فهذا فرق من جهة انتفاء المصلحة.
وفرق آخر من جهة حصول المفسدة، وهو أن: لفظ الزيارة للقبور (١) قد صار في عرف النّاس متناولًا للزيارة الشرعية المأمور بها، والبدعية (٢) المنهي عنها، بل كثير منهم إذا أطلق زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إنما يفهم منها: الزيارة البدعية، المنهي عنها، كاتخاذ قبورهم مساجد، وأعيادًا، واتخاذ قبورهم أوثانًا، ومشابهة أهل الكتاب فيما لعنهم عليه النبي ﷺ، وفعل ما نهى عنه الرسول بقوله (٣): «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، /٣٤أ/ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رواه مسلم في صحيحه (٤)، وغيره.
ويقصدون الحج إلى قبورهم، واتخاذ ذلك نسكًا، والدُّعاء، والصلاة لهم، فمنهم من يسجد للقبر، ومنهم من يطلب منه كما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي وارحمني، وعامتهم يصلُّون عنده، ويطلبون منه الدعاء لهم، أو يدعون به، أو يشتكون إليه، ويطلبون منه قضاء الحاجة في الجملة، فيقول هذا (٥): أشكو إليك ذنوبًا (٦) أنت تعلمها، كأنه يخاطب ربّ العالمين، ويقول هذا: أشكو إليك دَيْني وعيالي، //١٥٦ب// وهذا يقول (٧): أشكو إليك الجدب، والقحط، ويقول هذا: أشكو إليك ظهور العدو، فيخاطبونه كما يخاطب ربّ العالمين، ويشتكون (٨) إليه ما لا يشتكى إلا إلى الله (٩)، كما قال يعقوب (١٠): ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكان عمر بن
_________________
(١) في خ٢: (لفظ الزيارة؛ زيارة القبر) .
(٢) في خ٢: (والزيارة البدعية) .
(٣) في خ٢ زيادة: (ﷺ) .
(٤) (في صحيحه) ليست في خ٢.
(٥) (هذا) ليست في خ٢.
(٦) في خ٢: (ديونًا) .
(٧) في خ٢: (ويقول هذا) .
(٨) في خ٢: (ويشكون) .
(٩) في خ٢ زيادة: (تعالى) .
(١٠) في خ٢ زيادة: (﵇) .
[ ٨٨ ]
الخطاب يقرؤها في الصلاة فيسمع (١) نشيجه من آخر الصفوف.
وقال موسى (٢): اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، [وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك] (٣) .
وفي دعاء النبي ﷺ يوم الطائف: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي» .
فالأنبياء، وأتباع الأنبياء، إنما كانوا يشتكون إلى الله، وله يدعون، ويتضرعون، وإليه يرغبون، وبهذا أمر الله رسوله (٤)، /٣٤ب/ قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ • وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧-٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] وقال تعالى عند خوفهم من العدو: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] وقال (٥) فيما يصيبهم من الضر: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] //١٥٧أ// وقال (٦): ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] وقال (٧): ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ (٨) مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ
_________________
(١) في خ٢: (وينتشج حتى يسمع) .
(٢) في خ٢ زيادة: (﵇) .
(٣) إضافة من خ٢.
(٤) في خ٢: (ورسوله) .
(٥) في خ٢ زيادة: (تعالى) .
(٦) في خ٢ زيادة: (تعالى) .
(٧) في خ٢: (وقد قال تعالى) .
(٨) في الأصل وخ٢: (أرأيتم) .
[ ٨٩ ]
هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] .
وقد بيّن الله (١) كفر النصارى وغيرهم، حيث شبهوا المخلوق بالخالق (٢)، ودعوا المخلوق كما يدعون الخالق، وبيّن أن من دعا المخلوق - وإن كان نبيًّا، أو ملكًا - فإنه دعا ما لا ينفع، ولا يضر، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ • لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ • أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ /٣٥أ/ غَفُورٌ رَحِيمٌ • مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ • قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٢-٧٦] .
فبين أن المسيح ﵇ لا يملك ضرًّا ولا نفعًا (٣) .
وقد قال الله لمحمد (٤): ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ //١٤٩ب// أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]، وقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ (٥) ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» .
_________________
(١) في خ٢ زيادة: (تعالى) .
(٢) في الأصل وتبعه المطبوع تقديم وتأخير: (شبهوا الخالق بالمخلوق)، وأثبت ما في خ٢.
(٣) زيد في المطبوع هنا عبارة: (إلا ما شاء الله)، وليست في الأصل ولا خ٢، فحذفتها.
(٤) في خ٢: (وقد قال الله تعالى لمحمد ﷺ) .
(٥) في خ٢ كتب الناسخ فوقها اسم: (عيسى) .
[ ٩٠ ]
ومن النّاس من عصى أمره، وغلا فيه (١)، فكفر بما جاء به، وبَرِئ منه وهو يحسب أنه يتبعه، كما ظنت النصارى أنهم يتبعون (٢) المسيح بغلوّهم فيه، وقد كفروا به، وبرئوا منه. فمن الناس من اعتقد في الرسول ما اعتقدته النصارى في عيسى (٣)، حتى صرحوا بأنه [هو] (٤) الله، وأنه يعلم كل ما يعلمه الله، ويقدر على كل ما يقدر الله عليه، وهذا قاله لي غير واحد من هؤلاء، وحكوه عن شيوخ لهم كبارٍ، وهم يَرَون هذا من علوم الأسرار التي لا يُطْلِعُون عليها إلا الخواص، وهم يعتقدون /٣٥ب/ هذا في شيوخهم أيضًا، وهؤلاء غير الغالين (٥) من الشيعة الذين يعتقدون الإلهية فيه، وفي علي [بن أبي طالب] (٦)، وطائفة من أهل بيته، ومنهم من يعتقد الإلهية في بني عبيد الله القداح، كالحاكم، وأمثاله. وثَم (٧) طائفةٌ من الشيوخ يعتقدون في العارفين الكمّل اتحاد الحقّ بهم، وأنه [تعالى] (٨) هو الذي يتكلم على ألسنتهم وأن الموحِّدَ هو الموحَّدُ، وينشدون:
ما وحّد الواحد من واحد إذ كل من وحّده جاحد
//١٥٠أ// توحيد من يخبر (٩) عن نعته عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد (١٠)
_________________
(١) في الأصل وتبعه المطبوع تقديم وتأخير: (ومن الناس من غلا فيه وعصى أمره)، ورأيت أن الأولى إثبات سياق خ٢.
(٢) في خ٢: (متبعون) .
(٣) في خ٢: (المسيح) .
(٤) إضافة من خ٢.
(٥) في خ٢: (الغالية) .
(٦) إضافة من خ٢.
(٧) في الأصل وتبعه المطبوع: (وغير)، والمثبت من خ٢.
(٨) إضافة من خ٢.
(٩) في الأصل وتبعه المطبوع: (يخبر)، وهي كذلك في خ٢ إلا أن الناسخ كتب فوقها (ينطق) . وقد وردت باللفظين في مصنفات أخرى لشيخ الإسلام ابن تيمية. ووردت في «منازل السائرين» للهروي (ص١٣٩) -وهو صاحب هذه الأبيات- بلفظ: (ينطق) .
(١٠) انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الأبيات في «منهاج السنة النبوية» ج٥/ص٣٧٠-٣٧٢.
[ ٩١ ]