فصل ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وطاعة لقوله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١) ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - على من أنفق بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢) وبأنه «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٣) كما أخبر به النبي ﷺ، ورضي الله عنهم، ورضوا عنه.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٤٠) من حديث أبي هريرة وهو في الصحيحين، البخاري (٧ / ٢١ فتح) ومسلم (٢٥٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري دون قوله (والذي نفسي بيده) .
(٢) وذلك لما جاء في الصحيحين: البخاري (٧ / ٣٠٤ و٣٠٥ فتح) ومسلم (٢٤٨٤) وغيرهما عن علي بن أبي طالب في قصة حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - لَمَّا همَّ عمر - ﵁ - بقتله فقال رسول الله ﷺ: " أليس من أهل بدر؟ فقال: يا عمر لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم قد أوجبت لكم الجنة - أو فقد غفرت لكم ". فَدَمعتْ عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٧ / ٣٠٥): قال العلماء: إن الترجي في كلام الله ورسوله محقق الوقوع وعند أحمد وأبي داود (٤٦٥٤) وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم ولفظه: " إن الله اطلع على أهل بدر فقال: " اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم " وعند أحمد بسند صحيح على شرط مسلم من حديث جابر مرفوعا " لن يدخل النار أحد شهد بدرا ".
(٣) رواه مسلم (٢٤٩٦) من حديث أم مُبَشِّر - ﵂ -.
[ ٩٤ ]
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة المبشرة (١) وثابت ابن قيس (٢) وغيرهم من الصحابة وأهل البيت.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - وغيره من أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها صاحبه الأخص، وأخوه في الإسلام، ورفيقه في الهجرة والغار، ووزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته، أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة الصديق - ﵁ -. ثم من أعز به الإسلام، وأظهر الدين، عمر بن الخطاب الفاروق. ويثلثون بذي النورين عثمان بن عفان، الذي جمع القرآن والحياء والعدل والإحسان، ويربعون بابن عم النبي ﷺ وختنه، علي بن أبي طالب - ﵁ -. كما دلت عليه الآثار، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي، بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر، أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان، وسكتوا، وربعوا بعلي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، ولكن استقر أمر أهل السنة والجماعة على تقديم عثمان على علي، وإن كانت مسألة
_________________
(١) وهم:
(٢) أبو بكر: عبد الله بن عثمان الصديق الأكبر مات (سنة ١٣ هـ) .
(٣) عمر بن الخطاب مات (سنة ٢٣ هـ) .
(٤) عثمان بن عفان مات (سنة ٣٥ هـ) .
(٥) علي بن أبي طالب مات (سنة ٤٠ هـ) .
(٦) سعد بن أبي وقاص مات (سنة ٥٥ هـ) .
(٧) سعيد بن زيد بن عمرو مات (سنة ٥٠ أو ٥١ هـ) .
(٨) طلحة بن عُبيد الله بن عثمان مات (سنة ٣٦ هـ) .
(٩) الزبير بن العوام مات (سنة ٣٦ هـ) .
(١٠) عبد الرحمن بن عوف مات (سنة ٣٢ هـ) .
(١١) أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح مات (سنة ١٨ هـ) .
(١٢) استشهد باليمامة، تقريب.
[ ٩٥ ]
علي وعثمان ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. قال عبد الله بن عمر: «كنا نقول والنبي ﷺ حي أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره» (١) وصحت الرواية عن علي - ﵁ - أنه قال: " خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث " (٢) .
وأحقهم بالخلافة بعد النبي ﷺ أبو بكر، لفضله، وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلوات على جميع أصحابه (٣) وإجماع الصحابة على تقديمه، ومتابعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.
ثم بعده عمر لفضله، وعهد أبي بكر إليه.
ثم عثمان، لتقديم أهل الشورى له.
ثم علي - ﵁ -، لإجماع أهل عصره عليه.
فهؤلاء الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون، ومن طعن في خلافة أحدٍ من هؤلاء، فهو أضل من حمار أهله (٤) وقد قال رسول الله ﷺ: «عليكم بسنتي
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٢٨) وعبد الله ابن الإمام أحمد في " السنّة " ص (٢٥٧) بلفظ " كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان " وجاء في " السنّة " لابن أبي عاصم (١١٩٤ و١١٩٥) وغيره نحوه بزيادة: " فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره ". وهذه الزيادة ثابتة كما في " ظلال الجنة في تخريج السنّة ".
(٢) رواه أحمد في " المسند " (١ / ١١٠) وإسناده صحيح على شرط مسلم كما في " ظلال الجنة " ورواه أيضا عبد الله بن أحمد في " الزوائد على المسند " (١ / ١٠٦ و١١٠) وابن أبي عاصم في " السنّة " (١٢٠١) .
(٣) كما في الصحيحين البخاري (٢ / ١٧٢ فتح) ومسلم (٤١٨) من حديث عائشة.
(٤) من بداية هذا الفصل إلى هذه العلامة من " الواسطية " بلفظه.
[ ٩٦ ]
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عَضّوا عليها بالنواجذ» (١) وقال ﷺ: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (٢) فكان آخرهم خلافة علي - ﵁ - (٣)
_________________
(١) قطعة من حديث صحيح من حديث العرباض بن سارية وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. . . " رواه ابن أبي عاصم (٥٤) وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (١٨١٦) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٢ - ٤٤) وابن حبان (١٠٢ موارد) والدارمي (١ / ٤٤ - ٤٥) والحاكم (١ / ٩٥) وقال: صحيح ليس له علة وأقره الذهبي. وانظر للتوسع في تخريجه ولشرحه النفيس " جامع العلوم والحكم " لابن رجب (ص ٢٢٥ - ٢٣٦) . وسيذكر المؤلف الحديث بنصه، انظر التعليق رقم (٣) بحاشية ص ١٤٩.
(٢) رواه أبو داود (٤٦٤٦) وابن حبان (٥٣٤ موارد) واللفظ له، والترمذي (٢٣٢٦) وغيره بلفظ " خلافة النبوة ثلاثون سنة. . . ". وانظر لتخريج الحديث وبيان صحته في " السلسلة الصحيحة ". (٤٦٠) حيث نقل تصحيح تسعة من حفاظ الحديث وأئمته.
(٣) قال سفينة (مولى رسول الله ﷺ وهو راوي حديث الخلافة ثلاثون سنة): " أمسك خلافة أبي بكر - ﵁ - سنتين وعمر - ﵁ - عشرا وعثمان - ﵁ - ثنتي عشرة وعلي - ﵁ - ستا ". رواه ابن حبان (١٥٣٤ موارد) وأصله في سنن أبي داود (٤٦٤٦) وانظر " فيض القدير (٣ / ٥٠٩) . فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة مخطوطة له في هذا الحديث بالمكتبة الظاهرية بخطه في " مسودته " (ق ٨١ / ٢ - ٨٤ / ٢) - كما في السلسلة الصحيحة (٤٦٠) -: " وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب عن سعيد بن جُمْهان عن سفينة مولى رسول ﷺ، رواه أهل السنن كأبي داود وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد، واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه حتى قال أحمد: " من لم يُربِّع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله ". " ونهى عن مناكحته وهو متفق عليه بين الفقهاء وعلماء السنّة. . . ". انظر " السلسلة " لتتمة ما نقله من المخطوطة.
[ ٩٧ ]