اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف مناصبهم. (^٢)
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: (فَاصْبِرْ كما صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) [الأحقاف: ٣٥] (^٣)
_________________
(١) - تفسير ابن سعدي: (٢/ ٢٠٠).
(٢) - تفسير الفخر الرازي: (٨/ ١٩).
(٣) - أولو العزم أي: أصحاب القوة في الدين والثبات عليه، والعزم في تبليغ دين الله لعباده والصبر عل ذلك، ولا نعلم نصًا صريحًا بتسميتهم بأولي العزم إلا ما دلل عليه بعض المفسرين حول الآيات التي ذُكِرُوا فيها. والله أعلم. والمشهور عند أهل التفسير أنهم خمسة وهم: الذين ذكرهم الله في سورة الأحزاب في قوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب: ٧] وذكرهم أيضًا في الشورى في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) [الشورى: ١٣] وبعض المفسرين يرى أن الرسل كلهم أولو عزم وأن (مِن) في قوله تعالى: (مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: ٣٥] بيانية وليست تبعيضية، ومنهم من يرى غير ذلك. ولمن أراد البحث المستفيض فالأقوال مبسوطة في مظانها عند أهل التفسير فليرجع إليها، والله تعالى أعلم. الباحث.
[ ٣٨ ]
وقال الله في حق أول رسله لأهل الأرض وهو نوح ﵇: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) [القمر: ٩]، فشرفه بعبوديته له سبحانه.
وقال في وصف عبوديته وإيمانه: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ٨١]،
وقال في وصف عبوديته وشكره: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء: ٣]،
وقال في حقه وحق لوط واصفًا عبوديتهما وصلاحهما ﵉:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ([التحريم: ١٠].
وفي وصف أبي الأنبياء وخليل الرحمن قال تعالى: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ٨١]، وقال في وصفه أيضًا ووصف بعض النبيين من ذريته: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْراهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الأيْدِى وَالأبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مّنَ الأخْيَارِ) [ص: ٤٥ - ٤٨].
وقال في وصف كليمه موسى بن عمران ووصف أخيه هارون: (إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ١٢٢].
وقال في وصف بيان أول ما نطق به عيسى ابن مريم ﵇ في المهد أنه: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) [مريم: ٣٠]، وقال عنه أيضًا: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ) [النساء: ١٧٢].
وقال في حقه أيضًا: (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ) [الزخرف: ٥٩].
"فجعل غايته العبودية لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى. " (^١)