(٦٦١ - ٧٢٨)
هو شيخ الإسلام ابن تيمية الإمام المحدث الحافظ الناقد والمفسر الغواص في معاني القرآن والمؤرخ المطلع على أحداث التاريخ المبرز في العلوم النقلية والعقلية على كبار المتخصصين فيها والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الزاهد العابد المجاهد المظفر في ميادين القتال وفي ميادين الدفاع عن حياض الإسلام بالحجة والبرهان.
سيف الله المسلول على الفلاسفة والملحدين وعلى الغلاة المبتدعين، جندت كثير من الأقلام لترجمته وإبراز شخصيته الفذة وسطرت في هذا الشأن عشرات من المجلدات (١) وفي ذلك ما يغني القارئ عن أن أترجم له في هذه المقدمة، غير أني أرى أن أتحف القارئ بشذرات مما زكاه به كبار علماء عصره تتناول بعض الجوانب من حياته وأن أعطيه فكرة مجملة عن كثرة مصنفاته الدالة على تبحره في العلوم وامتلاك نواصيها.
_________________
(١) كثرت الكتابة عن شيخ الإسلام - ﵀ - فبلغ عدد المعروف من المؤلفات المستقلة في سيرته وأعماله ثمانية وستين مؤلفًا. وترجم له عدد كبير من المؤرخين القدامى والمحدثين المعروف منهم أربعة وستون. وهناك دراسات لعدد من المستشرقين تناولت تراث شيخ الإسلام ومنهجه وأفكاره. انظر في هذا مقدمة الرسالة الموسومة بـ (شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه) (١/١٧٩ - ١٩٥) لأخي وأحد تلاميذي النجباء عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي قدمها لنيل درجة الدكتوراه من شعبة السنة بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.
[ ١٣ ]
١ - قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت٧٤٤): "هو الشيخ الإمام الرباني إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصر وقريع الدهر، شيخ الإسلام، وعلامة الزمان ترجمان القرآن، علم الزهاد، أوحد العباد وقامع المبتدعين وآخر المجتهدين، تقي الدين أبو العباس، أحمد بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن، عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات، عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني، نزيل دمشق، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها" (١) .
٢ - وقال الإمام الحافظ الفقيه الأديب ابن سيد الناس فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد اليعمري المصري الشافعي: وهو يتحدث عن المزي: "وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظًا، وكاد أن يستوعب السنن والآثار حفظًا. إن تكلم في التفسير، فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه، فهو مدرك غايته، أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل، لم ير أوسع من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته. برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه (٢) .
_________________
(١) العقود الدرية (ص ٢) .
(٢) العقود الدرية (ص١٠) والرد الوافر ص (٢٦) والشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية (ص ٢٦) والدرر الكامنة (١/١٦٦ - ١٦٧) .
[ ١٤ ]
٣ - وقال الإمام الحافظ الناقد أبو الحجاج يوسف المزي (ت٧٤٢):
ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه".
٤ - وقال العلامة كمال الدين ابن الزملكاني:
"كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف، إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا قد عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.. واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها" (١) .
وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:
"كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك رأسًا في معرفة الكتاب والسنة، والاختلاف، بحرًا في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علمًا وزهدًا وشجاعة وسخاء وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر وكثرة التصانيف وقرأ وحصل وبرع في الحديث والفقه وتأهل للتدريس
_________________
(١) العقود الدرية (ص ٧ - ٨) وسجل ابن عبد الهادي لكمال الدين شهادات أخر قد تفوق هذه الشهادة مع أنه كان من مخالفيه والمتعصبين عليه.
[ ١٥ ]
والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة وتقدم في علم الأصول وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها، ودقها وجلها سوى علم القراءات فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا وسرد وأُبلسوا واستغنى وأفلسوا وإن سمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سيناء يقدم الفلاسفة فلَّهم وتيَّسهم وهتك أستارهم وكشف عوراهم وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن يصفه كلمي أو ينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته تحتمل أن توضع في مجلدتين وهو بشر من البشر له ذنوب فالله يغفر له ويسكنه أعلى الجنة فإنه كان رباني الأمة فريد الزمان وحامل لواء الشريعة وصاحب معضلات المسلمين، وكان رأسا في العلم يبالغ في إطراء قيامه في الحق، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبالغة ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد، ولا لحظتها من فقيه.
وقال في مكان آخر: قلت: وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل وبالصحيح وبالسقيم مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه وهو عجب في استحضاره واستخراج الحجج منه وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث" لكن الإحاطة لله غير أن يغترف من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي.
وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحير فيه،
[ ١٦ ]
ولفرط إمامته في التفسير وعظم إطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين ويوهي أقوالًا عديدة وينصر قولًا واحدًا موافقًا لما دل عليه القرآن والحديث.
ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد، وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلدة، وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد (١) .
شيوخه
بلغ عدد شيوخه أكثر من مائتي شيخ، من أبرزهم والده عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت ٦٨٢)، والمحدث أبو العباس أحمد ابن عبد الدائم (ت٦٦٨)، وابن أبي اليسر، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن المقدسي الحنبلي (ت٦٨٩)، وابن الظاهري الحافظ أبو العباس الحلبي الحنفي (ت٦٩٠) .
تلاميذه
أَمَّا تلاميذه فلا يحصون كثرة، فمن تلاميذه البارزين والمبرزين:
١ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي ابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١) .
_________________
(١) العقود الدرية (ص ٢٣ - ٢٥) وقد ذكر بعض مؤلفاته وله ثناء عاطر على ابن تيمية في عدد من مؤلفاته ونقل العلماء عنه. انظر: الشهادة الزكية (ص ٣٨ - ٤٤) والرد الوافر (ص ٣١ - ٣٦) .
[ ١٧ ]
٢ - والحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي
(ت ٧٤٤) .
٣ - والحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي المتوفى (٧٤٢) .
٤ - والحافظ المؤرخ أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي (ت٧٤٨) .
٥ - وأبو الفتح ابن سيد الناس محمد بن محمد اليعمري المصري (ت٧٣٤) .
٦ - والحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي (ت٧٣٩) .
مؤلفاته:
إن مؤلفات هذا الإمام كثيرة جدًا بحيث عجز تلاميذه ومحبوه عن إحصائها، قال تلميذه النجيب شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المشهور بابن القيم - ﵀ -:
"أما بعد: فإن جماعة من محبي السنة والعلم سألني أن أذكر له ما ألفه الشيخ الإمام العلامة الحافظ أوحد زمانه، تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية - ﵁ - فذكرت لهم أني عجزت عن حصرها وتعدادها لوجوه أبديتها لبعضهم وسأذكرها إن شاء الله فيما بعد ".
ثم قال:
١ - "فمما رأيته في التفسير" فذكر اثنين وتسعين مؤلفا ما بين
[ ١٨ ]
رسالة وقاعدة (١) .
٢ - قال: "ومما صنفه في الأصول مبتدئًا أو مجيبًا لمعترض أو سائل" فذكر عشرين مؤلفًا ما بين كتاب ورسالة وقاعدة (٢) .
٣ - ثم قال: "قواعد وفتاوى" فذكر خمسة وأربعين ومائة ما بين كتاب وقاعدة ورسالة (٣) .
٤ - "الكتب الفقهية" وسرد خمسة وخمسين مؤلفًا ما بين كتاب ورسالة وقاعدة (٤) .
٥ - "وصايا وإجازات ورسائل تتضمن علومًا" بلغت اثنتين وعشرين (٥) .
وذكر الحافظ ابن عبد الهادي كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام مع ذكر نماذج لبعض المؤلفات والتنويه بمكانتها في كتابه العقود الدرية (٦) من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية.
هذه لمحة خاطفة عن حياة هذا الإمام العظيم - ﵀ - وأسكنه فسيح جناته.
_________________
(١) أسماء مؤلفات ابن تيمية (ص ٩ - ١٨) .
(٢) أسماء مؤلفات ابن تيمية (ص ١٩) .
(٣) أسماء مؤلفات ابن تيمية (ص ٢٠-٢٦) .
(٤) أسماء مؤلفات ابن تيمية (٢٧ - ٢٩) .
(٥) أسماء مؤلفات ابن تيمية (٢٩ - ٣٠) .
(٦) العقود الدرية (ص ٢٦ - ٦٧) .
[ ١٩ ]