والصراط (٢) منصوب على متن جهنم، يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو، ومنهم من يمشي شيئًا، ومنهم من يزحف ويخطف، ويلقى في جهنم.
والجسر عليه كلاليب، تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر عن الصراط دخل الجنة، وإذا عبروا وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص بعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ، وأول من يدخل الجنة أمته ﷺ (٣) والجنة والنار مخلوقتان اليوم، باقيتان (٤) ولا يفنى أهلهما، لقوله تعالى في حق
_________________
(١) انظر لـ " الحوض وصفته " صحيح البخاري (١١ / ٤٦٣ فتح الباري) " وشرح الطحاوية " (ص ٢٥٠ - ٢٥٢) و" لوامع الأنوار " (٢ / ١٩٤) فما بعدها.
(٢) انظر: " صحيح البخاري " (١١ / ٤٤٤ فتح الباري) و" شرح الطحاوية " (ص ٤٦٩) . و" لوامع الأنوار " (٢ / ١٨٩) فما بعدها.
(٣) من بداية هذا الفصل إلى هذه العلامة في " العقيدة الواسطية " (ص ١٤) بنصه. وانظر " لوامع الأنوار البهية " (٢ / ٢٧١ - ٢٧٦) بشأن فضل أمته ﷺ.
(٤) انظر " شرح الطحاوية " (ص ٤٧٦ - ٤٨٨) و" كشف الأستار في الرد على القائلين بفناء النار " للصنعاني بتحقيق الشيخ الألباني.
[ ١٢٨ ]
الفريقين:. . ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] والأصح (١) أن الجنة في السماء، وجهنم في الأرض، ولم يصرح بتعيين مكانهما، بل حيث شاء الله تعالى.
والجنة دار أوليائه، والنار عقابه لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون، والمجرمون في عذاب جهنم: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] وقد خلقت الجنة وما فيها، وخلقت النار وما فيها، خلقهما الله ﷿ قبل القيامة، وخلق لكل منهما خلقًا، ولا يفنيان أبدا.
فإن احتج مبتدع أو زنديق، بقول الله ﷿:. . ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أو نحو هذا من متشابه القرآن قيل له: "كل شيء مما كتب عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء والهلاك، وهما من الآخرة لا من الدنيا والحور العين لا تمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدًا، لأن الله تعالى خلقهن للبقاء، لا للفناء، ولم يكتب عليهن الموت، فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع، ضل عن سواء السبيل (٢) .
_________________
(١) الذي حققه ابن القيم في "حادي الأرواح " (ص ٦٦) أن الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين واستدل بقوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٣- ١٥] . وقال: وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء وسميت بذلك لأنها ينتهى إليها ما ينزل من عند الله فيقبض منها وما يصعد إليه فيقبض منها وكما استدل بقوله ﷺ: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" وهذا يدل على أنها في غاية العلو. وانظر حادي الأرواح لتمام أدلته والآثار التي استدل بها عن السلف.
(٢) من قوله: "فإن احتج مبتدع" إلى هذا الموضع بِنصِّه في "السنة" لأحمد (ص ٧٤) .
[ ١٢٩ ]