ولم يكونوا يتخذون ذلك وقت الحج، بل كانوا يحجون ويأتون إلى بلادهم، وكان عمر يقول: يا أهل الشام شامكم، يا أهل اليمن يمنكم، يا أهل العراق عراقكم. ولكن كانوا يأتون مسجد المدينة والمسجد الأقصى بحسب ما تيسر، ليس لذلك وقت، ومنهم من يتيسر له ذلك وقت الحج.
وكان الصحابة يتحرّون متابعة النبي ﷺ والاقتداء به، فما فعله على وجه العبادة فعلوا كما فعل، وإذا خص مكانًا أو زمانًا بالعبادة فيه خصوه هم أيضًا بالعبادة، كما كان يخص مشاعر الحج مثل عرفة ومزدلفة /١٤أ/ ومنى، بما شرع فيها من العبادة، وقد قال لهم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فكانوا يقصدون أن يفعلوا كفعله.
وكذلك كان يقصد تخصيص المسجد الحرام، ومسجده، ومسجد قباء؛ فيخصونها، لكن مسجد قباء؛ لم يشرع السفر إليه، ولكن شرع إتيانه من القرب، كما قال: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ كَانَ لَهُ كَعُمْرَةٍ» .
وكذلك كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة في مكان من مسجده، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتحرى الصلاة فيه عند اسطوانة فيه.
[ ٤٧ ]
وكذلك يعظمون شهر رمضان، وعشر ذي الحجة، ويوم الجمعة، ونحو ذلك مما كان يخصه ﷺ بالتعظيم.
وما فعله على وجه الاتفاق، مثل سيره في طريق، وصلاته فيه إذا نزل، وصبّ ماء فضل معه في أصل تحت شجرة، - وكان ابن عمر ﵁ يحب أن يفعل كفعله، وأما أكثر الصحابة فلم يكونوا يقصدون ذلك؛ لأن المتابعة هي أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فلا بد أن نشاركه في القصد والنيّة فإنما الأعمال بالنيّات، فإذا قصد العبادة بالعمل، فقصدنا العبادة به؛ كنا مقتدين، متبعين، متأسين به، وأما إذا لم يقصد به العبادة، بل فعله على وجه الاتفاق لتيسره عليه، فإذا قصدنا العبادة به؛ لم نكن متبعين له - ومشي ناقته في الطريق، وصب ماء فضل من وضوئه في شجرة هناك، ونحو ذلك، هو لم يقصد به مكانًا معينًا بقصد العبادة بصبّ الماء /١٤ب/ في تلك الشجرة دون غيرها، أو قصد العبادة بمشي راحلته (١) في ذلك الجانب دون غيره، بل قصد أن يمس بالماء ما قرب منه من (٢) الشجر ولا يضيع، ففعل ما يسره الله له من الفعل، كما كان يأكل ما تيسر، ويلبس ما تيسر، فكان لا يعيب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وكان يأكل من تمر مدينته كالرطب، وأما ما لم يوجد فيها فلم يكن يأكله؛ لأنه لم يوجد ولو وجده لأكله، فاتباعه في ذلك أن يأكل الرجل من طعام بلده ما تيسر، لا يقصد من ليس ببلده رطب أن يأكل الرطب، فإن هذا ليس بمتابعة.
وهذا كما أمر أهل المدينة أن يخرجوا صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو
_________________
(١) تحرفت في المطبوع إلى: (رجليه) .
(٢) في الأصل: (في)، والتصويب من المحقق.
[ ٤٨ ]