اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] يتناول من يأتيه بعد الموت، فيطلب منه الاستغفار له، كما كان أصحابه يطلبون منه الاستغفار في حياته، وذكروا في ذلك حكاية لبعض الأعراب، ومنامًا (١) رآه العتبي، وقيل: بل رآه محمد بن حرب الهلالي، وهم مختلفون في الشعر المذكور فيها، فجمهور الأئمة لم يستحبوا ذلك، وإنما ذكره بعض أصحابهم، ولم يكن الصحابة يفعلون مثل هذا، ولا هو أيضًا معروف عن التابعين، ومعلوم أن كل واحد من المسلمين يطلب مغفرة الله، وهو مأمور بالاستغفار، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] .
وفي حديث الاستفتاح الذي في الصحيح عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، /٤٦ب/ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّهُ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، فَإِنَّه لَا يَصْرِفُ عَنِّي
_________________
(١) في الأصل: (منام)، والتصويب من المحقق.
[ ١١٢ ]
سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» .
وفي حديث ركوب الدابة الذي رواه أهل السنن عن علي بن أبي طالب أيضًا، عن النبي ﷺ أنه كان إذا أُتي بدابة ليركبها إذا وضع رجله في الركاب قال: «بِسْمِ اللَّهِ» ثم إذا استوى على ظهرها قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» ثلاثًا. ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ • وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣-١٤] ثم يكبر ثلاثًا، ويحمد الله ثلاثًا، ثم يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» ثم يضحك ويقول: «أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟ إِنَّ الرَّبَّ لَيَعْجَبُ إِذَا قَالَ عَبْدُهُ: اغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، يَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنَا» .
وكان أصحابه في حياته يأتيه أحدهم فيطلب منه أن يستغفر له كثيرًا، وقد قال تعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ • سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٥-٦] .
وقد قال تعالى في حق [غير] (١) المنافقين: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ /٤٧أ/ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
_________________
(١) إضافة من المحقق، وليست في الأصل.
[ ١١٣ ]