قلت: فم الفرق بين تأويل هؤلاء الباطنية للقرآن؛ وتأويل القاديانية و(محمد عبده) ومن تَبِعَهُ لأحاديث النزول والدجال بذلك التأويل الباطل بداهة؟! وكيف سكت عليه السيد رشيد ﵀؛ بل تأول لهم تأويلًا جديدًا بأن الأحاديث نُقِلَت بالمعنى؟! وليت شعري! هل ذلك يستلزم رد ما صلح روايته عن الصحابة من المعاني فضلًا عما تواتر عنهم؟!
مثلًا: إذا تواتر عن الصحابة أن النبي - ﷺ - نهى عن شيء كلحوم الحمر الإنسية؛ فهذا رواية بالمعنى قطعًا، فهل يستلزم ذلك رد هذا المعنى الذين رووه من النهي بطريقٍ ما من طرق التأويل؛ بحيث يُعطل هذا النّهي ويصير كأنه لم يرد مطلقأً؟! اللهم! إن هذا لهو الضلال المبين، نسأل الله تعالى أن يحمينا منه.
وإليك مثالًا آخر من أمثلة التأويل الذي بُلِيَ به بعض الكتاب المعاصرين من الأزهريين: قال الشيخ (محمد فهيم أبو عبية) في تعليقه على «نهاية البداية والنهاية» (١/ ٧١):
«هل بقي عيسى ﵇ حتى الآن حيًّا؟ وسينزل إلى الأرض ليجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه؟ أم المراد بنزول عيسى هو انتصار دين الحق وانتشاره من جديد على أيدٍ مُخلِصةٍ تعمل على تخليص المجتمع الإنساني من الشرور والآثام؟ رأيان (!) ذهب إلى كل منهما فريق من العلماء (!).
وهذا هو ما يقال بالنسبة إلى المسيح الدجال: هل هو من لحم ودم ينشر الفساد ويهدد العباد، ويملك وسائل الترغيب والترهيب والإفساد؛ حتى يقيض
[ ١١ ]
له عيسى ﵇ فيقتله؟ أم إنه رمز لانتشار الشر، وشيوع الفتنة، وضعف نوازع الفضيلة، تهب عليه ريح الخير المرموز إليها بعيسى ﵇، فتذهبه وتقضي عليه، وتأخذ بيد الناس إلى محجة الخير ومنهج العدل والتدين»! (١).
قلت: ولا يكفي هذا الأزهري (الفهيم) بهذا التعطيل لنصوص السنة وتأويلها - على طريق الرمز الذي هو مذهب الباطنية الملحدة؛ كما سبق حكايته عن السيد رشيد رضا نفسه - بل إنه يوهم القراء بأن هذا التعطيل هو رأي لبعض العلماء يقابل الرأي الأول! والحقيقة أنه لم يقل به أحد ممن له ذكر بالعلم في أهل الحديث والسنة، وإنما قال به بعض الخوارج والمعتزلة من الفرق الضالة؛ قال القاضي عياض:
«في هذه الأحاديث حجة لأهل السنة في صحة وجود الدجال، وأنه شخص مُعَيَّنٌ يبتلي الله به العباد ويُقَدِّرُه على الأشياء؛ كحياء الميت الذي يقتله (فقرة ١٧ و١٨ - أبو أمامة، ١٨ - السياق)، وظهور الخصب، والأنهار والجنة والنار، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء فتمطر، والأرض فتنبت (الفقرات ١٩ - ٢١ أبو أمامة، ١٩ - ٢١ - السياق)، وكل ذلك بمشيئة الله، ثم يعجزه، فلا يقدر على قتل الرجل ولا غيره، ثم يبطل أمره، ويقتله عيسى ابن مريم، وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية؛ فأنكروا وجوده، وردوا الأحاديث الصحيحة»
_________________
(١) وذكر نحو هذا (ص ١٤٨)
[ ١٢ ]
قلت: وهذا هو بعينه ما فعله هذا الأزهري (الفهيم) وبعض شيوخه -تبعًا لسلفهم من الخوارج والمعتزلة؛ وأخيرًا القاديانية كما سبق - تارة بطريق التشكيك في صحة الأحاديث بزعم أنها آحاد -كما فعل الشيخ (محمود شلتوت) في بعض مقالاته؛ تبعا للشيخ (محمد عبده) كما سبق - وتارة بطريق التأويل والتعطيل كما فعل هذا (الفهيم)! وهو وإن كان اقتصر فى كلامه السابق على حكاية الرأيين - بزعمه- دون أن يحدد موقفه بوضوح منها؛ فإنه إنما فعل ذلك تمويها وتدليسا على القراء، وإعدادا لنفوسهم لتقبل ما سيرجحه هو فيما بعد! فاسمع إليه وهو يقول فى تعليقه على الفقرة الآتية (١٢ - أبو أمامة، ١٤ - السياق): «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»:
«اختلف العلماء فى الكتابة هنا: هل هى حقيقة؛ أم أنها كناية عن الأمارات الدالة على صاحبها؟ وأن القرأة معناها تلهم النفس المؤمنة بإشراقها ما يبصر الحقيقة دون امتراء ولعل هذا هو الأقرب وهو الأسلم» (١)!
هكذا قال هذا (الفهيم) متجاهلًا نص الإمام النووي وغيره على خلاف ترجيحه؛ قال الحافظ في «الفتح» (١٣/ ٨٥):
«قال النووي: الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة، جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال، فيظهر الله المؤمن عليها، ويخفيها عن من أراد شقاوته». قال الحافظ:
_________________
(١) وذكر نحوه (ص١٤٨)
[ ١٣ ]
«وحكى عياض خلافًا، وأن بعضهم قال: هي مجاز عن سمة الحدوث عليه، وهو مذهب ضعيف».
ثم لم يكتفي ذاك (الفهيم) بترجيحه لذلك التأويل الباطل؛ بل إنه يجزم به بعد عدة صفحات؛ فيقول (ص ١١٨):
«اختلاف ما روي من الأحاديث في مكان ظهور الدجال يشير إلى أن المقصود بالدجال الرمز إلى الشر واستعلائه )!
وهذا هو الذي جزم به في تصديره للكتاب؛ فقال: (ص ٩)
«ثم سرنا مع القائلين بأن ظهور المهدي ونزول عيسى ﵇ هما رمزان لانتصار الخير على الشر، وأن الدجال رمز لاستشراء الفتنة واستيلاء الضلال فترة من الزمان »!
قلت: وهذا (الفهيم) هو رئيس بعثة الأزهر الشريف بـ (لبنان)؛ كما طبع ذلك تحت اسمه على طُرَّة الكتاب.
ولقد أساء جدًا في تعليقه على الكتاب المذكور إلى مؤلفه من جهة؛ وإلى الحديث النبوي من جهة أخرى؛ مما يدل على جهله البالغ به! فإنه قطع بتضعيف أحاديث صحيحة؛ لعدم اتساع قلبه لها! ولم يسبقه إلى ذلك أحد من أهل العلم -كحديث الجساسة؛ انظر (ص ٦و٦٩و١٠١)، وقد رواه مسلم، وحديث المهدي (ص٣٧) - غير مبال بتصحيح المؤلف ابن كثير لبعضها (ص٤٢ و٤٣)؛ بل جزم بوضع حديث آخر رواه مسلم في «صحيحه» (ص٥٨ - ٥٩)!
[ ١٤ ]
أما إساءته إلى الكتاب والمؤلف؛ فهى أنه وضع فى صلب الكتاب عناوين من عنده دون أن ينبه على ذلك، وبعضها على خلاف طريقة المؤلف؛ باعتباره من أئمة الحديث الذين يئمنون بالنصوص المتعلقة بأشراط الساعة دون تأويل لها؛ كما يفعل المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، وهذا (الفهيم) قد أبان في تعليقاته المشار إليها؛ أنه سلك سبيلهم حذو القذة بالقذة، فها هو مثلًا قد وضع من عند نفسه عنوانًا في صلب الكتاب (ص١١٦):
«حديث يجب صرفه عن ظاهره»!
وضعه فوق حديث مسلم في قتل الدجال للمؤمن وإحياؤه إياه؛ (انظر فقرة ١٧و١٨ - أبو أمامة).
وعنوان آخر وضعه على الأحاديث الواردة في ابن الصياد بعضها في البخاري! فقال (ص١٠٤):
«مرويات مرفوضة؛ لأنها لا تصدق عقلًا، وليس بمعقول صدورها عن الرسول ﵇»
كأن الرسول عند هذا (الفهيم) ينبغي أن لا يتكلم بأمور غيبية لا مجال للعقل إلا أن يسلم بها، وعلى ذلك فالإيمان بالغيب الذي هو التصديق لا وجود لع في نفسه!!
ووضع عنوانًا على حديث تعذيب المصورين (٢/ ٥٠):
«عذاب المصورين المجسمين يوم القيامة»
[ ١٥ ]
وبالجملة؛ فهذه العناوين التى وضعها من عند نفسه فى ثنايا الكتاب؛ مع أنها تنافى الأمانة العلمية؛ فهى - فى الوقت نفسه - تدل على مبلغ علم هذا (الفهيم)، والخسارة التى لحقت بالناشرين للكتاب مادة ومعنى؛ حيث إن تعاليقه المذكورة قد غيرت معالم الكتاب، وجعلته بهذه العناوين والتعاليق كتابا آخر ليس هوو كتاب الحافظ بن كثير!
وليت أن تسلط هذا (الفهيم) على الكتاب وقف عند هذا الحد؛ فقد تعداه إلى أن حذف منه كثيرا من نصوصه وأحاديثه التى لم ترق لعقله الكبير! وذلك ما صرح به فى تصديره للكتاب؛ فقال (ص٥):
«بل إننا إضطررنا إلى أن نسقط بعص المروريات التى ضمنها المؤلف كتابه؛ لما حوت من معنى لا يتفق والعقل ولا يستق والدين»!
وإن القارئ لتعاليقه ليجد التنبيه - فى كثير من صفحات الكتاب- على أنه أسقط منها ما شاء دون أن يذكر نص المحذوف منه؛ ليكون القراء على علم به؛ كما تقتضيه الأمانة - هذا لو جاز الحذف! - من ذلك قوله (٢/ ٢٨٥):
«أسقطنا هنا مقاطع يستحى منها الحياء »!
وأعجب ما رأيته منه أنه حذف أربع صفحات كاملات بياضا فى المجدل الثانى! وهى الصفحات (٨٩ و٩٩ و١٠١ و١٠٢)!
وإنى -والله- لقد رأيت أنواعا مختلفه من مُدَّعى العلم فى هذا الزمان؛ فما رأيت مثل هذا (الفهيم) جرأة وجهلا وغرورًا! ولولا أنه كذلك؛ فقل لى
[ ١٦ ]