وخارج الصلاة، وقد علموا أن ذلك يكفيهم، ويغنيهم عن غيره، مما لم يأمرهم به النبي ﷺ، ولم يشرعه لهم.
وكان ﷺ لمّا مات قد دُفن في حجرة عائشة، وفيها كان مرضه، وكانت حُجَرُ أزواجه شرقي المسجد وقبلته، وهي متصلة بالمسجد، يخرج منها إلى المسجد، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وهي بيوته وبيوت أزواجه، أضافها إليه في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وإلى أزواجه في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الذِّي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وفي طريق أخرى: «غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ -[أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا] (١)» .
قالت عائشة: /١٠أ/ «وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ وَلَكِنْ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» وفي لفظ للبخاري: «غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» .
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ
_________________
(١) ما بين المعكوفين لم يظهر في هامش مصورة الأصل، وهو إضافة من المحقق.
[ ٣٦ ]
أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي (١) أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» .
وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا (٢) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وفي رواية لمسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .
وفي المسند وصحيح أبي حاتم أنه قال: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» .
وفي موطأ مالك عنه ﷺ أنه قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .
_________________
(١) غيرت في المطبوع إلى: (فإني) .
(٢) غيرت في المطبوع إلى: (صنعوا) .
[ ٣٧ ]
وفي سنن أبي داود وغيره عن /١٠ب/ النبي ﷺ أنه قال: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فِإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» .
وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن حسن بن حسن بن [علي بن] (١) أبي طالب - وهو أجل الشرفاء الحسنيين في زمن تابعي التابعين - أنه رأى رجلًا ينتاب قبر النبي ﷺ فقال: يَا هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» فَمَا أَنْتَ وَرَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ مِنْهُ إِلَّا سَوَاءٌ.
_________________
(١) إضافة من المحقق، وليست في الأصل.
[ ٣٨ ]