مكروهٌ، أو مباحٌ؟ ولم يتنازعوا في السّفر إليها أنه ليس بمستحب، فإن المسافر إليها إنما يسافر لفعل ما هو منهي عنه من الشرك وغيره، ولهذا يسمونه حجًّا إليها، لا يسافر أحدٌ لمجرد الدعاء للميت، وإن قدّر أنه سافر لذلك فلا تقوم فضيلة الدعاء عند القبر بكلفة السفر الذي هو قطعة من العذاب، تفوت معه مصالح أنفع من ذلك، وهو /٢٠ب/ مظنة المفسدة.
بخلاف المساجد، فإن المسلمين متفقون على أنه يشرعُ إتيانُ المساجد من المكان القريب، وإتيانها إما فرض عين، وإما فرض كفاية، أو (١) مستحب، إذا كان يأتيها للعبادة الشرعية، كالصلاة المشروعة فيها، والاعتكاف، والقراءة، وتعلم العلم، وتعليمه، ومع هذا فلا يُشرع السفر إليها، بل الأئمة الأربعة وجمهور العلماء متفقون على أنه لو نذر السّفر إليها لم يوف بنذره؛ لأن في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (٢)» .
حتى نص عامة العلماء على أنه لو نذر السفر إلى مسجد قباء، لم يوف بنذره، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وأتباعهم، لكن فيه نزاع شاذ في مذهب مالك؛ لأنه نهى عن السفر إلى غير المساجد (٣) الثلاثة، وإنما يستحب إتيانه من قريب، مثل أن يكون بالمدينة، فيذهب إليه، كما ثبت في الصحيح عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكبًا، وماشيًا.
وكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويقوم في قباء يوم السبت؛ لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾
_________________
(١) في خ٢: (وإما) .
(٢) في خ٢: (والمسجد الأقصى ومسجدي هذا) .
(٣) (المساجد) ليست في خ٢.
[ ٦٢ ]
[التوبة: ١٠٨] //٤٧ب// وهذا يتناول مسجده، ومسجد قباء، ومسجده أحق بذلك من مسجد قباء.
كما ثبت في الصحيح أنه سُئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» أي: هو أحق بهذا الوصف /٢١أ/ من غيره، كما قال لأهل الكساء: علي، وفاطمة، وحسن، وحسين: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» أي: هم أحق بذلك من غيرهم، والحصر يكون حصرًا للكمال كما تقول: عبد الله العالم. وإلا فالقرآن يدلّ على أن مسجد قباء (١) أسس على التقوى، وعلى (٢) أن أزواجه من أهل بيته.
وإذا كانت المساجد التي يشرع إتيانها من غير سفر بالنص والإجماع لا يشرع السفر إليها، بل (٣) يجب إتيانها (٤)، فما لا يجب إتيانه (٥) بالاتفاق، وفي استحبابه نزاع، أولى أن لا يشرع السفر إليها. والجمهور على أن زيارة القبور المأذون فيها نوعان:
نوع يباح في حقّ الميت الكافر والمسلم، فهذا جائز، لما فيه من تذكر الآخرة، كما ثبت في الصحيح أنه قال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَ أُمِّي فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» .
_________________
(١) في خ٢: (أهل قباء) .
(٢) (على) ليست في خ٢.
(٣) أضاف المحقق هنا حرف (لا) النافي، ولا وجود له في الأصل ولا خ٢، والأولى عدم إثباته؛ فالمعنى مستقيم من دونه.
(٤) الضمير يعود على المساجد التي لا يشرع السفر إليها ولكن يجب إتيانها من قريب للصلوات المفروضة.
(٥) الضمير يعود على القبور، يعني زيارة القبور.
[ ٦٣ ]