فصل وأجمع القائلون بالأخبار، والمؤمنون بالآثار، أن رسول الله ﷺ أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بنص القرآن، ثم عرج به إلى السماء واحدة بعد واحدة حتى إلى فوق السماوات السبع، وإلى سدرة المنتهى بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من السماء إلى مكة قبل الصبح.
وفيه أيضا دليل على علو الرب تعالى، وكونه فوق العرش، مستويا عليه، كما قال سبحانه في مواضع من كتابه ومنها قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (١) .
فمن قال إن الإسراء في ليلة والمعراج في أخرى فقد غلط (٢) ومن قال إنه منام وأنه لم يسر بعبده فقد كفر.
وقد روى قصة الإسراء عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة كثيرة (٣) وكل ذلك أخبار صحيحة، وآثار صريحة مقبولة، مرضية عند أهل النقل.
_________________
(١) سورة طه: ٥ وانظر الأعراف: ٥٤ ويونس: ٣ والرعد: ٢ والفرقان: ٥٩ والسجدة: ٤ والحديد: ٤.
(٢) قال ابن القيم: " يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين ثم يتردد بين ربه حتى تصير خمسا فيقول: " أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي " ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها إلى خمس؟ ! . . . " زاد المعاد (٥ / ٤٢) .
(٣) قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (٥ / ٤٢): " قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه " التنوير في مولد السراج المنير " وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وشداد بن أوس، وأبَيّ بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حيّة وأبي ليلى الأنصاريين وعبد الله بن عمر وجابر وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق - ﵃ أجمعين - منهم من ساقه بطوله ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف: ٨] .
[ ١١٧ ]
واختلف (١) أهل العلم هل رأى ﷺ ربه ﷿ أم لا؟ فذهب إلى كل وجهة ذاهب من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وأهل الحديث والفقه والتاريخ. والراجح الرؤية، وبه قال الإمام أحمد (٢) وروي مأثورًا والحديث الذي جاء فيها على ظاهره (٣)
_________________
(١) انظر لبيان هذا الاختلاف: شرح عقيدة الطحاوية (ص ٢٤٨) و" زاد المعاد " (٥ / ٣٧) و" فتح الباري " (٨ / ٦٠٧ - ٦٠٩) و" السنّة " لللالكائي (٣ / ٥١٢) و" لوامع الأنوار " (٢ / ٢٥٠) وغيرها. وقال شارح الطحاوية (ص ٢٤٨ - ٢٤٩): ". . . الصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه، وقوله: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم: ١١]، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم: ١٣]، صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي جبرائيل رآه مرتين على صورته التي خُلِق عليها، وأما قوله تعالى في سورة النجم: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فهو غير الدنوّ والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود - ﵄ - فإنه قال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم: ٥ - ٨]، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القُوى.
(٢) ذكر ابن القيم - ﵀ - في " زاد المعاد " (٥ / ٣٧) قوله ﷺ: " رأيت ربي ﵎ " - رواه أحمد (١ / ٣٦٨ و٢٨٥) وابن أبي عاصم (٤٣٣) وغيرهما وهو حديث صحيح كما في " ظلال الجنة " ولكنه قال: مختصر من حديث الرؤيا -: " إن هذا لم يكن في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤيته تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه حقا فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بد ولم يقل أحمد - ﵀ - أنه رآه بعيني رأسه يقظة. ومن حكي ذلك عنه فقد وهم عليه ولكن قال مرة رآه ومرة قال رآه بفؤاده فحكيت عنه روايتان. وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك " انتهى. قلت: والرواية التي أشار لها المؤلف عن أحمد رواها الخلال في كتاب " السنّة " كما في " فتح الباري " (٨ / ٦٠٨ - ٦٠٩) عن المروزي " قلت لأحمد إنهم يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فبأي شيء يدفع قولها؟ قال: بقول النبي ﷺ رأيت ربي، قول النبي ﷺ أكبر من قولها ".
(٣) انظر التعليق السابق.
[ ١١٨ ]
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «فرجعت إلى ربي وهو في مكانه» (١) . والحديث بطوله مخرج في الصحيحين، والمنكر لهذه اللفظة، بعد ورود الحديث راد على الله ورسوله وفي خطر عظيم.
_________________
(١) الحديث الذي أشار إليه المؤلف - ﵀ - في البخاري (١٣ / ٤٧٨ فتح الباري) من طريق شريك بن عبد الله عن أنس بن مالك في حديث طويل في قصة الإسراء فيه: ". . . فدنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. فعلا به الجبار فقال وهو في مكانه يا رب خفف عنا. . . ". فائدة: ولقد ذكر الخطابي في نقده لحديث شريك: " في هذا الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك أيضا لم يذكرها غيره وهي قوله. " فعلا به - يعني جبريل - إلى الجبار تعالى وهو في مكانه فقال: يا رب خفف عنا " " لكن قال الحافظ ابن حجر عقبه: " ليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى " فتح الباري (١٣ / ٤٨٤) . وقد وقع في شرح الطحاوية (ص ٢٤٨) في سياق حديث الإسراء: " فعلا به جبرائيل حتى أتى به إلى الجبار ﵎ وهو في مكانه " وعزاه للبخاري. وما ذكرته وسقته هو نص البخاري وهو يؤيد ما قاله ابن حجر. تحقيق حديث شريك: حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر ذكره مسلم (٢٦٣) من طريقه قال: " سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني وقدّم فيه وأخّر وزاد ونقص " انتهى كلام الإمام مسلم. قلت: ومنه تعلم أن قول المؤلف عن الحديث إنه مخرج في الصحيحين - يعني بتلك اللفظة - فيه ما فيه. قلت: خلاصة الأمر في " شريك " أنه " صدوق يخطئ " كما وصفه الحافظ في " التقريب " وقال في " مقدمة الفتح " (ص ٤١٠) بعد ذكر أقوال الأئمة فيه: " احتج به الجماعة إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة " وقال أيضا في " المقدمة " ص (٣٨٣) عن حديث شريك: " خالف فيه شريك أصحاب أنس في إسناده ومتنه ". قلت: شريك لم يترك ولذا قال في " الفتح " (١٣ / ٤٨٤): " إن وهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة المسلمين " وانظر " تهذيب التهذيب " للبسط في ترجمة شريك. نعود إلى الحديث، فالحديث قد انتصر له جماعة منهم أبو الفضل بن طاهر فصنف فيه جزءا كما في " مقدمة الفتح " (ص ٣٨٣) . وتكلم فيه جمع من الحفاظ لتفرد شريك، ولمخالفته غيره، ولاضطرابه، ومن هؤلاء الحفاظ:
(٢) مسلم بن الحجاج كما سبق، انظر " صحيحه " (٢٦٣) .
(٣) الخطابي، كما في " فتح الباري " (١٣ / ٤٨٣ - ٤٨٤) .
(٤) ابن حزم كما في " الفتح " (١٣ / ٤٨٤) .
(٥) البيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٤٤٠ - ٤٤١) .
(٦) القاضي عياض كما في " هدي الساري " (ص ٣٨٣) .
(٧) عبد الحق الأشبيلي كما في " فتح الباري " (١٣ / ٤٨٤) .
(٨) النووي كما في " الفتح " (١٣ / ٤٢) .
(٩) ابن قيم الجوزية في " زاد المعاد " (٣ / ٤٢) .
(١٠) ابن كثير في " تفسيره " (٥ / ٥ - ٦) .
(١١) الحافظ ابن حجر في " مقدمة الفتح " (ص ٤١٠)، وقد عدّ لشريك اثني عشر وهما في حديثه انظرها في " الفتح " (١٣ / ٤٨٥ - ٤٨٦) . قلت: بعد ما تقدم أن شريكا انفرد بألفاظ في حديث الإسراء دون غيره، ومن ذلك اللفظ الذي ذكره المؤلف فلذا لا يثبت منه الرؤية لله رب العالمين ليلة الإسراء لكون الحديث شاذا كما يعلم عند أهل الصناعة ولا ضير على من أنكر ما لم يثبت. وأما إن صح الخبر وثبت فالواجب التسليم، ومن لم يسلم فهو على خطر عظيم كما قال المؤلف. والله تعالى أعلم.
[ ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١٢٠ ]