نستشفع، أو نتوسل، أو نتوجه؛ لأنه لن (١) يشفع لهم في ذلك، وإنما يتوسل، ويستشفع ويتوجه به، فيما (٢) كان شفيعًا فيه ﷺ، ولا طلبوا منه بعد موته أن يشفع لهم، ويدعو لهم، كما تفعله النّصارى، فيطلبون الشفاعة من الموتى، الأنبياء وغيرهم، فإن الميت قد انقطع عنه التكليف، ليس هو كالحي الذي يطلب منه ما هو مأمور به من عبادة وطاعة ونفع الغير، فإن الحي إذا طلب منه أن يعين غيره بدعاء، أو شفاعة، أو نفع، أو صدقة، فقد طلب منه ما يأمره الله به من الإحسان، والميت ليس مأمورًا بشيء أمر تكليف؛ لانقطاع التكليف بالموت، بل هو بمنزلة أهل الجنة، والملائكة، يفعل ما أريد منه، فما أراده الله منه حصل، سواء طلب ذلك منه الحي أو لم يطلبه، وما لم يرده منه لم يحصل، فليس في سؤال الحي للميت فائدة للحي، ولا للميت، بل فيه شرك بالميت، وإيذاء له، فإن دعاءه يؤذيه، وليس فيه فائدة للحي، بل فيه ظلمه لنفسه، وشركه بربه، وإيذاؤه للميت، ففيه أنواع الظلم الثلاثة.
وهؤلاء الذين يزورون زيارة أهل الشرك والبدع، /٢٧ب/ هم الذين يسافرون إلى قبورهم لذلك، وهو حج لهم، والله سبحانه يحرّم أن يحج إلى بيت غيره. ولا يحجّ إلى جميع بيوته، بل لا يسافر إلا إلى ثلاثة مساجد، والسفر إلى المسجد الحرام للحج (٣) واجب، [وإلى] (٤) كل واحد من الثلاثة
_________________
(١) في الأصل: (لم)، والتصويب من المحقق.
(٢) في الأصل: (فما)، والتصويب من المحقق.
(٣) في الأصل: (حج)، والتصويب من المحقق.
(٤) إضافة من المحقق، وليست في الأصل.
[ ٧٤ ]
سفر إلى بيت الله الذي بناه نبي من أنبيائه، لعبادته، ودعائه.
فهؤلاء إذا زاروا القبور هذه الزيارة المحرمة، فهم منهيون عن ذلك من القرب ومن البعد.
وأما الذين يزورون زيارة شرعية؛ للسلام على أهلها، والدعاء لهم، فهذا هو الذي يفرق فيه بين القريب والبعيد، وهذا قليل جدًّا أن يقصد بالسّفر مجرد السّلام، والدُّعاء للميت.
وقد يأتي الرّجل القبر محبّة وشوقًا لا لقصد سلام، ولا دعاء لله، ولا لقصد دعائه (١)، فهذا يقال له: إذا صليت وسلّمت حيث كنت؛ وصل صلاتك وسلامك، وكان ذلك أنفع لك عند الله، وأحبّ إلى رسول الله ﷺ، فإنه يحب من (٢) يصلّي عليه، ويسلّم عليه، ويسأل الله له الوسيلة، وهو لا يحبّ من يخالف أمره، ويفعل ما نهاه عنه، ويتّخذ قبره عيدًا، ويسافر إليه، كما يسافر إلى بيوت الله الثلاثة، ويطلب منه ما يطلب من الله، ويؤذيه بسؤاله، ورفع صوته.
بل لو كان حيًّا مأمورًا بأن يعطي السائل؛ لكان من لا يسأله أحبّ إليه، /٢٨أ/ ولكان سؤاله منهيًّا عنه، إلا لأجل الضرورة، وقد قال ﷺ: «إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَسْأَلُنِي الْمَسْأَلَةَ فَأُعْطِيهِ إِيَّاهَا فَيَتَأَبَّطُهَا نَارًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَلِمَ تُعْطِهِمْ؟ قَالَ: «يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى اللَّهُ لِيَ الْبُخْلَ» وقال: «مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ، وَمَنْ لَا يَسْأَلُنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ سَأَلَنَا» هذا وهو
_________________
(١) في الأصل: (لدعائه)، والتصويب من المحقق.
(٢) في الأصل: (لمن)، والتصويب من المحقق.
[ ٧٥ ]
مكلف في حياته، قد قيل له: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] .
وأما بعد موته ﷺ فليس هو مكلفًا، ولا مأمورًا بما كان مأمورًا به في الدنيا من إعطاء السائل، وتأمير الأمراء، وأمر الناس، ونهيهم، بل قد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حقّ جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربّه، ونحن علينا أن نطيعه، فبطاعته تنال سعادة الدنيا والآخرة.
# # #
[ ٧٦ ]