المعطِّلةُ هم الذين نفوا صفات الله ﷿، ولم يُثبتوها على ما يليق بالله، وشُبهتُهم أنَّ إثبات الصفات يستلزم التشبيه؛ لأنَّهم لَم يتصوَّروا الصفات إلاَّ وفقًا لِما هو مشاهَد في المخلوقين، فجرَّهم ذلك التصوَّرُ الخاطئ إلى التعطيل، فكان ما وقعوا فيه أسوأَ مِمَّا فرُّوا منه؛ إذ كانت النتيجة أن يكون الله تعالى وتنَزَّه شبيهًا بالمعدومات؛ إذ لا يُتصوَّرُ وجود ذات خالية من الصفات.
ويتَّضح ذلك في صفة كلام الله ﷿، فإنَّهم لم يتصوَّروا من إثبات أنَّ الله يتكلَّم بحرف وصوت إلاَّ التشبيه بالمخلوقين؛ لأنَّه يلزَمُ من ذلك أن يكون كلامُه بلسان وحُنجرة وشفتين؛ لأنَّهم لا يعقلون ذلك إلاَّ في المخلوقين، وذلك التصوُّرُ الخاطئُ مردودٌ من وجوه:
الأول: أنَّه لا تلازمَ بين الإثبات والتشبيه؛ فإنَّ الإثبات يكون مع التشبيه، وهو باطلٌ لا شكَّ فيه، ويكون مع التنْزيه، كما قال الله عزَّ
[ ٢٨ ]
وجلَّ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فأثبت السمعَ والبصرَ، ونفى مشابهة غيره له، وهذا هو اللاَّئق بكمال الله وجلاله، وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه.
الثاني: أنَّ ما زعموه من أنَّ الإثباتَ يقتضي التشبيه، ومن أجله عطَّلوا الصفات، أدَّاهم ذلك إلى التشبيه بالمعدومات، وهو أسوأ، وقد مرَّ في كلام بعض أهل العلم ما يُبيِّن ذلك، لا سيما ما عزاه الذهبي إلى حماد بن زيد من التمثيل بالنخلة، التي نفى أصحابُها كلَّ صفات النخل عنها، وقيل لهم: إذًا فما في داركم نخلة! وذلك في الفائدة الثانية.
الثالث: أنَّه قد وُجد في المخلوقات حصولُ الكلام على خلاف ما هو مشاهَدٌ في المخلوقين؛ فإنَّ ذراعَ الشاة التي وُضع فيها السُّمُّ للرسول ﷺ كلَّمته وأخبَرته بأنَّها مسمومةٌ، كما في سنن أبي داود (٤٥١٠) و(٤٥١٢) .
وروى مسلم في صحيحه (٢٢٧٧) عن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنِّي لأعرفُ حَجَرًا بمكة كان يُسلِّمُ عليَّ قبل أن أُبعَث، إنِّي لأعرفه الآن".
وهذا من كلام بعض المخلوقات في الدنيا، وأمَّا في الآخرة، فقد قال الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ وقال: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ َوَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
أفَيُقال: إنَّ كلامَ الذِّراعِ والحجرِ والأيدي والأرجلِ لا يكون إلاَّ بلسان وشفتَين؟!
[ ٢٩ ]
وإذا كانت هذه المخلوقات وُجد منها الكلام على وجه يُخالف ما هو مشاهَدٌ في المخلوقين، فإنَّه يجب إثبات الكلام لله ﷿ على وجه يليق بكماله وجلاله، دون أن يكون مشابهًا لأحد من خلقه.
وبهذا يتبيَّن أنَّ المعطِّلةَ جمعوا إلى التعطيل التشبيه، وأمَّا المشبِّهة فإنَّهم أثبتوا الصفات لله ﷿، لكن جعلوه فيها مشابهًا للمخلوقات، وقد أضافوا إلى كونهم مشبِّهةً التعطيلَ، وذلك أنَّهم لم يُثبتوا الصفات على وجه يليق بالله ﷿، وبذلك كانوا معطِّلة.
[ ٣٠ ]