والبدعة في الاصطلاح الشرعي لها عدة تعريفات عند العلماء يكمل بعضها بعضًا، ومنها:
(أ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «البدعة في الدين: هي ما لم يشرعه الله ورسوله - ﷺ -: وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب» (١).
«والبدع نوعان: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمن الأول، كما أن الأول يدعو إلى الثاني» (٢). «وكان الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم: أن الأعمال عبادات وعادات»، فالأصل في العبادات أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أنه لا يحظر منها إلا ما حظر الله (٣).
وقال أيضًا: «والبدعة ما خالف الكتاب والسنة، أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات: كأقوال الخوارج، والروافض، والقدرية، والجهمية، وكالذين يتعبَّدون بالرّقص والغناء في المساجد، والذين يتعبّدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة، والله أعلم» (٤).
(ب) وقال الشاطبي رحمه الله تعالى: «البدعة: طريقة في الدين مخترعة،
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية، ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٢) فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٣٠٦.
(٣) فتاوى ابن تيمية، ٤/ ١٩٦.
(٤) فتاوى ابن تيمية، ١٨/ ٣٤٦، وانظر: المرجع نفسه، ٣٥/ ٤١٤.
[ ٤٦ ]
تضاهي الشرعيّة، يُقصدُ بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه».
وهذا على رأي من لا يُدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصُّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال الاعتياديَّة في معنى البدعة، فيقول: «البدعة: طريقة في الدين مخترعةٌ، تُضاهي الشرعيّة، يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية» (١).
ثم قرّر رحمه الله تعالى على تعريفه الثاني أن العادات من حيث هي معتادة لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبّد بها، أو تُوضع وضع التعبُّد تدخلها البدعة، فحصل بذلك أنه جمع بين التعريفين، ومثّل للأمور المعتادة التي لا بد فيها من التعبُّد: بالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، والإجارات، والجنايات ؛ لأنها مقيدة بأمور وشروط وضوابط شرعية لا خيرة للمكلف فيها (٢).
(ج) وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: (٣) «والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً، فكلّ من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة، أما ما وقع في كلام السلف من
_________________
(١) الاعتصام لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، ١/ ٥٠ - ٥٦.
(٢) الاعتصام لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، ٢/ ٥٦٨، ٥٦٩، ٥٧٠، ٥٩٤.
(٣) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١٢٧ - ١٢٨ بتصرف يسير جدًا.
[ ٤٧ ]
استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر - ﵁ - لمّا جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك قال: «نعمت البدعة هذه» (١)، ومراده - ﵁ - أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي - ﷺ - كان يحثّ على قيام رمضان، ويُرغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقة ووحدانًا، وهو - ﷺ - صلَّى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك مُعلِّلًا، بأنه خشي أن يُكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمِنَ بعده - ﷺ - (٢) ومنها: أنه - ﷺ - أمر باتّباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين (٣).