قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) انظر: تفسير الإمام ابن جرير الطبري،٨/ ٤٩٧،وتفسير القرطبي،٥/ ٢٦١،وتفسير ابن كثير، ١/ ٥١٩،وفتاوى ابن تيمية،١١/ ٥٥١،و٢٨/ ٧٠،والضوء المنير على التفسير،٢/ ٢٣٤ - ٢٥١.
[ ٥ ]
ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق» (١).
ولا شك أن الولاية مهمة عظيمة وأمانة كبيرة؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلتَ إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها» (٢)؛ ولهذه الأهمية العظيمة قال النبي - ﷺ -: «إنَّا والله لا نولّي على هذا العمل أَحَدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه» (٣)، وقال - ﷺ - لأبي ذر حينما قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكب أبي ذر ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها» (٤)، وهذا يؤكّد وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين وإعانتهم على هذا الأمر العظيم طاعة لله تعالى؛ لأن عليهم حملًا عظيمًا وأمانة عظيمة.
٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ١٦ - ١٧، وانظر خلاصة ما قاله ﵀ في طاعة ولاة الأمر والإحالة على ذلك في الفتاوى، ٣٧/ ١٧٠.
(٢) البخاري، كتاب: الإيمان والنذور، باب ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، برقم ٦٦٢٢، ومسلم في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، برقم ١٦٥٢.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، برقم ٧١٤٩، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، برقم ١٧٣٣.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، برقم ١٨٢٥.
[ ٦ ]
عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (١).
٣ - وعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عليك السّمعُ والطّاعةُ في عُسْرِك، ويُسرِك، ومَنشطك ومَكرهك (٢)، وأثرةٍ (٣) عليكَ» (٤).
٤ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال: «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مجدع الأطراف» (٥).
٥ - وعن أم الحصين ﵂ قالت سمعت النبي - ﷺ - يخطب في حجة الوداع وهو يقول: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله
_________________
(١) البخاري، كتاب الأحكام: باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾،برقم ٧١٣٧، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، برقم ١٨٣٥.
(٢) «في عُسرك ويسرك»، قال العلماء: تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية، فإن كانت المعصية فلا سمع ولا طاعة كما صرح به - ﷺ - في الأحاديث الباقية، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» شرح الإمام النووي، ١٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٣) «وأثرة عليك» والمعنى الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم، أي: اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم. شرح النووي، ١٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦، وقال النووي رحمه الله تعالى: «وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم»، شرح النووي، ١٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله وتحريمها في المعصية، برقم ١٨٣٦.
(٥) مسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٨٣٧.
[ ٧ ]
فاسمعوا له وأطيعوا» (١).
٦ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ وكره، إلا أن يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٢)،.
٧ - وقال النبي - ﷺ -: «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف» (٣).
٨ - وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: دعانا رسول الله - ﷺ - فبايعناه فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة: في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله (٤).
قال: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (٥).
٩ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها ستكون بعدي أثرةٌ وأمورٌ تنكرونها»،قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منّا ذلك؟ قال: «تُؤدّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٨٣٨.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، برقم ٧١٤٤، ومسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٨٣٩.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، برقم ٧٢٥٧، ومسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٨٤٠.
(٤) وفي رواية لمسلم «.. وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». مسلم، برقم ١٧٠٩.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب: الفتن، باب «سترون بعدي أمورًا تنكرونها»، برقم ٧٠٥٦، ومسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٧٠٩/ ٤٢.
(٦) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٦٠٣، ومسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، برقم ١٨٤٣.
[ ٨ ]
١٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في حديثه الطويل يرفعه: « فمن أحبَّ أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منَّيتُهُ وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحبّ أن يُؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» (١).
١١ - وعن حذيفة - ﵁ - يرفعه: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بِهُدَاي ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمعُ وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع» (٢).
١٢ - وعن العرباض بن سارية - ﵁ - قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظةً وَجِلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصِنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبدٌ؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، برقم ١٨٤٤.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، برقم ١٨٤٧/ ٥٢.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، برقم ٤٦٠٧، والترمذي في كتاب العلم، باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، برقم ٢٦٧٦، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، برقم ٤٢، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٥٤٩.
[ ٩ ]
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «أما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد أمر به - ﷺ -، من طاعة الأمراء في غير معصية الله، ومناصحتهم، والصبر عليهم في حكمهم، وقسمهم، والغزو معهم، والصلاة خلفهم، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلاَّ هُم؛ فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك، مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان» (٢).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١١٧.
(٢) فتاوى شيخ الإسلام، ٣٥/ ٢٠ - ٢١.
[ ١٠ ]