المسند (٢/٤٣٥ - ٤٣٦) . ومسلم ١ - إيمان، حديث (٣٢٧ - ٣٢٩) . =
[ ٢٤٠ ]
مريم فيردهم كل واحد إلى الذي بعده، إلى أن يأتوا المسيح فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد عبد [غفر] الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال ﷺ: "فيأتوني فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت ساجدًا وأحمد ربي بمحامد يفتحها عليَّ لا أحسنها الآن، فيقال لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع - قال - فيحدّ لي حدّ فأدخلهم الجنة". وذكر تمام الخبر.
٦١٥ - فبين المسيح أن محمدًا هو الشفيع المشفع؛ لأنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبين محمدٌ عبد الله ورسوله أفضل الخلق وأوجهُ الشفعاء وأكرمهم على الله تعالى أنه يأتي فيسجد ويحمد، لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له، فيقال له: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع، وذكر أن ربه يحد له حدًا فيدخلهم الجنة.
٦١٦ - وهذا كله يبين أن الأمر كله لله، هو الذي يلزم (١) الشفيع بالإذن له في الشفاعة، والشفيع لا يشفع إلا فيمن يأذن [الله له]، ثم يحد للشفيع حدًا فيدخلهم الجنة. فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره.
_________________
(١) = والترمذي (٤/٦٢٢)، ١٠ - باب ما جاء في الشفاعة، حديث (٢٤٣٤) . وابن ماجه (٢/١٤٤٠)، ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٧ - باب ذكر الشفاعة، حديث ٤٣٠٧. كلهم من حديث أبي هريرة - ﵁ - وفي ألفاظهم تفاوت بالتطويل والاختصار. وأحمد في المسند (٣/١١٦، ١٤٤) . ومسلم، إيمان، حديث ٣٢٢ - ٣٢٦. والترمذي (٤/٦٢٥) ٣٨ - صفة القيامة، حديث (٢٤٣٥) . وابن ماجه (٢/١٤٤٢)، ٣٧ - كتاب الزهد، حديث (٤٣١٢) من حديث أنس. ومسلم، إيمان حديث ٣٢٠. وابن ماجه، الزهد، حديث (٤٣١٠) من حديث جابر. وهناك أحاديث أخر في مسلم وغيره عن حذيفة وأبي سعيد وعمران بن حصين وعوف بن مالك. وهي أحاديث متواترة.
(٢) كذا في خ وغيرها ولعل الصواب "يكرم".
[ ٢٤١ ]
وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو عبده الذي فضله على غيره واختاره واصطفاه بكمال عبوديته وطاعته وإنابته وموافقته لربه فيما يحبه ويرضاه.
٦١٧ - وإذا كان الإقسام بغير الله والرغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها فليس لمخلوق أن يقسمَ به ولا يتقى ولا يتوكل عليه وإن كان أفضل المخلوقات، ولا يستحق ذلك أحد من الملائكة والنبيين، فضلًا عن غيرهم من المشايخ والصالحين.
٦١٨ - فالسؤال لله تعالى بالمخلوقات إن كان بما أقسم به وعظمه من المخلوقات (١) فيسوغ السؤال بذلك كله وإن [لا] لم يكن سائغًا [و] لم يجز أن يسأل بشيء من ذلك، والتفريق في ذلك بين معظم ومعظم كتفريق من فرق فجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض، وكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر.
٦١٩ - ولو فرق مفرق بين مايؤمن به وبين ما لا يؤمن به، قيل له: فيجب الإيمان بالملائكة والنبيين، ويؤمن بكل ما أخبر به الرسول مثل منكر ونكير والحور العين والولدان وغير ذلك، أفيجوز أن يقسم بهذه المخلوقات لكونه يجب الإيمان بها؟ أم يجوز السؤال بها كذلك؟.
٦٢٠ - فتبين أن السؤال بالأسباب إذا لم يكن المسئول به سببًا لإجابة الدعاء فلا فرق بين السؤال بمخلوق ومخلوق، كما لا فرق بين
_________________
(١) هذا الكلام غير مستقيم ويغلب على الظن أنه سقط من الناسخ بعض الكلام.
[ ٢٤٢ ]
القسم بمخلوق ومخلوق، وكل ذلك غير جائز. فتبين أنه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء. والله أعلم.
٦٢١ - وأما قوله تعالى (٢: ٨٩): ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فكانت اليهود تقول للمشركين: سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم، لم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به، بل (١) يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الأمي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه.
٦٢٢ - هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير، وعليه يدل القرآن فإنه قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾، والاستفتاح الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يُبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به، إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يكن الأمر كذلك.
بل لما بعث الله محمدًا ﷺ نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه.
٦٢٣ - وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ مخالف به للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له. وقد ذكرنا طرفًا من ذلك في (دلائل النبوة) وفي كتاب (الاستغاثة الكبير) .
_________________
(١) في الأصل "أو" لكن الكلام لا يستقيم بها ولعله من تحريف النساخ.
[ ٢٤٣ ]
وكتب السيرة (١) ودلائل النبوة (٢) والتفسير (٣) مشحونة بذلك.
٦٢٤ - قال أبو العالية (٤) وغيره: كان اليهود إذا استنصروا بمحمد ﷺ / على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمدًا ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات (٢: ٨٩): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
٦٢٥ - وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا: مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله وهداه - ما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا، وكانت لاتزال بيننا وبينهم شرور. فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرَم. كثيرًا ما كنا نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله محمدًا رسولًا من عند الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات التي في البقرة: ﴿ولما جاءهم كتابٌ من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما
_________________
(١) انظر السيرة لابن هشام (١/٢١١ - ٢١٤) . والروض الأنف (٢/٣٢٦ - ٣٢٩) .
(٢) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (٢/٧٤ - ٧٦) . ودلائل النبوة لأبي نعيم (١/٩٦ - ٩٧) .
(٣) انظر الدر المنثور (١/٢١٦ - ٢١٨) . وتفسير ابن جرير (١/٤١٠ - ٤١٢) .
(٤) تفسير ابن جرير (١/٤١١) .
[ ٢٤٤ ]
جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ (١) .
ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسري السلف إلا هذا.
وهذا لم يذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف، بل ذكروا الأخبار به، أو سؤال الله أن يبعثه.
٦٢٦ - فروى ابن أبي حاتم عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: يستظهرون يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك، يكذبون (٢) .
وروي (٣) عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال: كانوا يقولون: إنه سيأتي نبي فلما جاءهم وعرفوا كفروا به.
_________________
(١) السيرة لابن هشام (١/٢١١) . وتفسير ابن جرير (١/٤١٠) والروض الأنف (٢/٣٢٦) .
(٢) التفسير (١/٢٧٥) وهذا النص بهذا الإسناد في تفسير ابن جرير (١/٤١٢) . قال حدثت عن المنجاب: قال: حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس به. وفي التوسل في المطبوعة عن أبي رزين. وفي المخطوطة ص ٦١ عن زريق وكلاهما تصحيف. والصواب أبو روق لأنه من الرواة عن الضحاك ومشهور بالتفسير وهو عطية ابن الحارث الهمداني الكوفي، صدوق، ومن الرواة عنه بشر بن خالد الكوفي، وبشر بن عمارة، انظر تهذيب الكمال (٢/٩٣٩) . وفي سماع الضحاك عن ابن عباس اختلاف بين علماء الحديث.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١/٢٧٥ - ٢٧٦) .
[ ٢٤٥ ]
٦٢٧ - وروي (١) بإسناده عن ابن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد قال: أخبرني عكرمة - أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس (٢) أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود (٣) بن سلمة: يامعشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم (٢: ٨٩): ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
٦٢٨ - وروي (٤) بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، حتى نعذب المشركين
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (١/٢٧٥ - ٢٧٦) .
(٢) السيرة لابن هشام (١/٥٤٧) وفيها قال ابن إسحاق كان فيما بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو في تفسير ابن جرير بهذا الإسناد (١/٤١٠ - ٤١١) وفي الإسناد ابن حميد الرازي وفيه كلام واختلاف، وقد تقدم الكلام فيه ص ١٣٣، ١٣٤ ومحمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، قال الحافظ: مدني مجهول لكن يشهد له ويقويه النصوص الكثيرة بهذا المعنى.
(٣) في الأصل داود بن سلمة، وهو تصحيف والصواب أخو بني سلمة كما في السيرة لابن هشام (١/٥٤٧) . وتفسير ابن جرير (١/٤١١) .
(٤) تفسير ابن أبي حاتم (١/٢٧٥ - ٢٧٦) .
[ ٢٤٦ ]
ونقتلهم. فلما بعث الله محمدًا ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، فقال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١) .
٦٢٩ - وأما الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هُزمت يهود فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ .
وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه (٢)، وقال: أدت الضرورة إلى إخراجه. وهذا مما أنكره عليه العلماء، فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب. وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من الأئمة في حقه (٣) .
قلت: وهذا الحديث من جملتها (٤) .
_________________
(١) هو في تفسير ابن جرير (١/٤١١) .
(٢) (٢/٢٦٣) وقال بعده: "أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير، وهو غريب من حديثه". قال الذهبي في التعليق على هذا النص: قلت: لا ضرورة في ذلك، فعبد الملك متروك هالك.
(٣) انظر ص (١٧٩) .
(٤) أي من أكاذيب عبد الملك بن هارون وكان شيعيًا.
[ ٢٤٧ ]
وكذلك الحديث الآخر الذي يرويه عن أبي بكر كما تقدم.
٦٣٠ - ومما يبين ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إنما نزلت باتفاق / أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولًا كبني قينقاع (١) وقريظة (٢) والنضير (٣)، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج، وهم الذين عاهدهم النبي ﷺ لما قدم المدينة، ثم لما نقضوا العهد حاربهم، فحارب أولًا بني قينقاع ثم النضير - وفيهم نزلت سورة الحشر - ثم قريظة عام الخندق.
٦٣١ - فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب، ومما يبين ذلك، أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب، ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله.
٦٣٢ - ومما ينبغي أن يعلم، أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضي السؤال به، والإقسام به على الله تعالى، لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في الأحكام؛ لأنه أولًا لم يثبت، وليس في الآية مايدل
_________________
(١) انظر قصة بني قينقاع في السيرة لابن هشام (٣/٤٧ - ٥٠) .
(٢) انظر غزوة بني قريظة في السيرة لابن هشام (٣/٢٣٣ - ٢٥٦) . وتفسير ابن جرير (١٨/١٤٩ - ١٥٥) . وتأريخ اليعقوبي (٢/٥٢) .
(٣) انظر قصة بني النضير وجلائهم في السيرة لابن هشام (٣/١٩٠ - ٢٠٢) . وصحيح البخاري. ٦٥ - التفسير - تفسير سورة الحشر، حديث (٤٨٨٤، ٤٨٨٥) وتفسير ابن جرير (٢٨/٢٧ - ٤٩) وتأريخ اليعقوبي (٢/٤٩) .
[ ٢٤٨ ]
عليه، ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعًا لنا (١) .
٦٣٣ - فإن الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه، وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا (١٨:٢١): ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (٢) ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور، ولفظ الآية إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وهذا كقوله تعالى (٨: ١٩): ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ﴾ . والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر.
٦٣٤ - ومنه الحديث المأثور أن النبي ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر بهم، أي بدعائهم، كما قال: "وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم، بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم؟ " (٣) .
_________________
(١) كما قال تعالى: ﴿لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾ .
(٢) للحافظ ابن رجب توجيه جيد، وتوفيق سديد بين معنى هذه الآية، والأحاديث التي فيها لعن اليهود والنصارى، بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. قال ﵀: "وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث - يعني حديث لعن اليهود - وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدًا﴾ . فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المنتصر لما أنزل الله على رسله من الهدى" فتح الباري في شرح صحيح البخاري. (٦٥/٢٨٠)، من الكواكب الدراري - نقلًا عن المحدث الكبير الشيخ ناصر الدين الألباني. تحذير الساجد (ص ٧١) . ونقل من تفسير ابن كثير ما يؤيد تفسير ابن رجب. والأمر كذلك. انظر تفسير ابن كثير (٥/١٤٣) .
(٣) أخرج البخاري في: ٥٦ - الجهاد، ٧٦ - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، حديث (٢٨٩٦)، (١/١٧٢) . من حديث سعد ﵁، قوله ﷺ: "هل تنصرون إلا بضعفائكم". وأخرج أبو داود، في: ٩ - الجهاد، حديث (٢٥٩٤)، (٣/٧٣) . والترمذي، في: ٢٤ - الجهاد، (٤/٢٠٦)، حديث: "ابغوني الضعفاء، إنما تنصرون، وترزقون بضعفائكم". =
[ ٢٤٩ ]
٦٣٥ - وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، بأن يعجل بعث ذلك النبي إليهم لينتصروا به عليهم، لا لأنهم أقسموا على الله وسألوا به، ولهذا قال تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن هذا معنى الآية، لم يجز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا دليل؛ لأنه لا دلالة فيها عليه، فكيف وقد جاءت الآثار بذلك؟.
٦٣٦ - وأما ما تقدم ذكره عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون، فقد بينا أنه شاذ، وليس هو من الآثار المعروفة في هذا الباب، فإن اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب، بل كانوا مغلوبين معهم، وكانوا يحالفون العرب، فيحالف كل فريق فريقًا، كما كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج.
٦٣٧ - وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف، بل المعروف خلافه، والله تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك، فقال تعالى (٣: ١١٢): ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ .
_________________
(١) = من حديث أبي الدرداء. وأخرج النسائي، (٦/٤٥)، حديث (٣١٧٨) بإسناد صحيح إلى سعد ﵁ - مرفوعًا -: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم". ثم أخرج حديث أبي الدرداء بلفظ أبي داود والترمذي.
[ ٢٥٠ ]
٦٣٨ - فاليهود - من حيث ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا بحبل من الله وحبل من الناس - لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بُعث المسيح ﵇ فكذبوه. قال تعالى: (٣: ٥٥): ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقال تعالى: (٦١: ١٤): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ . وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا، وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة السلام. قال تعالى (٢: ٦١): ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ .
٦٣٩ - فإذا لم يكن الصحابة كعمر بن الخطاب وغيره، في حياته ﷺ وبعد موته، يقسمون بذاته، بل إنما كانوا يتوسلون بطاعته أو بشفاعته، فكيف يقال في دعاء المخلوقين الغائبين والموتى، وسؤالهم من الأنبياء والملائكة وغيرهم، وقد قال تعالى: (١٧: ٥٦ - ٥٧): ﴿قُلْ ادْعُوا / الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ .
٦٤٠ - قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير وغيرهما، فنهى الله عن ذلك، وأخبر تعالى أن
[ ٢٥١ ]
هؤلاء يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون إليه، وأنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله عنهم (١) . وقد قال تعالى (٣: ٧٩ - ٨٠): ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
٦٤١ - ولهذا نهى النبي ﷺ أن يُتخذ قبره مسجدا، وأن يتخد عيدًا، وقال في مرض موته: "لعنة الله على اليهود والنصاري، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا. أخرجاه في الصحيحين (٢) .
٦٤٢ - وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". رواه مالك في موطئه (٣) .
٦٤٣ - وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله". متفق عليه (٤) .
_________________
(١) تقدم تخريج أقوال ابن مسعود، وابن عباس وغيرهما في ص (٢٤١) .
(٢) تقدم تخريجه في ص (٣٠) رقم (١) .
(٣) تقدم تخريجه في ص (٣٥) رقم (١) .
(٤) أخرجه البخاري، ٦٠ - أنبياء، باب ٤٨، حديث (٣٤٤٥) . وأحمد (١/٢٣، ٢٤، ٤٧، ٥٥) . والدارمي (٢/٢٢٨)، حديث (٢٧٧٨) . والطيالسي، كما في منحة المعبود (٢/١١٩)، حديث (٢٤٢٤) . كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر ﵁. ولم يرو مسلم - ﵀ - هذا الحديث. ورواه الترمذي، في الشمائل، كما في المختصر (ص ١٧٤)، حديث (٢٨٤) . والبغوي، في شرح السنة (١٣/٢٤٦) .
[ ٢٥٢ ]
٦٤٤ - وقال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، بل ما شاء الله ثم شاء محمد" (١) .
٦٤٥ - وقال له بعض الأعراب: ما شاء الله وشئت فقال: "أجعلتني لله نِدًا؟ بل ما شاء الله وحده" (٢) .
٦٤٦ - وقد قال الله تعالى له (٧: ١٨٨): ﴿قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ﴾ . وقال تعالى (١٠: ٤٩): ﴿قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾ . وقال تعالى (٢٨: ٥٦): ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨) . وأبو داود (٥/٢٥٩)، ٣٥ - أدب - حديث (٤٩٨٠) . وأبو داود الطيالسي في مسنده (ص ٥٧)، حديث (٤٣٠) . وفيه: "لكن قولوا ما شاء الله وحده". والنسائي، في عمل اليوم والليلة، (ص٥٤٤)، حديث (٩٨٥) . وعمل اليوم والليلة لابن السني (ص ٢٤٨)، حديث (٦٧١) . وابن أبي الدنيا، في كتاب الصمت (ص ٤١٣)، حديث (٣٤٤) . والطحاوي في المشكل (١/٩٠) . والبيهقي في الأسماء والصفات (ص١٤٤) . وفي السنن الكبرى (٣/٢١٦) . كلهم من حديث عبد الله بن يسار، عن حذيفة ﵁، بإسناد صحيح. وابن ماجه (١/٦٨٥)، ١١ - الكفارات، حديث (٢١١٨) . والنسائي، في عمل اليوم والليلة، حديث (٩٨٤)، من حديث ربعي بن خراش. وإسناد النسائي صحيح.
(٢) أخرجه أحمد (١/٢١٤) من طريق هشيم (٢٨٣) وسفيان (٣٤٧) ويحيى وهو القطان.. كلهم عن الأجلح، عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس، بلفظ: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ " الحديث. وأخرجه النسائي، في عمل اليوم والليلة (ص ٥٤٥ - ٥٤٦)، حديث (٩٨٧ - ٩٨٨)، عن عيسى، عن الأجلح، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس مرفوعًا. والأجلح مختلف فيه، وقد وثقه جماعة، فحديثه حسن. وأخرجه النسائي، في اليوم والليلة (ص ٥٤٥)، حديث (٩٨٧)، من طريق القاسم بن مالك، عن الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، مرفوعًا. والظاهر أنه وهم من القاسم بن مالك، وذلك أنه خالف الجماعة، وهم أئمة حفاظ. والقاسم فيه لين، فحديثه هذا عن جابر منكر. والله أعلم.
[ ٢٥٣ ]
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . وقال تعالى (٣: ١٢٨): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . وهذا تحقيق التوحيد، مع أنه ﷺ أكرم الخلق على الله، وأعلاهم منزلة عند الله.
٦٤٧ - وقد روى الطبراني في معجمه الكبير (١)، أن منافقًا كان يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق. فقال له النبي ﷺ: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله".
٦٤٨ - وفي صحيح مسلم (٢) في آخره أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
٦٤٩ - وفي صحيح مسلم (٣) - أيضًا - وغيره، أنه قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها".
_________________
(١) انظر مجمع الزوائد (١٠/١٥٩) قال الهيثمي عقبه: "ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث". ورواه أحمد (٥/٣١٧)، ثنا موسى بن داود، ثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، أن رجلًا سمع عبادة بن الصامت يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر، ﵁: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ: "لا يُقام لي. إنما يقام لله ﵎". ورواه ابن سعد، في الطبقات (١/٣٨٧)، بهذا الأسناد، وبهذا اللفظ. وموسى بن داود، هو الضبي أبو عبد الله الطرطوسي، صدوق فقيه زاهد له أوهام، من صغار التاسعة. فيبدو أنه ممن روى عن ابن لهيعة بعد اختلاطه، وفيه الرجل المجهول الراوي عن عبادة، فالحديث على هذا ضعيف.
(٢) ٥ - كتاب المساجد، ٣ - باب النهي عن بناء المساجد على القبور، حديث (٢٣) . (١/٣٧٧) . وأبو عوانة (١/٤٠١) . والطبراني في الكبير، (٢/١٨٠)، حديث (١٦٨٦) وابن سعد (٢/٢٤٠) .
(٣) ١١ - جنائز، ٣٣ - باب النهي عن الجلوس على القبر، والصلاة عليه، حديث (٩٧ - ٩٨)، (٢/٦٦٨) . من حديث أبي مرثد الغنوي ﵁. وأبو داود، =
[ ٢٥٤ ]
٦٥٠ - وفي الصحيحين (١) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة - وله طرق متعددة عن غيرهما - أنه قال: "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى".
٦٥١ - وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته، وإن أراد المسجد فليأته. ثم ذكر الحديث "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد".
ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه (٢) .
٦٥٢ - ولو حلف حالف بحق المخلوقين لم ينعقد يمينه، ولا فرق
_________________
(١) = ١٥ - الجنائز، ٧٧ - في كراهية القعود على القبر، حديث (٣٢٢٩)، (٣/٥٥٤) . والترمذي، ٨ - الجنائز، ٥٧ - باب ما جاء في كراهية المشي على القبور، والجلوس عليها، حديث (١٠٥٠، ١٠٥١) . والنسائي، ٩ - كتاب القبلة، ١١ - باب النهي عن الصلاة إلى القبر، حديث (٧٦٠) . (٢/٦٧) . كلهم من حديث أبي مرثد الغنوي.
(٢) البخاري، ٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث (١١٨٩)، من حديث أبي هريرة، ٦ - من هذا الباب، حديث (١١٩٧)، من حديث أبي سعيد. ومسلم، ١٥ - كتاب الحج، ٧٤ - باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، حديث (٤١٥) . (٢/٩٧٥ - ٩٧٦)، من حديث أبي سعيد. والترمذي، أبواب الصلاة، ٢٤٣ - باب ما جاء في أي المساجد أفضل، حديث (٣٢٦)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". والنسائي، ٨ - كتاب المساجد، ١٠ - ما تشد إليه الرحال من المساجد، حديث (٧٠٠) . (٢/٣٧) . وأحمد (٢/٢٣٤، ٢٣٨) . وابن ماجه، ٥ - الإقامة، حديث (١٤٠٩) . (١/٤٥٢) . والدارمي، كتاب الصلاة، ١٣٢ - باب لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، حديث (١٤٢٨) . (١/٢٧١)، كلهم من حديث أبي هريرة، ﵁. وأحمد (٣/٧، ٣٤)، من حديث أبي سعيد ﵁.
(٣) لا يوجد هذا الكتاب القيم في حدود علمي في المكتبات الإسلامية ولعله يوجد فينفع الله به المسلمين. وفي المدونة (٢/٨٦) عبارة قريبة من هذه العبارة، قال ابن القاسم: "ومن قال عليَّ المشي إلى بيت المقدس أو إلى المدينة، فلا يأتهما أصلًا إلا أن يكون أراد الصلاة في مسجديهما فليأتهما راكبا".
[ ٢٥٥ ]
في ذلك بين الأنبياء والملائكة وغيرهم، ولله ﵎ حق لا يشركه فيه أحد لا الأنبياء ولا غيرهم. وللأنبياء حق، وللمؤمنين حق، ولبعضهم على بعض حق.
فحقه ﵎ أن يعبد، ولا يشرك به كما تقدم في حديث معاذ (١) .
٦٥٣ - ومن عبادته تعالى أن يخلصوا له الدين ويتوكلوا عليه ويرغبوا إليه، ولا يجعلوا لله ندًا لا في محبته ولا خشيته ولا دعائه ولا الاستعانة به، كما في الصحيحين أنه قال ﷺ: "من مات وهو يدعو ندًا من دون الله دخل النار" (٢) .
٦٥٤ - وسئل: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" (٣) .
٦٥٥ - وقيل له: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندًا! بل ما شاء الله وحده" (٤) .
_________________
(١) تقدم في ص (١٠٩) .
(٢) البخاري ٦٥ - كتاب التفسير باب ٢٢، حديث (٤٤٩٧) . ومسلم، الإيمان باب ٤٠ حديث (١٥٠) . أَمَّا البخاري فباللفظ الذي ذكره شيخ الإسلام. وأما مسلم فبلفظ: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار". كلاهما رواه عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود ﵁. ورواه أحمد (١/٤٢٥) بلفظ مسلم.
(٣) البخاري ٦٥ - التفسير، باب ٣ حديث (٤٤٧٧، ٤٧٦١) . ومسلم، الإيمان ٣٧ - باب كون الشرك أقبح الذنوب. حديث (١٤١، ١٤٢) . وأبو داود، ٧ - الطلاق. ٥٠ - باب تعظيم الزنا حديث (٢٣١٠) (٢/٧٣٢) . والترمذي ٤٨ - كتاب التفسير باب ٢٦، حديث (٣١٨٢) (٥/٣٣٦)، وأحمد (١/٣٨٠) . والنسائي ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٤ - ذكر أعظم الذنب حديث (٤٠١٣، ٤٠١٤) (٧/٧٩ - ٨٠) .
(٤) تقدم تخريجه في ص (٢٥٣) .
[ ٢٥٦ ]
٦٥٦ - وقد قال تعالى (٤: ٤٨، ١١٦): ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى (٢: ٢٢): ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٦: ١٥): ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياى فارهبون﴾، (٢٩: ٥٦) ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى (٩٤: ٧ - ٨): ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، وقال تعالى في فاتحة الكتاب التي هي أم القرآن: ﴿إياك نعبد/ وإياك نستعين﴾، وقال تعالى (٢: ١٦٥): ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وقال تعالى (٥: ٤٤): ﴿فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي﴾ وقال تعالى (٣٣: ٣٩): ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَ اللَّهَ﴾ .
٦٥٧ - ولهذا لما كان المشركون يخوّفون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه. قال تعالى (٦: ٨٠ - ٨٢): ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
[ ٢٥٧ ]
٦٥٨ - وفي الصحيحين (١) عن ابن مسعود، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال لهم النبي ﷺ: "إنما ذاك الشرك كما قال العبد الصالح (٣١: ١٣): ﴿يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . وقال تعالى (٢٤: ٥٢): ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ .
٦٥٩ - فجعل الطاعة لله والرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وجعل الخشية والتقوى لله وحده فلا يخشى إلا الله، ولا يتقى إلا الله. وقال تعالى (٥: ٤٤): ﴿فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . وقال تعالى: (٣: ١٧٥): ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقال تعالى (٩: ٥٩): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ . فجعل سبحانه الإيتاء لله والرسول في أول الكلام وآخره، كقوله تعالى (٥٩: ٧): ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . مع جعله الفضل لله وحده، والرغبة إلى الله وحده وهو تعالى وحده. حسبهم لا شريك له في ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في ٢ - الإيمان ٢٣ - باب ظلم دون ظلم، حديث ٣٢، ٦٥ - التفسير، تفسير سورة الأنعام، حديث (٤٦٢٩)، وتفسير سورة لقمان، حديث (٤٧٧٦) وفي مواضع أخر. ومسلم في الإيمان، ٥٦ - باب صدق الإيمان وإخلاصه، حديث (١٩٧، ١٩٨)، وأحمد (١/٣٧٨) . كلهم من حديث ابن مسعود، ﵁.
[ ٢٥٨ ]
٦٦٠ - وروى البخاري (١) عن ابن عباس في قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قال: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد (٣: ١٧٣): حين قَالَ لَهُمْ النَّاسُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ .
٦٦١ - وقال تعالى (٨: ٦٤): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . ومعنى ذلك [عند] جماهير السلف والخلف أن الله وحده حسبك وحسبُ من اتبعك من المؤمنين، كما بسط ذلك بالأدلة.
وذلك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم الوسائط بيننا وبين الله في أمره ونهيه ووعده ووعيده.
٦٦٢ - فالحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله. فعلينا أن نحب الله ورسوله، ونطيع الله ورسوله، ونرضي الله ورسوله، قال تعالى (٩: ٦٢): ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . وقال تعالى (٤: ٥٩): ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ . وقال تعالى (٤: ٨٠): ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . وقال تعالى (٩: ٢٤): ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ .
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٥٨)
[ ٢٥٩ ]
٦٦٣ - وفي الصحيحين (١) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كنَّ فيه وجدَ بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار﴾ .
٦٦٤ - وقد قال تعالى (٤٨: ٨ - ٩): ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ .
فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، وتعزيره نصره ومنعه، والتسبيح بكرة وأصيلا/ لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله.
٦٦٥ - والعبادة هي لله وحده: فلا يصلى إلا لله، ولا يصام إلا لله، ولا يحج إلا إلى بيت الله، ولا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، لكون هذه المساجد بناها أنبياء الله بإذن الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يحلف إلا بالله، ولا يُدْعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله.
٦٦٦ - وأما ما خلقه الله سبحانه من الحيوان والنبات والمطر والسحاب وسائر المخلوقات، فلم يجعل غيره من العباد واسطة في ذلك الخلق، كما جعل الرسل واسطة في التبليغ بل يخلق ما يشاء بما يشاء من
_________________
(١) البخاري، ٢ - كتاب الإيمان، باب ٩ حديث (١٦)، وباب ١٤، حديث (٢١) . ومسلم، كتاب الإيمان، باب ١٥، حديث (٦٧، ٦٨) . وأحمد (٣/١٧٤، ٢٣٠) . والترمذي، ٤١ - كتاب الإيمان، باب ١٠، حديث (٢٦٢٤) . (٥/١٥) . والنسائي، ٤٧ - كتاب الإيمان، ٢ - طعم الإيمان، حديث (٤٩٨٧، ٤٩٨٨) . (٨/٩٥ - ٩٦)، كلهم من حديث أنس ﵁.
[ ٢٦٠ ]
الأسباب، وليس في المخلوقات شيء يستقل بإبداع شيء، بل لا بد للسبب من أسباب أخر تعاونه، ولا بد من دفع المعارض عنه، وذلك لا يقدر عليه إلا الله وحده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بخلاف الرسالة، فإن الرسول وحده كان [واسطة] في تبليغ رسالته إلى عباده.
٦٦٧ - وأما جعل الهدى في قلوب العباد، فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول. كما قال الله تعالى (٢٨: ٥٦): ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى (١٦: ٣٧): ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ .
٦٦٨ - وكذلك دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع، إذا جعل الله تعالى المحل قابلًا له، وإلا فلو استغفر النبي للكفار والمنافقين لم يغفر لهم، قال الله تعالى (٦٣: ٦): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .
٦٦٩ - و[أما] الرسل فقد تبين أنهم هم الوسائط بيننا وبين الله ﷿، في أمره ونهيه ووعده ووعيده وخبره، فعلينا أن نصدقهم في كل ما أخبروا به، ونطيعهم فيما أوجبوا وأمروا، وعلينا أن نصدق بجميع أنبياء الله ﷿، لا نفرق بين أحد منهم، ومن سبَّ واحدا منهم كان كافرًا مرتدًا مباح الدم.
٦٧٠ - وإذا تكلمنا فيما يستحقه الله ﵎ من التوحيد، بينا أن الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله ﵎ من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم، ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله، ولا يقسم على الله بهم، ولا يتوسل بذواتهم.
[ ٢٦١ ]
٦٧١ - وإنما يتوسل بالإيمان بهم، وبمحبتهم، وطاعتهم، وموالاتهم وتعزيرهم، وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا، وتصديقهم فيما أخبروا، وتحليل ما حللوه، وتحريم ما حرموه.
والتوسل بذلك على وجهين:
٦٧٢ - (أحدهما): أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وقد تقدم بيان ذلك (١) .
٦٧٣ - (والثاني): التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول ﷺ هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة.
٦٧٤ - ومثل هذا كقول المؤمنين (٣: ١٩٣): ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلأيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾ . فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء.
٦٧٥ - ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى (٢٣: ١٠٩): ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ . وأمثال ذلك كثير.
٦٧٦ - وكذلك التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، فإنه يكون على وجهين: (أحدهما): أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، فيدعو ويشفع، كما كان يطلب منه في حياته، وكما يطلب منه يوم القيامة،
_________________
(١) في ص (١٠٤) .
[ ٢٦٢ ]
حين يأتون آدم ونوحًا ثم الخليل ثم موسى الكليم ثم عيسى، ثم يأتون محمدًا صلوات الله عليهم وسلامه فيطلبون منه الشفاعة.
٦٧٧ - (الوجه الثاني): أن يكون التوسل مع ذلك [بأن] يسأل الله تعالى بشفاعته ودعائه، كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه (١) وذكره. فإنه طلب منه الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه، وأمره أن يدعو الله فيقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك به، اللهم فشفعه فيَّ". فأمره أن يسأل الله تعالى قبول شفاعته.
٦٧٨ - بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول، والرسول لم يدع له ولم يشفع فيه، فهذا/ توسل بما لم يوجد، وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع فيه.
٦٧٩ - ومن هذا الباب قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقت الاستسقاء كما تقدم (٢)، فإن عمر والمسلمين (٣) توسلوا بدعاء العباس، وسألوا الله تعالى مع دعاء العباس، فإنهم استشفعوا جميعًا، ولم يكن العباس وحده هو الذي دعا لهم، فصار التوسل بطاعته والتوسل بشفاعته كل منهما يكون مع دعاء المتوسل وسؤاله، ولا يكون بدون ذلك. فهذه أربعة أنواع كلها مشروعة، لا ينازع في واحد منها أحد من أهل العلم والإيمان.
_________________
(١) (ص ٢٠٢) .
(٢) (ص ٨٦، ٨٧) .
(٣) في خ: "المسلمون".
[ ٢٦٣ ]
٦٨٠ - ودين الإسلام مبني على أصلين، وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلها آخر، فلا تحب مخلوقًا كما تحب الله، ولا ترجوه كما ترجو الله، ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوَّى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عَدَل بالله (١)، وهو من الذين بربهم يعدلون، وقد جعل مع الله إلهًا آخر، وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السموات والأرض.
٦٨١ - فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض، كما قال تعالى (٣١: ٢٥ و٣٩: ٣٨): ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .
٦٨٢ - وكانوا مع ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى، قال تعالى (٦: ١٩): ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ﴾، وقال تعالى (٢: ١٦٥): ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ .
٦٨٣ - فصاروا مشركين لأنهم أحبوهم كحبه، لا أنهم (٢) قالوا إن آلهتهم خلقوا كخلقه. كما قال تعالى (١٣: ١٦): ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ .
٦٨٤ - وهذااستفهام إنكار بمعنى النفي، أي ما جعلوا لله
_________________
(١) جعل له عدلًا، أي معادلًا ونظيرًا.
(٢) في: خ "لأنهم". والصواب ما أثبتناه.
[ ٢٦٤ ]
شركاء خلقوا كخلقه، فإنهم مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه، وإنما كانوا يجعلونهم شعفاء ووسائط. قال تعالى (١٠: ١٨): ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقال صاحب يس (٣٦: ٢٢ - ٢٥): ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِي * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِي﴾ .
٦٨٥ - (الأصل الثاني) أن نعبده بما شرع على ألسن رسله، لا نعبده إلا بواجب أو مستحب، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك. والدعاء من جملة العبادات، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم - مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب - كان مبتدعًا في الدين، مشركا برب العالمين، متبعًا غير سبيل المؤمنين، ومن سأل الله تعالى بالمخلوقين أو أقسم عليه بالمخلوقين كان (١) مبتدعًا بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فإن ذم من خالفه وسعى في عقوبته، كان ظالمًا جاهلًا معتديًا، وإن حكم بذلك فقد حكم بغير ما أنزل الله، وكان حكمه منقوضا بإجماع المسلمين، وكان إلى أن يستتاب من هذا الحكم ويعاقب عليه أحوجَ منه إلى أن ينفذ له هذا الحكم ويعان
_________________
(١) من قوله: "متبعًا غير سبيل"، إلى هنا، ساقط من ز، ب. وجاء الصواب في الفتاوى ١/٣١٢ كان مبتدعًا بدعة.
[ ٢٦٥ ]