والظاهر من الأدلة الصحيحة الصريحة، تحريم نذور القباب وغيرها، وهذا من العمل الذي ليس عليه أمره. وفى الصحيحين «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) وهو دال على بطلان العقود غير المأمور بها، وعدم ترتب ثمراتها عليها سواء كان عن مَن جهل، أو عرف الحق، وتعمد خلافه، فهذه النذور محرمة باطلة (٢) .
_________________
(١) رواه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة. والذي رواه البخاري (٤ / ٣٥٥ فتح) معلقا بصيغة الجزم وانظر " هدي الساري " (ص ٤٥ كتاب الصلح) و" فتح الباري " (٥ / ٣٠١، ٣٠٢) . وأما حديث: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " فهو في الصحيحين: البخاري (٥ / ٣٠١ فتح) ومسلم (١٧١٨) عن عائشة - ﵂ -.
(٢) قال الرافعي في " شرح المنهاج ": " وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو اسم من حَلّها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين فإن قصد الناذر بذلك - وهو الغالب أو الواقع من قصد العامة - تعظيم البقعة والمشهد أو الزاوية أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات ويرون أنها مما يُدفع بها البلاء ويُستجلب بها النعماء ويستشفى بالنذر لها من الأدواء حتى إنهم لينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح وينذرون لبعض القبور السُّرج والشموع والزيت ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب أو سلامة مال وغير ذلك من أنواع المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقا ومن ذلك: نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغمرها لقبر الخليل ﵇ ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء فإن الناذر لا يقصد بذلك الإيقاد على القبر إلا تبركا وتعظيما ظانا أن ذلك قربة، فهذا مما لا ريب في بطلانه والإيقاد المذكور محرم سواء انتفع به هناك منتفع أم لا ". وقال الشيخ قاسم الحنفي في شرح " درر البحار " عن النذر الذي ينذره أكثر العوام لغير الله: " إنه باطل بالإجماع لوجوه منها: أنه نذر لمخلوق: والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها، أن المنذور له ميت والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله واعتقاد ذلك كفر إلى أن قال: إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليها فحرام بإجماع المسلمين "، نقله ابن نجيم في " البحر الرائق ". انظر " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " (ص ١٢١ - ١٢٢) ومنه نقلنا ما تقدم.
[ ١١٢ ]
وكذلك الأموال التي توقف على الكعبة المشرفة، وعلى المسجد النبوي، ينبغي صرفها في مصالح الإسلام وأهله، ولا تترك سدى، ولقد «لعن رسول الله ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد» (١) يصلى فيها، فكيف من اعتقد واتخذ القبر وثنا يضر وينفع؟ وعنه ﷺ: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) و«إن مَن كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٣) رواه أحمد وابن حبان. وعن علي «أمرني رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٤) . وقد علم بالأدلة الصحيحة المحكمة أن بناء المشاهد والقباب لا يجوز (٥) وأن النذور لها محرمة.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٣ / ٢٠٠ فتح) ومسلم (٥٢٩) من حديث عائشة.
(٢) رواه مالك في الموطأ مرسلا (١ / ١٥٨) وقد صح موصولا عن أبي هريرة، كما حققه الأستاذ الشيخ الألباني في " تحذير الساجد " (٤، ١٥) فراجعه.
(٣) روى نحوه البخاري (١ / ٥٣١ فتح)، ومسلم (٥٢٨) .
(٤) رواه مسلم (٩٦٩) عن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ " أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ".
(٥) خلافا لما اشتهر وانتشر من بنائها على القبور في كثير من ديار المسلمين مع كثرة الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك وتحذير النبي ﷺ أمته قبل وفاته، ومع هذا كله كتب الشيخ أبو الفيض أحمد الصديق الغماري كتابا سماه " إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور " وانظر الرد عليه وعلى أفكاره الضالة المضللة في كتاب " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " للشيخ الألباني، والله المستعان.
[ ١١٣ ]