إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إلا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء: ١]، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) [الأحزاب: ٧٠ و٧١].
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار.
وبعد؛ فإنه لم يكن ليخطر فى بالى أن أتوجه يوما إلى تخصيص وقت ما
[ ٥ ]
لتأليف هذه الرسالة، ولكن الله ﵎ إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وذلك أننى فى أوائل جمادى الأولى سنة (١٣٩٣ هـ) وصل بى التحقيق لكتاب «الفتح الكبير فى ضم الزيادة إلى الجامع الصغير» - وفصله إلى كتابين: «صحيح الجامع الصغير ..»، و«ضعيف الجامع الصغير ..» - إلى حديث أبى أمامة البهلى - ﵁ - فى تحذير النبى - ﷺ - أمته من الدجال، ووصفه - ﷺ - إياه بما لم يصفه نبى قبله، وقتل عيسى - ﷺ - له فى (اللد) من فلسطين، وغير ذلك من الحقائق المتعلقة بمسيح الهدى ومسيح الضلالة، وبحكم التحقيق - الذى جريت عليه فى الكتابين المذكورين - اقتضى الأمر دراسة إيناد الحديث المشار إليه والنظر فيه، فوجدته ضعيفا لا يمكن الإعتماد عليه وحده؛ خصوصا فى مثل هذه الأمور الاعتقادية اليقينية، ولكننى تبينت - لأول نظرة ألقيتها على متنه - أن كثيرا منه صحيح ثابت فى «الصحيحين» وغيرهما من كتب السنة.
ولما كان من البدهى أنه لا يمكن بمجرد مثل هذه النظرة العاجلة أن أحكم بالصحة على الحديث بتمامه، وأن يورد بالتالى فى الكتاب الأول من الكتابين السابقين: «صحيح الجامع ..»؛ بل لا بد من إمعان النظر فى سائر فقراته؛ بل وألفاظه، وتتبعها فى بطون كتب السنة ومختلف الأحايث الواردة فيها؛ مما له علاقة قريبة أو بعيدة بعيسى - ﷺ - والدجال الأكبر لعنه الله تعالى، وما يتعلق بهما، ودراسة أسانيدها بتحقيق مطول على نحو ما جرينا عليه فى كتابينا: «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، و«سلسلة الأحاديث الضعيفة»؛
[ ٦ ]
حتى نستطيع فى النهاية من القطع بصحته كله أو جله، وبعد ذلك يورد فى «الصحيح» كلا أو جلا على ما انتهى إليه التحقيق.
فتوجهت الهمة لدراسة الحديث المذكور فقرة فقرة؛ بل ولفظة لفظة، وذكر الأحاديث المقوية لكل فقرة منها ما وجدت إلى ذلك سبيلا، وتخريجها كلها مع الكلام على أسانيدها تصحيحا وتضعيفا - وتتبع المتابعات والشواهد لها؛ مما يساعدنا على تخليص ما أمكن من فقراته من الضعف الملازم لها من قبل ذات الإسناد، والذى روى به من حديث أبى أمامة - ﵁ - المشار إليه.
فتبين لى بعد هذه الدراسة الدقيقة أن الحديث بجميع فقراته - إلا قليلا منها - هو من الصحيح لغيره؛ بل إن كثيرا منها من قبيل المتواتر المقطوع ثبوته عن رسول الله - ﷺ -؛ ومن ذلك ما يتعلق بخروج الدجال الأعور، ونزل عيسى ﵇ من السماء، وقتله إياه.
ولقد كان طبيعيا جدا أن أجد فى تلك الأحاديث التى خرجتها من الفوائد المتعلقة بعيسى ﵇ والدجال الأعور -
مما لم يرد فى حديث أبى أمامة مطلقا - الشئ الكثير؛ لا سيما وقد بلغ عدد الأحاديث قريبا من ثلاثين حديثا؛ عن أكثر من عشرين صحابيا، للحديث عن بعضهم أكثر من طريق واحد، وبخاصة حديث أبى هريرة؛ فقد استخرجت له وحده عشر طرق، وفى كل طريق منها أحايانا ما ليس فى الطريق الأخرى من الفوائد والزيادات.
[ ٧ ]
ولذلك؛ فإنى بعد أن انتهيت من دراسة الحديث وفقراته، وتخريج شواهدها من الأحاديث المشارة إليها، وأودعته فى كتابى «سلسلة الأحاديث الصحيحة» برقم (٢٤٥٧)؛ فقد بدت لى فكرة جميلة؛ ألا وهى تتبع تلك الفوائد المشار إليها، وضمها إلى مواطنها المناسبة لها فى حديث أبى أمامة - ﵁ -، وسياقها معه سياقا واحدا؛ على النحو الذى كنت جريت عليه فى كتابى «حجة النبى - ﷺ - كما رواها جابر - ﵁ -»؛ مع اختلاف جوهرى بين الحديثين؛ تتبعتها ووضعت كل زيادة صحيحة فى المكان المناسب لسياق حديثه - ﵁ - من رواية مسلم عن أبى جعفر الباقر عنه.
وأما حديث أبى أمامة ﵁؛ فقد ضممت إليه ما صح عن غيره من الصحابة ﵃، وقد تجاوز عددهم العشرين صحابيا؛ كما سبقت الإشارة إليه.
ولم تزل تراودنى تلك الفكرة، وأجيلها فى ذهنى المرة بعد المرة، حتى تمكنت من نفسى، وحملتنى حملا على إخراجها إلى حيز الوجود؛ لما تبين لى أهميتها، وضرورة عرضها على الناس فى هذا السياق البديع الذى يسهل تناوله على الناس جميعا -على اختلاف ثقافاتهم ومراتبهم- ويقرب لهم شتات ما تفرق فى الأحاديث من الفوائد التى لا يمكن لأكثر الخاصة استخراجها منها؛ فضلا عن عامتهم.
[ ٨ ]