فصل ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات " النفس " قال تعالى:. . ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]
وقال تعالى:. . ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]
وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]
وقال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» (١) إلى غير ذلك من الأدلة.
«وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء (٢) ويوعيها (٣) ما أراد» .
وأن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]
وأن الله يقرب من خلقه، كيف شاء كما قال:. . ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة: البخاري (١٣ / ٣٨٤ فتح) ومسلم (٢٦٧٥) .
(٢) رواه مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ".
(٣) أي يجمع فيها وفي " القاموس المحيط " (٤ / ٤٠٣): وعاه يعيه حفظه وجمعه كأوعاه فيهما.
[ ٦٩ ]
ومن صفاته سبحانه: اليد (١) واليمين (٢) والكف (٣) والإصبع (٤) والشمال (٥) والقدم (٦) والرجل (٧) والوجه (٨) والنفس (٩) والعين (١٠)
_________________
(١) مضى ذكر الأدلة على إثبات " اليدين " لله ﵎.
(٢) لما ثبت أن " كلتا يديه يمين " صحيح مسلم (١٨٢٧) انظر التعليق رقم (٥) بهذه الصفحة.
(٣) لما جاء عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعا في فضل الصدقة: ". . . فتربُو في كف الرحمن ". رواه مسلم (١٠١٤) والحديث رواه البخاري أيضا (٣ / ٢٧٨ و١٣ / ٤١٥ فتح الباري) وليس فيه ذكر " الكف ".
(٤) انظر التعليقين السابقين رقم (١) بحاشية ص ٤٨ ورقم (٢) بحاشية ص ٦٩.
(٥) اتفق أهل السنة والجماعة على إثبات اليد صفة لله، واتفقوا أيضا على أن يديه اثنتان كما قال تعالى:. . . بل يداه مبسوطتان. . . (المائدة - ٦٤)، وقوله:. . . لما خلقت بيدي. . . (ص - ٧٥) . وصح عنه ﷺ أنه قال: " المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في أهليهم وحكمهم وما ولوا ". واختلفوا في إطلاق الشمال على قولين أصحهما الجواز وهو قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي والقاضي أبي يعلى والإمام ابن جرير فيما يظهر من تفسيره سورة الزمر، ومن المتأخرين الإمام محمد بن عبد الوهاب. وحجتهم الأحاديث التي ورد فيها ذكر الشمال. وذهب آخرون إلى عدم جواز ذلك وهو قول إمام الأئمة ابن خزيمة والخطابي والبيهقي. واحتج هؤلاء بحديث " وكلتا يديه يمين " وزعم بعضهم أن هذا الحديث معارض لأحاديث الشمال وهو أقوى منها والتحقيق أنه لا تعارض بينها، قال العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ - في تعليقه على كتاب التوحيد: " وفي هذا إثبات الصفات وأنه سبحانه له يمين وشمال، وأن كلتا يديه يمين، كما في الحديث الآخر، وسمى إحداهما يمينا والأخرى شمالا من حيث الاسم، ولكن من حيث المعنى والشرع كلتاهما يمين وليس في شيء منهما نقص ".
(٦) انظر التعليق رقم (٣) بحاشية ص ٦٥.
(٧) انظر صحيح البخاري (٨ / ٥٩٥ فتح) وصحيح مسلم (٢٨٤٦) .
(٨) قال تعالى وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧] .
(٩) انظر آيات هذا الفصل عند المؤلف.
(١٠) جاء في الحديث الذي يحذر به النبي ﷺ أمته من الدجال " أنه أعور وأن الله ليس بأعور ". انظر صحيح البخاري (١٣ / ٩١) وصحيح مسلم (٢٩٣٣) .
[ ٧٠ ]
والنزول (١) والإتيان (٢) والمجيء (٣) والكلام (٤) والقول (٥) والساق (٦) والحقو (٧) والجنب (٨) والفوق (٩) والاستواء (١٠) والقوة (١١) والقرب (١٢)
_________________
(١) مضى الكلام عليه مفصلا تعليق رقم (١) بحاشية ص ٦٤.
(٢) قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ. . . [البقرة: ٢١٠] .
(٣) قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] .
(٤) سيأتي الكلام عليه مفصلا في الفصل القادم.
(٥) قال تعالى:. . . وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤] .
(٦) انظر صحيح البخاري (١٣ / ٤٢١ فتح) حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في الرؤية إذ فيه ". . . فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن " وانظر صحيح مسلم (١٨٣) .
(٧) الحَقْوُ في اللغة: الإزار أو معْقِدُه (القاموس المحيط ٤ / ٣٢٠) والنهاية (١ / ٤١٧) . [فالحديث في صحيح البخاري ذكر بأن الرحم أخذت بحقو الرحمن. (فتح الباري: ٨ / ٥٧٩) ح ٤٨٣٠ وفي هذا غنية] .
(٨) قال تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله [الزمر: ٥٥، ٥٦] . والأئمة في تفسير قوله تعالى: " في جنب الله " على خمسة أقوال: أحدها: في طاعة الله تعالى. والثاني: في حق الله. والثالث: في أمر الله. والرابع: في ذكر الله. والخامس: في قرب الله وجواره. فيكون المعنى عندهم على ما فرطت في طلب قرب الله تعالى وهو الجنّة. ولهذا لا تصلح هذه الآية وحدها لإثبات أن " الجنب " من الصفات لأن الآية ما سيقت لذلك ولم يفسرها أحد بذلك. وقد قال الإمام الدارمي في " الرد على المريسي " (ص ٥٤٠ عقائد السلف): " إنما تفسيرها عندهم تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله، فهذا تفسير الجنب عندهم، فمنْ أنبأك أنهم قالوا جنب من الجنوب فإنه يجهل هذا المعنى كثير من العوام فضلا عن علمائهم وقد قال أبو بكر - ﵁ -: " الكذب مجانب للإيمان " وانظر تفسير الطبري (٢٥ / ١٣) و" زاد المسير " (٧ / ١٩٢) و" مجموع الفتاوى ". (٦ / ٣٩٤) .
(٩) نؤمن بأن الله فوق خلقه. كما قال تعالى عن الملائكة يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ. . . [النحل: ٥٠] وقد تقدمت الأدلة التفصيلية على علو الله على خلقه وهذا مما أجمع عليه سلف الأمة.
(١٠) تقدمت مباحثه مفصلة.
(١١) قال تعالى: إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨] .
(١٢) قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. . . [البقرة: ١٨٦] .
[ ٧١ ]
والبعد (١) والضحك (٢) والتعجب (٣) والحب (٤) والكره (٥) والمقت (٦) والرضا (٧) والغضب (٨) والسخط (٩) والعلم (١٠) والحياة (١١) والقدرة (١٢) والإرادة (١٣) والمشيئة (١٤) والفوق (١٥) والمعية (١٦) والفرح (١٧) إلى غير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة. فأدلة ذلك مذكورة فيها.
فكل هذه الصفات، تساق مساقا واحدا، ويجب الإيمان بها على أنها صفات حقيقية، لا تشبه صفات المخلوقين، ولا يمثل، ولا يعطل، ولا يرد، ولا يجحد، ولا يؤوَّل بتأويل يخالف ظاهره.
_________________
(١) لا يوصف الله بـ " البعد " إذ هذا الوصف مما لا دليل عليه في الكتاب والسنّة بل يخالف قوله تعالى:. . . فَإِنِّي قَرِيبٌ. . . ولعل المؤلف أراد العلو عندما ذكر القرب وقد سبق أن قال المؤلف: " فكل ما في الكتاب والسنّة من الأدلة الدالة على قربه ومعيته لا ينافي ما ذكره من علو وفوقيته فإنه سبحانه عليٌّ في دُنُوِّه وقريب في عُلُوِّه ".
(٢) قال ﷺ: " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يُقاتِل هذا في سبيل الله فيُقتل ثم يتوب الله على القاتل فيُستشهد " البخاري (٦ / ٣٩ فتح) ومسلم (١٨٦٧) كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) قال ﷺ: " عَجِبَ الله من قوم يدخلون الجنة في السّلاسِل " رواه البخاري (٦ / ١٤٥ فتح) .
(٤) قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. . . [المائدة: ٥٤] .
(٥) قال تعالى:. . . وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ. . . [التوبة: ٤٦] .
(٦) قال تعالى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٣] .
(٧) قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. . . [الفتح: ١٨] .
(٨) قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ. . . [الممتحنة: ١٣] .
(٩) قال تعالى:. . . لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ. . . [المائدة: ٨٠] .
(١٠) قال تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٥] .
(١١) قال تعالى: الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. . . [البقرة: ٢٥٥] .
(١٢) قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك: ١] .
(١٣) قال تعالى:. . . إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧] .
(١٤) قال تعالى:. . . قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. . . [آل عمران: ٧٣] .
(١٥) انظر التعليق: رقم (٩) بحاشية ص ٧١.
(١٦) قال تعالى:. . . وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤] . وليعلم القارئ أن هذه المعية هي معية العلم والإحاطة - لا معية الذات - كما ذكر أهل التفسير، وقد مضى قول نعيم بن حماد وبيان المصنف لمعنى المعية فليراجع.
(١٧) انظر التعليق رقم (١) بحاشية ص ٦٥.
[ ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧٣ ]