٢١ - قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها، وبلّغها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفْقَهُ منه، ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم» (١).
فقد دعا النبي - ﷺ - بالبهجة ونضارة الوجه والحُسن الذي يُكسى به الوجه من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به، وفرح القلب وسروره به، وَالْتِذَاذِهِ لمن سمع كلامه، ووعاه، وحفظه، وبلّغه غيره، فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمّنة لجمال الباطن والظاهر (٢).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: «وقوله: - ﷺ -: «ثلاث لا يغِلُّ عليهن قلب مسلم » أي لا يحمل الغِلَّ، ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب، وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصهُ يمنعُ غِلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جُملةً؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبقَ فيه موضع للغش.
وقوله - ﷺ -: «ومناصحة أئمة المسلمين » هذا أيضًا منافٍ للغل
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، برقم ٢٦٥٨، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلّغ علمًا، برقم ٢٣٠، وفي كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، برقم ٣٠٥٦، وأحمد، ١/ ٤٣٧، وصححه الألباني صحيح الجامع، برقم ٦٧٦٦.
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٢٧٤، و٢٧٦ بتحقيق علي بن حسن بن عبد الحميد.
[ ١٥ ]
والغش؛ فإن النصيحة لا تجامع الغلَّ، إذ هي ضدُّهُ، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برئ من الغل.
وقوله - ﷺ -: «ولزوم جماعتهم » هذا أيضًا مما يُطَهِّر القلب من الغلِّ والغشِّ، فإن صاحبه - للزومه جماعة المسلمين - يُحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكرَهُ لها، ويسوؤهُ ما يسوؤهم، ويسرّه ما يسرّهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم والعيب والذّمِّ، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم؛ فإن قلوبهم مُمتلئةٌ غِلًاّ وغِشًَّا؛ ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشَّهم للأئمة والأُمَّة، وأشدَّهم بُعدًا عن جماعة المسلمين.
وقوله - ﷺ -: «فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم » هذا من أحسن الكلام وأوجزه، وأفخمه معنىً، شبَّه دعوة المسلمين بالسور والسِّياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوِّهم عليهم، فتلك الدعوة التي هي دعوةُ الإسلام - وهم داخلوها - لَمّا كانت سورًا وسياجًا عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام كما أحاطت بهم، فالدعوةُ تجمع شمل الأمة، وتلمُّ شَعَثَها، وتحيط بها، فمن دخل جماعتها أحاطت به وشَمِلَتْهُ» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكّدة، كما تجب عليه
_________________
(١) مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٢٧٥ - ٢٧٨ بتصرف يسير.
[ ١٦ ]
الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، وحج البيت، وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة، فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيدًا وتثبيتًا لِمَا أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه، فكيف إذا حلف عليه، وما نهى الله ورسوله - ﷺ - عن معصيتهم وغشهم محرم، وإن لم يحلف على ذلك» (١).
والنصيحة لولاة الأمر تكون سرًّا بين الناصح وبينهم: برفقٍ ولينٍ، وحكمةٍ وموعظةٍ حسنة، وأسلوبٍ مناسب.
٢٢ - فعن عياض بن غنم أنه قال لهشام بن حكيم ﵄: ألم تسمع بقول رسول الله - ﷺ -: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يُبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه» (٢).
٢٣ - وعن تميم الداري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «الدِّينُ النصيحة» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم» (٣).
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ٩ - ١٠.
(٢) أخرجه عمرو بن أبي عاصم في كتابه: كتاب السنة، ٢/ ٥٢١، وأخرجه أحمد، ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤، والحاكم، ٣/ ٢٩٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه أحمد ورجاله ثقات»، ٥/ ٢٢٩. وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة، ٢/ ٥٢١.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، برقم ٥٥، والحديث أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة»، ص ٣٥، ط بيت الأفكار الدولية.
[ ١٧ ]
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «أما النصيحة لأئمة المسلمين: فحبُّ صلاحهم ورُشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله - ﷿ -، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحبّ إعزازهم في طاعة الله - ﷿ -» (١). وقال في موضع آخر: «والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفقٍ ولطفٍ، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك» (٢).
وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: «وأما النصيحة لأئمة المسلمين: وهم ولاتهم من السلطان الأعظم إلى الأمير إلى القاضي، فهؤلاء لمّا كانت مهماتهم وواجباتهم أعظمَ من غيرهم، وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم، وذلك باعتقاد إمامتهم، والاعتراف بولايتهم، ووجوب طاعتهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم، وحث الرعية على طاعتهم، ولزوم أمرهم الذي لا يخالف أمر الله ورسوله - ﷺ -، وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم،
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، ١/ ٢٢٢.
(٢) جامع العلوم والحكم، ١/ ٢٢٣، وانظر: كلمات تكتب بماء الذهب في طاعة ولاة أمور المسلمين: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٩٠ - ٣٩١، ومنهاج السنة النبوية، ٣/ ٣٩٠، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٦٢، والجامع الفريد من كتب ورسائل أئمة الدعوة الإسلامية، ص٢٨١، والعقيدة الطحاوية، ص٣٦٨.
[ ١٨ ]
وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم، كل أحد بحسب حاله، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق؛ فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم، واجتناب سبِّهم، والقدح فيهم، وإشاعة مثالبهم؛ فإن في ذلك شرًّا، وضررًا، وفسادًا كبيرًا.
فمن نصيحتهم الحذر والتحذير من ذلك، وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرًّا لا علنًا، بلطفٍ وعبارة تليق بالمقام، ويحصل بها المقصود؛ فإن هذا هو المطلوب في حق كل أحد، وبالأخص ولاة الأمور؛ فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص، واحذر أيها الناصح لهم - على هذا الوجه المحمود - أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس فتقول لهم: إني نصحتهم، وقلت وقلت؛ فإن هذا عنوان الرياء، وعلامة ضعف الإخلاص، وفيه أضرار أُخر معروفة» (١).
٢٤ - وعن زياد بن كُسيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب، وعليه ثياب رقاق، فقال: أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفُسّاق، فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله» (٢)، ولفظ الإمام أحمد بدون ذكر القصة: «من أكرم سلطان الله ﵎ في الدنيا
_________________
(١) الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، ص٣٨ - ٤٩.
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب ٤٧، برقم ٢٢٢٤، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢٢٩٧، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٤٥.
[ ١٩ ]
أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله ﵎ في الدنيا أهانه الله يوم القيامة» (١)؛ ولهذا قال سهل بن عبد الله التستري ﵀: «لا يزال الناس بخير ما عظَّموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفّوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم» (٢).
٢٥ - وقيل لأسامة بن زيد ﵄: لو أتيت فلانًا (٣) فكلَّمته، قال: «إنكم لترون أني لا أُكلِّمُه إلا أُسْمِعُكم، إني أُكلِّمه في السِّر [وفي رواية لمسلم: والله لقد كلَّمته فيما بيني وبينه] دون أن أفتح بابًا لا أكون أول من فتحه » (٤).
فقد استخدم أسامة - ﵁ - أسلوب الحكمة مع الأمير العظيم عثمان - ﵁ - وأرضاه؛ لِأَنَّ النصيحة لولي أمر المسلمين لا بد فيها من مراعاة مركزه، وحاله؛ لأن إنزال الناس منازلهم من صميم الحِكمة؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وفي الحديث تعظيم الأمراء، والأدب معهم، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم (٥)؛ ليكفُّوا ويأخذوا حذرهم بلطفٍ،
_________________
(١) أحمد، ٥/ ٤٨ - ٤٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥/ ٢١٥: رواه أحمد والطبراني باختصار، وزاد في أوله: «الإمام ظل الله في الأرض »، ورجال أحمد ثقات». وحسنه الألباني كما تقدم، وفي صحيح الجامع، برقم ٥٩٨٧.
(٢) تفسير القرطبي، ٥/ ٢٦٢.
(٣) هو عثمان بن عفان - ﵁ -، كما في رواية الإمام مسلم، برقم ٢٩٨٩.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، برقم ٣٢٦٧،ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، برقم، ٢٩٨٩.
(٥) وليس المراد تبليغهم ما يقول الناس فيهم على وجه النميمة والإفساد.
[ ٢٠ ]