فصل وأما الصوت، فقد ورد في رواية عبد الله بن [أنيس] (١) مرفوعًا في حديث الحشر «فيناديهم سبحانه بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب» . رواه أحمد وجماعة من الأئمة واستشهد به البخاري (٢) .
_________________
(١) وقع في الأصل " أنس " والصواب " أُنيْس " كما أثبته. وعبد الله بن أنيس صحابي شهد بدرًا مات (سنة ٥٤ هـ)، تقريب.
(٢) قال البخاري في صحيحه (١٣ / ٤٥٣ فتح الباري): " ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أُنيس سمعت النبي ﷺ يقول: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرُب: أنا الملك أنا الديان ". هكذا رواه البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة المبني للمجهول. وذكره بالجزم في موضع آخر فقال (١ / ١٧٣ فتح الباري): باب الخروج في طلب العلم: " ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد ". قلت: الحديث وصله البخاري في " الأدب المفرد " (٩٧٠) وفي " خلق أفعال العباد " (ص ١٣١) بلفظ التعليق و(ص ١٩٣) موصولا وأحمد في " المسند " (٣ / ٤٩٥ - وحسن إسناده المنذري في " الترغيب والترهيب " - والحاكم (٤ / ٥٧٤) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ورواه البيهقي في " الأسماء والصفات " من طريق الحاكم (ص ٧٨ - ٧٩) وابن أبي عاصم في " السنة " (ص ٥١٤) وأبو يعلى والطبراني - كما قال الحافظ - كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر عن عبد الله بن أُنيْس. وقال الحافظ: " وللحديث طريق أخرى أخرجها الطبراني في " مسند الشاميين " وتمام في " فوائده " من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر وإسناده صالح. وله طريق ثالثة أخرجها الخطيب في " الرحلة " (ص ٢٠٣ و٢٠٤ مجموعة الرسائل الكمالية) عن أبي الجارود العنسي عن جابر قال: بلغني حديث في القصاص فذكر الحديث نحوه. . . وفي إسناده ضعف، انظر فتح الباري (١ / ١٧٤) و(١٣ / ٤٥٧) ومقدمة الفتح (ص ٧١) . وقال الشيخ الألباني في تخريج السنة (٥١٤): " حديث صحيح ". ورد على الكوثري طعنه وتدليسه المعروفين في تعليقاته على " الأسماء والصفات " للبيهقي.
[ ٨٠ ]
وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء كسلسلة على صفوان، فيخرون سجدا» . . . " الحديث (١) .
وقول القائل إن الحروف والأصوات لا تكون إلا من مخارج باطل ومحال قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وكذا قوله إخبارا عن السماء والأرض أنهما. . . ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
فجعل القول لا من مخارج، ولا أدوات، وروي عن النبي ﷺ أنه كلمته الذراع المسمومة (٢) وأنه سلم عليه الحجر (٣) وسلمت عليه الشجرة (٤) .
_________________
(١) الحديث علقه البخاري في صحيحه (١٣ / ٤٥٣ فتح) عن ابن مسعود موقوفا ووصله مرفوعا أبو داود (٤٧٣٨) وابن خزيمة في " التوحيد " (ص ٩٥ - ٩٦) . قال الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٢٩٣): " إسناده صحيح على شرط مسلم ". وانظر لطرق الحديث: فتح الباري (١٣ / ٤٥٦) و" هدي الساري " (ص ٧١) .
(٢) قصة الشاة المسمومة في الصحيح: البخاري (٦ / ٢٧٢ و٧ / ٤٩٧ و١٠ / ٢٤٤ - ٢٤٥ فتح الباري) وأما تكلم الذراع فليس في الصحيح خلافًا لما أوهمه صنيع مخرِّجي " زاد المعاد " (٣ / ٣٣٥) . قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١٠ / ٢٤٦) وأخرج ابن سعد عن الواقدي بأسانيده المتعددة أنها قالت (يعني اليهودية التي قدمت الشاة المسمومة): " قتلت أبي وزوجي وعمي وأخي ونلت من قومي ما نلت فقلت: إن كان نبيا فسيخبره الذراع وإن كان ملكًا استرحنا منه ". قلت: الواقدي متروك كما في " التقريب ". وروى إخبار الذراع لرسول الله ﷺ في قصة الشاة المسمومة أبو داود (٤٥٠٨) والدارمي (١ / ٣٢) كلاهما عن الزهري عن جابر (وهو لم يسمع منه شيئا) وبهذا أعلّه المنذري في " مختصر السنن " (٤٣٤٤) وقال ابن القيم في " تهذيبه ": حديث جابر لين بذاك المتصل لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئا.
(٣) كما في " صحيح مسلم " (٢٢٧٦) يقول رسول الله ﷺ: " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن ".
(٤) روى الترمذي (٣٧٠٣) بسنده عن علي بن أبي طالب قال: " كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله حبل ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله ". وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب ". قلت: في سنده سليمان بن معاذ وهو ضعيف، انظر " التهذيب " (٤ / ٢١٣) .
[ ٨١ ]
وبالجملة فالقرآن العظيم هو كتابه المبين، وحبله المتين، أنزله على سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، وهو سور، وآيات، وأصوات، وحروف، وكلمات، له أول وآخر، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مكتوب في المصاحف، مسموع بالآذان، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]
والقرآن هو هذا الكتاب العربي، الذي قال فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١] وقال بعضهم فيه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] فتوعده الله بإصلائه سقر، وقال بعضهم هو شعر فقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] فلما نفى سبحانه عنه الشعر، وأثبته قرآنا، لم تبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي عُلِمَ أوله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لغيره دونه، بان جهله وحمقه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان، بمثل ما لا يدري ما هو، ولا يعقل معناه.
[ ٨٢ ]