إن العبودية: هي المهمة العظيمة والغاية الجليلة التي خلق الله تعالى المكلفين من الثقلين من أجلها، فالله تعالى خلقهم ليعبدوا وهو غني عنهم غنى تام، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًّا.
كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) «أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - ﵁-: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) «أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا»، وهذا اختيار ابن جرير.
وقال ابن جُرَيْج: «إلا ليعرفون».
وقال الربيع بن أنس: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي: «إلا للعبادة» (^١).
وقال القرطبي﵀-: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (^٢).
«قال علي بن أبي طالب - ﵁-: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي: إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله ﷿ (وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِدًا) [التوبة: ٣١].
وقال مجاهد: «إلا ليعرفوني».
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٥)
(٢) تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٥٦). الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٢٠ جزءا (في ١٠ مجلدات).
[ ٢٤ ]
وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرفوا وجوده وتوحيده، و«قيل: معناه إلا ليخضعوا إليّ ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.
وقيل: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء،
وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله ﷿: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [العنكبوت: ٦٥] (^١).
قال القرطبي﵀-: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (^٢).