فصل وأما قوله تعالى:. . ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فاعلم أن لفظ " اليد " جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردة كهذه الآية وكقوله:. . ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ومثنى كقوله:. . ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقوله:. . ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ومجموع كقوله:. . ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]
فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء، فلا يحتمل المجاز، فإذا (١) أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء، [فهو (٢)] باشرها بيده، ولهذا، قال عبد الله بن عمرو بن العاص (٣) " لم يخلق الله بيده إلا [ثلاثًا (٤)]: خلق آدم بيده وغرس جنة الفردوس بيده وكتب التوراة بيده " وروي ذلك مرفوعًا (٥) فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة. وقد صح عن النبي ﷺ أهل الموقف يأتون آدم فيقولون: خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فذكر أربعة أشياء كلها
_________________
(١) في الأصل [وأما إذا] والصواب ما أثبته للسياق.
(٢) في الأصل [فهو ما] والصواب يحذف " ما " كما هو واضح والله أعلم.
(٣) صحابي جليل، أحد المكثرين السابقين: وهو من العبادلة الفقهاء مات ليالي الحرة بالطائف على الأرجح. تقريب.
(٤) وقع في الأصل. (ثلثا) والصواب ما أثبتناه والله أعلم.
(٥) والمرفوع رواه الدارقطني في " الصفات " (٢٨)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٣١٨) عن عبد الله بن الحارث بلفظ " إن الله ﷿ خلق ثلاثة أشياء بيده. . . " لكن قال البيهقي: " هذا مرسل ". وقال ابن القيم في " حادي الأرواح " (ص ١٠٧): " المحفوظ أنه موقوف ".
[ ٦١ ]
خصائص (١) وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له «اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده» وفي لفظ آخر «كتب لك التوراة بيده» (٢) وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: «يقبض الله السماوات بيده، والأرض بيده الأخرى» (٣) وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج ذرية منه، فقال: " خلقت هؤلاء إلى الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون» الحديث (٤)
_________________
(١) رواه البخاري (١٣ / ٣٩٢ فتح الباري) من حديث أنس ﵁ - ولم يذكر فيه أمر النفخ - ورواه مسلم (١٩٣) من حديث أنس - ولم يذكر فيه " علمك أسماء كل شيء ".
(٢) رواه البخاري (١١ / ٥٠٥ فتح) ومسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة ولكن فيهما " خط لك بيده " وأما " خط لك التوراة بيده " فرواها أبو داود (٤٧٠١) واللالكائي (٦٩٣) والآجري في " الشريعة " (ص ٣٢٥) وأما اللفظ الآخر " وكتب لك التوراة بيده " فهو في صحيح مسلم (٢٦٥٢) و" السنة " لابن أبي عاصم (١٤٥) .
(٣) الحديث متفق عليه.
(٤) رواه أبو داود (٤٧٠٣) وأحمد في " المسند " (٣١١) والترمذي (٥٠٧١) والحاكم (١ / ٢٧) والطبري (١٥٣٧٥) وابن أبي عاصم (١٩٦) والبغوي في " شرح السنّة " (٧٧) كلهم عن مسلم بن يسار عن عمر وهو منقطع لأن مسلمًا لم يسمع من عمر كما قال الترمذي إذ بينهما " نعيم بن ربيعة الأودي " كما في السنّة (٢٠١) وأبي داود (٤٧٠٤) . ونعيم قال فيه الحافظ: " مقبول " كما في " التقريب " أي عند المتابعة وإلا فهو لين الحديث كما نص الحافظ في مقدمته للتقريب، ونعيم هذا انفرد بتوثيقه ابن حبان. لكن للحديث شواهد. الأول: عن ابن عباس رواه ابن أبي عاصم في " السنّة " (٢٠٤) وأحمد (١ / ٢٥١ و٢٩٩ و٣٧١) وابن سعد في طبقاته (١ / ٢٨) ورجال ابن أبي عاصم ثقات غير ابن جدعان وهو ضعيف. الثاني: عن أبي هريرة رواه ابن أبي عاصم أيضًا (٢٠٥) عن أبي هريرة ورجاله ثقات غير أن مبارك بن فضالة " صدوق لكنه يدلس تدليس التسوية " كما في التقريب. الثالث: عن عبد الله بن سلام رواه الآجري في " الشريعة " ص (٣٢٢) وإسناده حسن. فالحديث صحيح الشواهد - لا سيما الشاهد الأخير - وقد أشار لحصة الحديث الشيخ الألباني في تخريجه للطحاوية ص (٢٦٦) حيث قال: " صحيح لغيره إلا مسح الظهر فلم أجد له شاهدا الحديث متفق عليه. " تم صحح الحديث باللفظ الأخير أخيرًا لشواهده وانظر السنة (٢٠٥) وراجع ابن كثير " تفسيره " (٣ / ٥٠٦) و" شفاء العليل " (ص ٨ - ٣٠) و" شرح الطحاوية " (ص ٢٦٥) عن الميثاق.
[ ٦٢ ]
وقال نافع (١) سألت ابن أبي مليكة (٢) عن " يد الله " واحدة أم اثنتان؟ فقال: " بل اثنتان " (٣) وقال ابن عمر (٤) وابن عباس (٥) «أول شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين» (٦) وفي الباب ما لا يحصى كثرة (٧) .