قاعدة جليلة
في
التوسل والوسيلة
تأليف
شيخ الإسلام ابن تيمية
"٦٦١ - ٧٢٨"
دراسة وتحقيق
ربيع بن هادي عمير المدخلي
أستاذ في السنة وعلومها
بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سابقًا
[ ٣٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
١ - الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليُظهرَه على الدين كله وكفى بالله شهيدًا. أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهدى به من الضلالة، وبصرَّ به من العمى، وأرشد به من الغيّ، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعَبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. ففرّق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه.
٢ - فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وقد أرسله الله إلى الثقلين: الجن والإنس، فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه في باطنه وظاهره، والإيمانُ به ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله، وهو عبادة الله وهو طاعة الله، وهو طريق أولياء الله وهو الوسيلة التي أمر الله بها عباده في قوله تعالى (٥: ٣٥): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه.
٣ - وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال، باطنًا وظاهرًا، في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته، في مشهده
[ ١ ]
ومغيبه، لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه، ولا بعذر من الأعذار، ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته.
٤ - وهو ﷺ شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرًا وأعلاهم جاهًا عند الله.
وقد قال تعالى (٣٣: ٦٩) عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وقال (٣: ٤٥) عن المسيح: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ﴾ . ومحمد ﷺ أعظم جاهًا من جميع الأنبياء والمرسلين، لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع بهما (١) من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
٥ - ولفظ (التوسل) في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى. والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة.
٦ - ولهذا نُهي عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار، ونهي عن الاستغفار للمنافقين وقيل له (٦٣: ٦): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . ولكن الكفار
_________________
(١) في المخطوطة: "به". والذي يظهر أن لفظ (بهما) أولى لأنه الضمير يعود إلى الشفاعة والدعاء.
[ ٢ ]
يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان، قال تعالى (٩: ٣٧): ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، فإذا كان في الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه، لا في إسقاط العذاب بالكلية، كما في صحيح مسلم (١) عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت: يا رسول الله فهل نفعتَ أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، وفي لفظ: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح" (٢)، وفيه عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منهما دماغه" (٣) وقال: "إن أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه" (٤) .
٧ - وكذلك ينفع دعاؤه لهم بأن لا يعجل عليهم العذاب في
_________________
(١) كتاب الإيمان ٩٠ - باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب، حديث (٣٧٥)، والحديث في البخاري ٦٣ - مناقب الأنصار، ٤٠ - باب قصة أبي طالب، حديث (٣٨٨٣)، ٧٨ - كتاب الأدب حديث (٦٢٠٨) . وفي مسند أحمد (١/٢٠٦، ٢٠٧، ٢٠٨) . كلهم من طريق عبد الله بن الحارث بن نوفل عن العباس - ﵁ - مرفوعًا.
(٢) صحيح مسلم الباب السابق ذكره حديث (٣٥٨) . والضحضاح أصله الماء القليل القريب القعر ثم استعير للقليل من النار، اللسان (٢/٥١٤) .
(٣) مسلم الباب السابق حديث (٣٦٠) وباب إن أهون أهل النار عذابًا، حديث (٣٦٢) .
[ ٣ ]
الدنيا كما كان ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (١) . وروى أنه دعا بذلك: أن اغفر لهم فلا تعجّل عليهم العذاب في الدنيا، قال تعالى (٣٥: ٤٥): ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وأيضًا فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه، كما دعا لأم أبي هريرة حتى هداها الله (٢)، وكما دعا لدَوْس فقال: "اللهم اهد دوسًا وائت بهم" فهداهم الله (٣) .
٨ - وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما طلبوا منه أن يستسقي لهم، فاستسقى لهم (٤)، وكان ذلك إحسانًا منه إليهم
_________________
(١) البخاري، كتاب المرتدين ٨٨ - باب ٥، حديث (٦٩٢٩) . ومسلم ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، حديث (١٠٥) . وابن ماجه ٣٦ - كتاب الفتن، حديث (٤٠٢٥) ج (٢/١٣٣٥) . ومسند أحمد (١/٣٨٠، ٤٢٧، ٤٣٢، ٤٤١، ٤٥٣، ٤٥٦، ٤٥٧) . كلهم من حديث عبد الله بن مسعود، ﵁.
(٢) صحيح مسلم ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة ٣٥ - باب فضل أبي هريرة حديث (١٥٨) من طريق أبي كثير، يزيد بن عبد الرحمن. حدثني أبو هريرة، قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فاسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال: "اللهم أهد أم أبي هريرة"، ثم ساق القصة، وفيها أنها أسلمت، ﵂.
(٣) البخاري ٦٤ - مغازي ٧٥ - باب قصة دوس والطفيل بن عمرو، حديث (٤٣٩٢)، ٨٠ - الدعوات، ٥٩ - باب الدعاء للمشركين، حديث (٦٣٩٧) . ومسلم (٤/١٩٥٧)، باب فضائل غفار وأسلم وطيِّىء ودوس، حديث (١٩٧) . وأحمد (٢/٢٤٣، ٤٤٨) . كلهم من حديث أبي هريرة، ﵁.
(٤) لم أجد هذا الحديث الذي أشار إليه شيخ الإسلام في سنن أبي داود في الاستسقاء، فربما أورده أبو داود في غير أبواب الاستسقاء وقد يكون سبق قلم من الإمام أو من الناسخ، والحديث المشار إليه في البخاري، الاستسقاء حديث (١٠٢٠) فتح (٢/٥١٠) =
[ ٤ ]
يتألف به قلوبهم، كما كان يتألفهم بغير ذلك.
٩ - وقد اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاهًا عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته، لكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم، فإن الإيمان بهم وطاعتهم توجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقًا وعامًا، فكل من مات مؤمنًا بالله ورسوله مطيعًا لله ورسوله كان من أهل السعادة قطعًا، ومن مات كافرًا بما جاء به الرسول كان من أهل النار قطعًا.
١٠ - وأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى (١٤: ٤١) عنه: ﴿رَبّنا اغْفرْ لي وَلوالدَيّ وللمُؤمنينَ يومَ يَقُومُ الحساب﴾ .
_________________
(١) = و٦٥ - كتاب التفسير سورة ٤٤ - الدخان، ٥ - باب ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون حديث (٤٨٢٤) . ومسند أحمد (١/٣٨٠ - ٣٨١) من حديث ابن مسعود - ﵁ - واللفظ للبخاري قال: "إن الله بعث محمدًا ﷺ، وقال: "قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين"، فإن رسول الله ﷺ، لما رأى قريشًا استعصوا عليه فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم السنة حتى حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود والميتة وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان فجاء أبو سفيان، فقال: أي محمد إن قومك قد هلكوا فادع الله أن يكشف عنهم، فدعا ) وفي رواية للبخاري قبل هذه برقم (٤٨٢٢) "فقيل له إن كشفنا عنهم عادوا فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر".
[ ٥ ]
وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى (٩: ١١٣): ﴿ما كان للنّبِيّ والذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا للمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أولي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لهُمْ أنهم أصْحَابُ الجحيم﴾ ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال (٩: ١١٤ - ١١٥): ﴿وما كان اسْتغْفارُ إبْراهيمَ لأبيهِ إلاّ عنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أنّهُ عَدُوٌ للهِ تَبَرّأ منْهُ إنَّ إبْراهيمَ لأوّاهٌ حليمٌ * وما كانَ اللهُ لِيُضلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيّن لهُمْ ما يَتّقونَ﴾ .
١١ - وثبت في صحيح البخاري (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له ابراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله ﷿: إني حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك فينظر، فإذا هو بذيخ (٢) متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار". فهذا لما مات مشركًا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين (٦٠: ٤ - ٥): ﴿قد كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهيمَ وَالذينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لقَوْمهمْ إنّا بُرءَآؤُاْ منْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون الله كَفْرنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنَا
_________________
(١) ٦٠ - كتاب الأنبياء ٨ - باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ حديث (٣٣٥٠)، ٦٥ - كتاب التفسير (١) باب ﴿ولا تخزني يوم يبعثون﴾ حديث (٤٧٦٨، ٤٧٦٩) .
(٢) الذيخ: ذكر الضباع.
[ ٦ ]
وَبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتَّى تُؤمنُوا بالله وَحْدَهُ إلاّ قَوْلَ إبراهيمَ لأبيه لأسْتَغْفرَنَّ لَكَ وما أمْلكُ لكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيءٍ رَبّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلنا وإليْكَ أَنَبْنا وإليْكَ المَصيرُ * رَبّنا لا تجْعَلْنا فِتْنَةً للّذينَ كَفَرُا واغْفرْ لَنا رَبّنا إنّك أنْتَ الْعَزيزُ الحكِيمُ﴾ فقد أمر الله (١) تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: "لأستغفرنَّ لك" فإن الله لا يغفر أن يشرك به.
١٢ - وكذلك سيد الشفعاء محمد ﷺ، ففي صحيح مسلم (٢) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".
وفي رواية (٣) أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت".
١٣ - وثبت عن أنس في الصحيح (٤) أن رجلًا قال: يا رسول الله
_________________
(١) لفظ الجلالة غير موجود في المخطوطة.
(٢) كتاب الجنائز ٣٦ - باب استئذان النبي ﷺ في زيارة قبر أمه، حديث (١٠٥) .
(٣) مسلم في الموضع السابق حديث (١٠٦) . وأبو داود (٣/٥٥٧) ١٥ - الجنائز، ٨١ - باب في زيارة القبور، حديث (٣٢٣٤) . والنسائي (٤/٧٤)، كتاب الجنائز، باب زيارة قبر المشرك. وابن ماجه (١/٥٠١)، ٦ - كتاب الجنائز، ٤٨ - باب ما جاء في زيارة قبور المشركين حديث (١٥٧٢) . وأحمد (٢/٤٤١) . والحاكم (١/٣٧٥) . كلهم من حديث أبي هريرة، ﵁، وأخرج أحمد (٥/٣٥٦ - ٣٥٧) من حديث بريدة، قال: خرجت مع النبي ﷺ، حتى إذا كنا بودّان قال: "مكانكم حتى آتيكم"، فانطلق، ثم جاءنا وهو سقيم، فقال: أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة فمنعنيها ". وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/٣٧٥، ٣٧٦) .
(٤) مسلم (١/١٩١)، ١ - كتاب الإيمان، ٨٨ - باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين، حديث (٣٤٧) . وأبو داود (٥/٩٠) =
[ ٧ ]
أين أبي؟ قال: "في النار". فلما قفّى (١) دعاه فقال: "إني أبي وأباك في النار".
١٤ - وثبت أيضًا في الصحيح (٢) عن أبي هريرة: لما أنزلت هذه الآية (٢٦: ٢١٤): ﴿وَأنْذرْ عَشيرتَكَ الأَقْرَبينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فعم وخص فقال: "يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عَبْد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، [يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار] (٣)، يا بني عبد المطلب انقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من
_________________
(١) = ٣٤ - السنة، ١٨ - باب في ذراري المشركين حديث (٤٧١٨) . كلاهما من حديث أنس، ﵁. وأخرج ابن ماجه (١/٥٠١) من طريق الزهري عن سالم عن أبيه، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان، فأين هو؟ قال: "في النار" قال: فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك، فقال رسول الله ﷺ: "حيثما مررت بقبر مشرك، فبشره بالنار ". قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، محمد بن إسماعيل (يعني ابن البختري) وثقه ابن حبان والدارقطني والذهبي، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين "مصباح الزجاجة (٢/٤٣) باب زيارة قبور المشركين".
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "قفا". والتصحيح من صحيح مسلم.
(٣) مسلم (١/١٩٢)، كتاب الإيمان، ٨٩ - باب قوله تعالى ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ حديث (٣٤٨)، والترمذي (٥/٣٣٨ - ٣٣٩)، ٤٨ - التفسير باب ٢٧ - وفي سورة الشعراء، حديث (٣١٨٥) . والنسائي (٦/٢٠٨)، كتاب الوصايا، باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين. وأحمد (٢/٣٣٣، ٣٦٠، ٥١٩) . كلهم من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة، ﵁.
(٤) الزيادة من: صحيح مسلم، ولفظ هذا المتن له.
[ ٨ ]
الله شيئًا، غير أن لكم رحما سأبُلُّها ببلالها (١) .
وفي رواية عنه "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ياصفية - عمة رسول الله - لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا" (٢) .
وعن عائشة لما نزلت: ﴿وَأنذرْ عَشيرَتَكَ الأقْرَبين﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: "يا فاطمة بنت محمد، ياصفية بنت عبد المطلب، [يا بني عبد المطلب] (٣)، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم" (٤) .
١٥ - وعن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا ذات يوم فذكر الغلول (٥) فعظمه وعظم أمره ثم قال: "لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء يقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته
_________________
(١) البلال: الماء، ومعنى الحديث: سأصلها. شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة بالبرودة ومنه: بلوا أرحامكم أي صلوها.
(٢) البخاري ٦٥ - تفسير سورة الشعراء ٢ - باب ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ حديث (٤٧٧١) ومسلم ١/١٩٢)، الإيمان، حديث (٣٥١) . والنسائي (٦/٢٠٨) الوصايا باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين. كلهم من طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ﵁.
(٣) سقط من: المطبوعة. والتصحيح من المخطوطة وصحيح مسلم.
(٤) مسلم (١/١٩٢) الإيمان حديث (٣٥٠) . والنسائي (٦/٢٠٩) الوصايا الباب السابق ذكره من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها.
(٥) الغلول: اختلاس المرء ما ليس له به من حق.
[ ٩ ]
فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق (١) فيقول يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (٢) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك". أخرجاه في الصحيحين (٣) .
وزاد مسلم (٤) "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك".
وفي البخاري (٥) عنه أن النبي ﷺ قال: "ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار (٦) فيقول يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمد، فأقول لا أملك لك شيئًا، قد بلغت".
_________________
(١) الرقاع هنا: الثباب.
(٢) المال عند العرب صامت وناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق المواشي والسوائم.
(٣) البخاري ٥٦ - الجهاد، ١٨٩ - باب الغلول، حديث (٣٠٧٣) . ومسلم (٣/١٤٦١)، ٣٣ - كتاب الإمارة، ٦ - باب غلظ تحريم الغلول حديث (٢٤) . وأحمد (٢/٤٢٦) . وروى بعضه النسائي (٥/١٦)، باب مانع زكاة الإبل.
(٤) هو جزء من الحديث السابق.
(٥) ٢٤ - الزكاة، ٣ - باب إثم مانع الزكاة، حديث (١٤٠٢) .
(٦) في المطبوعة: "ثغاء" والتصحيح من المخطوطة، وصحيح البخاري.
[ ١٠ ]
١٦ - وقوله هنا ﷺ لا أملك لك من الله شيئًا كقول إبراهيم لأبيه (٦٠:٤): ﴿لأستَغْفرَن لَكَ ومَا أمْلكُ لكَ منَ الله منْ شَيءٍ﴾ .
١٧ - وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهي نافعةٌ في الدنيا والدين باتفاق المسلمين، وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق عليها بين المسلمين.
وقد قيل إن بعض أهل البدعة ينكرها.
١٨ - وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم.
١٩ - وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج (١) والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثمَّ إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب.
٢٠ - وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم فيقرّون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن الله يخرج من النار قومًا بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قومًا بلا شفاعة (٢) .
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ص ٨٦، ٢٧٤.
(٢) راجع صحيح مسلم ١ - كتاب الإيمان من حديث (٢٩٩ - ٣٤٦) ج (١/١٦٣ - ١٩٠) .
[ ١١ ]
٢١ - واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى (٢: ٤٨): ﴿وَاتَّقوا يومًا لا تَجْزى نَفس عن نفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ منها شفاعةٌ ولا يُؤْخَذُ منها عَدْلٌ﴾ وبقوله (٢: ١٢٣): ﴿ولا يُقْبَلُ منها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شفاعةٌ﴾ وبقوله (٢: ٢٥٤): ﴿منْ قَبْل أَنْ يأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شفاعة﴾ وبقوله (٤٠: ١٨): ﴿وما للظَّالِمينَ منْ حَميم ولا شَفِيع يُطاع﴾ وبقوله (٧٤: ٤٨): ﴿فما تَنْفَعُهُمْ شفاعةُ الشافعين﴾ .
وجواب أهل السنّة أن هذا [لعله يراد] (١) به شيئان:
٢٢ - أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى (٧٤: ٤٢ - ٤٨) في نعتهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ في سَقَر * قالوا لَمْ نَكُ منَ المصَلِّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وكُنَّا نخُوضُ مَعَ الْخائضين * وكُنَّا نُكَذِّبُ بيَوْمِ الدِّين * حَتَّى أَتانا الْيَقين * فَمَا تَنْفَعُهُم شفاعَةُ الشَّافِعين﴾ فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارًا.
٢٣ - والثاني: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي أثبتها (٢) أهل الشرك، ومن شابههم من أهل البدع، من أهل الكتاب والمسلمين، الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة الشافع (٣) لحاجته إليه رغبة ورهبة، كما يعامل المخلوقُ المخلوق (٤) بالمعاوضة. فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من: المطبوعة. قصد بها استقامة الكلام لأنه لا يستقيم إلا بها.
(٢) في المخطوطة: "ثبّتها".
(٣) في المطبوعة: "شافع".
(٤) سقطت من: ز. وهي موجودة في: ب، خ.
[ ١٢ ]
والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يُتوَسل إلى الملوك بخواصِّهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة. فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى (٢: ٢٥٥): ﴿مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بإذْنه﴾، وقال (٥٣: ٢٦): ﴿وكَمْ مِنْ مَلَك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ وقال (٢١: ٢٦ - ٢٨) عن الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وقال: (٣٤: ٢٢ - ٢٣): ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال تعالى (١٠: ١٨): ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى (٦: ٥١): ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى (٣٢: ٤): ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى (٤٣: ٨٦): ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال
[ ١٣ ]
تعالى (٦: ٩٤): ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقال تعالى (٣٩: ٤٣ - ٤٥): ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقال تعالى (٢٠: ١٠٨ - ١٠٩): ﴿وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَ هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ وقال صاحب يس (٣٦: ٢٢ - ٢٥): ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِي * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِي﴾ .
٢٤ - فهذه الشفاعة التي أثبتها (١) المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى صوروا تماثيلهم (٢) وقالوا: استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم، وكذلك قصدوا قبورهم وقالوا: نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله، وصوروا تماثيلهم فعبدوهم كذلك، وهذه الشفاعة
_________________
(١) في المخطوطة: "ثبتها".
(٢) تعليق الصور على الجدران سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة، لها ظل، أو لا ظل لها، يدوية أو فوتوغرافية، فإن ذلك كله لا يجوز، ويجب على المستطيع نزعها إن لم يستطع تمزيقها، وفيه أحاديث كثيرة. انظر ص ١٠٠ من (آداب الزفاف) للشيخ المحدث ناصر الدين الألباني - طبعة المكتب الإسلامي. (زهير شاويش) .
[ ١٤ ]
أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها وكفرهم بها. قال الله تعالى عن قوم نوح (٧١: ٢٣ - ٢٤): ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ .
٢٥ - قال ابن عباس وغيره: هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم.
٢٦ - وهذا مشهور في كتب التفسير والحديث وغيرها كالبخاري (١) وغيره، وهذه أبطلها النبي ﷺ وحسم مادتها وسد ذريعتها، حتى لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي فيها وإن كان المصلي فيها لا يستشفع بهم، ونهى عن الصلاة إلى القبور، وأرسل علي بن أبي طالب فأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه ومحاه، ولعن المصورين.
٢٧ - وعن أبي الهياج الأسدي، قال لي علي بن أبي طالب: إني لأبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا (٢) مشرفًا إلا سويته. وفي لفظ: ولا صورة إلا طمستها. أخرجه مسلم (٣) .
_________________
(١) في ٦٥، كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، حديث (٤٩٢٠) . وتفسير ابن جرير (٢٩/٩٨ - ٩٩) ذكر أقوالًا لابن عباس وغيره. والدر المنثور (٨/٢٩٣) .
(٢) فيه تحريم رفع القبور فوق الحد المشروع في السنة، وهو قدر شبر أو شبرين، والأمر فيه بتسويتها بالأرض، لا ينافي السنة، خلافًا لمن أنكر هدم القباب والقبور المشرفة من قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وجماعته، فإن الهدم للقبور سنة بل واجب، إذا كانت على خلاف السنة. فتنبه ولا تكن من الغافلين.
(٣) في ١١، الجنائز، ٣١ - باب الأمر بتسوية القبر، حديث (٩٣) . وأبو داود ١٥ - كتاب الجنائز، ٧٢ باب في تسوية القبر، حديث (٣٢١٨) . والترمذي (٣/٣٥٧)، =
[ ١٥ ]