يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١) ومرتكب الكبيرة ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.
وكما أن أهل السنة وسط في صحابة رسول الله - ﷺ -: يقولون: أصحاب رسول الله - ﷺ - كلهم عدول، ولا يُبرئونهم من الذنوب التي هي دون الكفر؛ لكن لهم من الحسنات ما يُغطّيها، ويُنزلونهم منازلهم التي أنزلهم الله إيَّاها ورسوله - ﷺ -، فلا يَغلون في علي، ولا يكفِّرون أبا بكر وعمر، ويحبّونهم، ولا يضلّلون عليًّا ومعاوية، بل إن أفضل الأمة، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي (٢).
قال الطحاوي ﵀: «ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلّه (٣)، ولا نقول: لا يضرّ مع الإيمان ذنب لمن عمله، ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم، والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة» (٤).
وقال الطحاوي أيضًا: «نُسمّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١٢٤.
(٢) الأجوبة المفيدة على أسئلة العقيدة، ص٦٠.
(٣) يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب، وإلا فقد امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج.
(٤) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٥٥.
[ ٥٣ ]
بما جاء به النبي - ﷺ - معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين»، قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا» (١).
ويشير الشيخ ﵀ بهذا الكلام إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحلّه، والمراد بقوله أهل قبلتنا: من يدَّعي الإسلام ويستقبل الكعبة، وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي، ما لم يُكذِّب بشيء مما جاء به الرسول - ﷺ - (٢)، وأهل السنة متفقون أن مرتكب الكبيرة لا يَكْفُر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، إذ لو كَفَر كفرًا ينقل عن الملّة، لكان مرتدًّا يُقْتَلُ على كل حال، ولا يُقبل عفو ولي القصاص، ولا تُجْرى الحدود في الزنا، والسرقة وشرب الخمر.
وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام، ومُتَفقون على أنَّه لا يُخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحقّ الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة (٣).
أما من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب: كالزنا، أو شرب الخمر، أو أكل الربا، أو قتل النفس التي حرّم الله بغير حقّ، مستحلًاّ لذلك فإنه يكفر بإجماع المسلمين، فمن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالزنا أو
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة، برقم ٣٩١، ٣٩٣.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص٣٥٠، الطبعة الرابعة، بتحقيق جماعة من العلماء.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٦٠ - ٣٦١.
[ ٥٤ ]