وقد جمع الشيخ محمد بن ناصر الحازمي في رسالته (٨) ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباعهم وأئمة الحديث والأئمة الأربعة وعلماء الشافعية والحنفية والمالكية والأشاعرة والمفسرين وغيرهم، في مسألة علو الرب على خلقه، وكونه على العرش فوق [سماواته] (٩) وليس ذكرها ههنا بالتمام من مرادنا، فنؤمن بذلك، ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، وإن نَبَتْ (١٠) عنها أسماع بعض الجاهلين المقصرين، واستوحشت منها نفوس المتكلمين المعطلين.
_________________
(١) وهو ابن عمر بن عبد الله بن جميل بن عامر الجمحي ثقة ثبت مات (سنة ١٦٩ هـ) . تقريب.
(٢) واسمه: عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة أدرك ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ثقة فقيه مات (سنة ١١٧ هـ)، تقريب.
(٣) رواه الدارمي في رده على المريسي (ص ١٢٢) ح ٥٨ بتحقيقي، والأثر صحيح.
(٤) وهو الصحابي الجليل عبد الله بن أمير المؤمنين الخليفة الثاني لرسول الله ﷺ عمر ﵄ أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة مات (سنة ٧٣ هـ)، انظر التقريب.
(٥) وهو الصحابي الجليل عبد الله ابن عم رسول الله ﷺ العباس دعا له الرسول ﷺ بالفهم في القرآن فكان يسمى بالبحر والحبْر لسعة علمه وهو أحد العبادلة وأحد المكثرين من الصحابة مات (سنة ٦٨ هـ)، انظر التقريب.
(٦) جاء هذا مرفوعًا عن ابن عمر ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين، الحديث " أخرجه ابن أبي عاصم في " السنّة " (١٠٦) والآجري في الشريعة (ص ١٧٥) وصححه الشيخ الألباني لغيره كما في التعليق على " السنّة ".
(٧) انظر " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة " (٢ / ١٥٣ - ١٧٤) .
(٨) سبق التعريف بها في الحاشية رقم (٥) ص ٥٨.
(٩) انظرها في " العلو " للذهبي.
(١٠) أي نفرت منها أسماعهم. انظر المعجم الوسيط (٢ / ٨٩٩) .
[ ٦٣ ]
ومما صح به النقل من الصفات " الوجه ". قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي الباب آيات وأحاديث منها: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة» وحديث النزول (١) رواه علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وخلق سواهم (٢) .
ومن قال: يخلو العرش عند النزول، أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع، وكل ما وصف به الرسول ربه من الأحاديث الصحاح، التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان به كقوله ﷺ. «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من
_________________
(١) حديث النزول: متواتر، فأما رواية علي بن أبي طالب ففي " سنن الدارمي " (١ / ٣٤٨) وأحمد (١ / ١٢٠) ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه. وأما رواية ابن مسعود ففي صحيح ابن خزيمة (٨٩) وأحمد (١ / ٣٨٨ و٤٠٣ و٤٤٦) والآجري (ص ٣١٢) . وسنده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين كما في الإرواء (١٢ / ٩٨) وأما رواية جُبير فرواها الدارمي في السنن (١ / ٣٤٧) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٨٨) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣١٧) وأحمد (٤ / ٨١) والآجري في الشريعة (ص ٣١٢ و٣١٣) وسنده صحيح على شرط مسلم كما في " الإرواء " (٢ / ١٩٨) . وأما رواية جابر ففي ابن خزيمة في التوحيد (ص ١٢٧) والدارقطني في " النزول " (٦ و٧) . وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه أبو داود الطيالسي (٢٢٣٢) والدارقطني في " النزول " (٥٢ - ٦٤) وأحمد (٢ / ٢٨٣ و٣ / ٣٤ و٤٣ و٩٤) والبيهقي في السنن (٣ / ٢) . وأما حديث أبي هريرة فرواه مسلم (٧٥٨) والدارقطني في " النزول " (٥٢ - ٦٢) وأبو داود (١٣١٥ و٤٧٣٣) وغيرهم.
(٢) منهم رفاعة بن عرابة الجهني وعقبة بن عامر الجهني وعمر بن عبسة وعثمان بن أبي العاص الثقفي وأبو الدرداء وأبو سلمة جد عبد الحميد بن يزيد بن سلمة. انظر: أحاديثهم في " النزول " للدارقطني تخريج وتحقيق الشيخ الدكتور على ناصر الفقيهي و" إرواء الغليل " (٢ / ١٩٥ - ١٩٩) و" الشريعة " للآجري (ص ٣٠٦ - ٣١٣) ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب باسم " شرح حديث النزول " كما تقدم.
[ ٦٤ ]
أحدكم براحلته» متفق عليه (١) . وقوله: «يضحك الله تعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، فيدخلان الجنة» رواه الشيخان (٢) وقوله: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه» متفق عليه (٣) وقوله: «فيُنادي بصوت» رواه البخاري ومسلم (٤) وقوله: «فلا يبصق قِبل وجهه، فإن الله قِبل وجهه» (٥) متفق عليه إلى أمثال هذه الأحاديث، التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه فيما يخبر به.
_________________
(١) متفق عليه - كما قال المصنف - من حديث أنس بن مالك - ﵁ - بلفظ: " لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضلّه في أرض فلاة " البخاري (١١ / ١٠٢ فتح الباري) ومسلم (٢٧٤٧) ولكن وقع في الأخير " إذا استيقظ على بعيره " وجاء في مسلم (٢٧٤٤): " لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَويّة مَهْلَكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده " ويظهر أن السياق لحديث مسلم يدل على " سقط " كما في البخاري وليس " استيقظ " حكاه عياض انظر شرح النووي لمسلم (١٧ / ٦٣ - ٦٤) دَويّة: الفلاة الخالية، ومَهلكَة: موضع الهلاك كما في " شرح النووي ".
(٢) متفق عليه البخاري (٦ / ٣٩ فتح) ومسلم (١٨٩٠) عن أبي هريرة.
(٣) البخاري (٨٠ / ٥٩٤ فتح) ومسلم (٢٨٤٨) من حديث أنس بن مالك.
(٤) البخاري (١٣ / ٤٥٣ فتح) من حديث أبي سعيد الخدري في الشفاعة والحديث رواه مسلم (٢٢٢) ولكن ليس فيه " فينادي بصوت ". وقال الحافظ في " الفتح " (١٣ / ٤٦٠): " وقع " فيُنادِي " مضبوطا للأكثر بكسر الدال وفي رواية أبي ذر ذكر بفتحها على البناء للمجهول ".
(٥) البخاري (١ / ٥٠٩ فتح) ومسلم (٥٤٧) من حديث ابن عمر - ﵄ - ولفظه: " إذا كان أحدكم يُصلي فلا يبْصق قِبل وجهه فإن الله قِبل وجهه إذا صلى ". " واعلم أن كون الله بين يدي المصلي قِبل وجهه لا ينافي العلو وكونه على العرش فوق مخلوقاته فإنه مع ذلك واسع محيط بالعالم كلّه. وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله ﷿ بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه، فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط يستقبل سافلها المحاط بها بوجهه من جميع الجهات والجوانب فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط وهو محيط ولا يحاط به " انتهى من شرح الواسطية للشيخ زيد الفياض (ص ٢٠٣ - ٢١٣) كما في " صحيح الترغيب " (ص ١١٦) .
[ ٦٥ ]