فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحقّ (١).
ب- أما موقف الشعب (المحكومين) من المضلَّلين والجاهلين، فليس أمام المسلم من أفراد الشعب إلا الدعوة، بالحكمة، والموعظة الحسنة، ومجادلة هؤلاء العصاة، والمضلّلين بإقامة الحجة عليهم، حتى يفصح هؤلاء عن واقعهم، ويقرّروا الصلاحية للإسلام الذي أعلنوا تبعيتهم له، أو يتّضح إصرارهم على الضلال، وادِّعاء عدم صلاحية الإسلام؛ ليسهل الحكم عليهم بالردة عنه؛ لأن المسلم والحال هذه لا يملك أن يطلق الحكم بالكفر على هؤلاء جملة، بل يكون الحكم لكل فرد حسب ما أفصح عنه عمله، واستبان به أمره من خلال أحواله، وأقواله، وأعماله؛ لأن الإسلام لم يأمر بالبحث عمّا في نفوس الناس، وليس لأحد سلطة حرمان أحد من جنة الله، أو الحكم عليه بالكفر كوسيلة لسحله، أو جرده، أو طرده، وحرمانه فعن أبي سعيد - ﵁ - قال: بعث علي - ﵁ - وهو باليمن بذُهيبة إلى النبي - ﷺ - فقسمها بين أربعة، فقال رجل: اتق الله، فقال النبي - ﷺ -: «ويلك ألست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله»؟، ثم ولَّى الرجل فقال خالد - ﵁ -: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: «لا. لعله أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال النبي - ﷺ -: «إني لم أُومر أن أُنقّب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾، برقم ٢٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ..، برقم ٢٠.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٤/ ١٤٤.
[ ٦٥ ]
وهذا الذي اعترض على حكم النبي - ﷺ - في القسمة لم يقبل رسول الله - ﷺ - أن يقيم عليه حدّ الرّدّة، وهو القتل لاحتمال أن يكون ممن يُصلِّي، وبالتالي تشهد له الصلاة بالإيمان. ولما قال خالد - ﵁ -: كم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، ردّنا النبي - ﷺ - إلى القاعدة الذهبيَّة، وهي الأخذ بالظَّاهر؛ لأنّ الله تعالى لم يأمر بشقّ بطون الناس حتى يعلم حقيقة ما في قلوبهم ونواياهم، بل أمره بالأخذ بالظاهر، وترك ما عداه لحساب الآخرة؛ لأن الله هو الذي يعلم السرائر وما في القلوب (١)، وهذا ما لم يظهر منه ما يناقض الإسلام.
_________________
(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٦٩، والحكم وقضية تكفير المسلم، ص١٨٦.
[ ٦٦ ]