إن المتأمل في القرآن الكريم من أوله إلى آخره يتجلى له محوره الرئيس هو قضية تحقيق التوحيد وتقرير العبودية التي خلق الله من أجلها الجن والإنس، كما قال ربنا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]. ويتجلى له أن الله سبحانه لم
_________________
(١) الفوائد (ص: ١٨٣).
(٢) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص: ٣٢).
[ ٢١ ]
يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم سدى، كما قال جل في: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: ١١٥]، وكما قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) (الإنسان: ٣٦).
والمتأمل في مطلع فاتحة الكتاب يتضح له جليًا أمر تحقيق التوحيد وتقرير العبودية وذلك في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥)، ثم إن المتتبع لسور القرآن كلها يراها تقرر هذا الأصل العظيم بوضوح وجلاء، وذلك من أول الأوامر الواردة في القرآن في قوله تعالى في أوائل سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (البقرة: من آية: ٢١)، وبأول النواهي في المحذرة من الشرك المنافي للتوحيد بعدها مباشرة في سورة البقرة - كذلك - في قوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) (البقرة: من آية: ٢٢) وانتهاءً بسورتي الإخلاص "الكافرون والإخلاص" وختام القرآن بـ"المعوذتين".
يرى تقرير العبودية في القرآن الكريم واضحًا جليًا في كل سور القرآن وآياته.
ومن هنا يتبين أن بيان تقرير العبودية لله هو المحور الرئيس في القرآن الكريم.