فصل
في الجواب المفصل على رسالة أبي الحسن الأشعري في
" استحسان الخوض في علم الكلام " قال المالكي ص (١٣٧): (يقول أبو الحسن الأشعري في رسالته في " استحسان الخوض في علم الكلام " يرد على الحنابلة: " إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين، ونسبوه إلى الضلال ") اهـ كلامه.
والجواب: أن الأمر في الاعتقاد مبني على التسليم والاتباع، وهذا مقرر عند أهل السنة والجماعة، بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، ومن جاء بعدهم من الأئمة.
وهذا ما يسميه المتبدعة تقليدا، ويعيبون أهل السنة به، لجعلهم الوحيين مصدرا للعقيدة دون تحكيم العقل فيها، وأمور الغيب عامة لا يمكن إدراكها بالعقل قط، بل إن غاية إدراك العقل لما غاب عن الإنسان من أمور الدنيا، أو شيء منها، ظني لا يفيد العلم، ولا حتى العلم المقارب، فكيف بما غاب عنه من أمور
[ ٣٣٢ ]
الآخرة ونحوها؟
فلا يحكم العقل في ذلك، أو يصحح حكمه فيها، إلا ناقص عقل، أو من لا عقل له، ولو كان في العقول كفاية، أو نوع كفاية، لما كان الخلق في حاجة للرسل، ولما أرسل الله سبحانه رسله إلى عباده.
ولو كانت كافية لما ضلت اليونان، وهم أهل العقل وعلومه، بل إن ضلال اليونانين في هذه الأبواب أعظم من ضلال غيرهم، لهذا تجد أن جميع أهل الملل والنحل باختلافها أقرب إلى الهداية، وأكثر طلبا لها من اليونانين فلاسفة ومناطقة.
حتى من آمن منهم، إيمانه مذبذب، على شفا جرف هار، تجده قليل عبادة، وضعيف ديانة وصلاح واستقامة وزهد وورع، بل ربما كان خلوا منها كلها أو أكثرها.
ومنهم من لم يدخل في الإسلام إلا مكيدة به وبأهله، فما حصل منهم في عهد المأمون وقبله وبعده من تفرق المسلمين إلى اليوم شيء كبير عريض، لو اجتمعت جيوش الكفر لفعله لما استطاعت، ولكن مكر الليل والنهار.
ومن طالع تراجم المتكلمين لم يجد أحدا منهم يسلم من طامة أو بلية، بل هم في ذلك بين مكثر ومقل، عياذا بالله.
[ ٣٣٣ ]
ومن لم يشفه الوحي في معرفة أصول الدين فلا شفاه الله، ومن لم يعرفه به فكيف وبم يعرفه؟
ثم ذكر المالكي قول الأشعري: (وزعموا أن الكلام في الحركة، والسكون، والجسم، والعرض، والألوان، والأكوان، والجزء، والطفرة، وصفات الباري ﷿، بدعة وضلالة) اهـ كلامه.
والجواب: أن هذا حق، فإن تحكيم العقل في صفات الله جل وعلا الذاتية والفعلية، وما يجوز عليه سبحانه، وما يمتنع، بمنأى عن الوحي، بل مع معارضته منكر عظيم، بل كفر وردة عن الإسلام.
لهذا تجد عقائد المتكلمين تخالف صريح القرآن وصحيح السنة مخالفة ظاهرة، لا يمكن الجمع بينهما، وتخالف اعتقاد المسلمين في الصدر الأول، وما تلاه من أهل القرون الفاضلة المفضلة، وما عليه أهل السنة جميعا بعد ذلك.
غير أن بعد المتكلمين من الحق وقربهم منه: بقدر حظهم من علم الكلام، فمن زاد علمه به زاد بعده عن الحق، والله المستعان.
ثم أورد المالكي ص (١٣٧ - ١٣٨) قول الأشعري، وهو يذكر حجج أهل السنة في إبطال علم الكلام:
[ ٣٣٤ ]
(١- وقالوا:
لو كان هدى ورشادا لتكلم فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفاؤه وأصحابه.
٢ - قالوا:
ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يمت حتى تكلم في كل ما يحتاج إليه من أمور الدين، وبينه بيانا شافيا، ولم يترك بعده لأحد مقالا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، وما يقربهم إلى الله ﷿، ويباعدهم عن سخطه.
فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء مما ذكرناه علمنا أن الكلام فيه بدعة، والبحث عنه ضلالة؛ لأنه لو كان خيرا لما فات النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، ولتكلموا فيه.
٣ - قالوا:
ولأنه ليس يخلو ذلك من وجهين:
* إما أن يكونوا علموه فسكتوا عنه.
* أو لم يعلموه، بل جهلوه.
فإن كانوا علموه ولم يتكلموا فيه وسعنا أيضا نحن السكوت عنه كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا ترك الخوض فيه كما وسعهم ترك الخوض فيه؛ لأنه لو كان من الدين ما وسعهم السكوت عنه.
[ ٣٣٥ ]
وإن كانوا لم يعملوه وسعنا جهله كما وسع أولئك جهله؛ لأنه لو كان من الدين لم يجهلوه.
فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة، والخوض فيه ضلالة.
فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأصول) اهـ كلامه.
وأقول: هذه حجج قوية، دافعة لكل شبهة وبدعة، وهي حجج تبطل كل بدعة وضلالة، سواء كانت علم الكلام أم خلق القرآن أم غير ذلك، كما أن لهم في رد علم الكلام حججا أخرى لم يذكرها الأشعري، قد ذكرنا طرفا منها في مواضع تقدمت.
ثم قال المالكي ص (١٣٨): (ثم أخذ أبو الحسن الأشعري في الرد قائلا: " الجواب عن الكلام السابق من ثلاثة أوجه:
أحدها: قلب السؤال عليهم، بأن يقال: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل أيضا: " إنه من بحث عن ذلك، وتكلم فيه، فاجعلوه مبتدعا ضالا "، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضلالا، إذ تكلمتم في شيء لم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) اهـ كلامه.
[ ٣٣٦ ]
وجواب هذا الوجه يسير من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الكلام في أسماء الله وصفاته وأمور الغيب عامة توقيفي، لا يجوز أن يزاد فيها أو ينقص منها إلا عن طريق الوحي، فمن تكلم في هذا الباب من غير توقيف كان مخطئا، ولو قدر أنه أصاب؛ لتكلمه فيه من غير طريق الوحي، فإذا تقرر هذا فالكلام في هذا الباب بعلم الكلام فاسد باطل.
الثاني: أن علم الكلام وكتبه كتب المنطق والفلسفة لم تكن في عهد النبي ﷺ حتى يخصها بشيء، إلا أن علم الكلام قد احتوى على مسائل كثيرة وعظيمة، قد حذر النبي ﷺ وشدد في آحادها، فكيف بها مجتمعة؟ كرد القرآن أو السنة بالرأي، أو ضرب بعضه ببعض، أو التشكيك في حكمه بمتشابهه، أو الكلام في الدين بالرأي، مع ما احتواه علم الكلام من مخالفة لكلام الله ﷿، وكلام رسوله ﷺ، وهذا كاف في معرفة حكم الشارع فيه.
الثالث: أن الصحابة ﵃ والتابعين ساروا على ما سار عليه نبيهم ﷺ، فلما طرأ علم الكلام ودخل على المسلمين ضج أئمة الإسلام وعلماؤهم بإبطاله، وتحريمه، ورده، والتحذير منه، ومن أهله، وتكفير كثير من منتحليه لفساد عقائدهم، وقد تقدم.
[ ٣٣٧ ]
ثم أورد المالكي الوجه الثاني لجواب أبي الحسن الأشعري على أهل السنة فقال: (والجواب الثاني: أن يقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجهل شيئا مما ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض، والحركة والسكون، والجزء والطفرة، وإن لم يتكلم في كل واحد من ذلك كلاما معينا، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أن هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة أصولها، موجودة في القرآن والسنة جملة غير مفصلة) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أنه إذا كان أصل هذه الألفاظ موجودا في القرآن والسنة فلم الإعراض عنها، واستبدال عباراتهما بعبارات المتكلمين والفلاسفة اليونان؟
الثاني: أنا لو سلمنا - ولا نسلم - أن أصل هذه الألفاظ في الكتاب والسنة فقد تضمنت أمورا زائدة على أصلها، أو نقصت عنه، فهي غير موافقة، فيبقى حكم ذلك القدر الزائد مردودا، يحتاج دليلا لإثباته.
الثالث: أن غالب تلك الألفاظ محادة لما جاء عن الله جل وعلا، وعن رسوله ﷺ، مناقضة لهما، فكيف يكون أصلها في الكتاب والسنة؟ معاذ الله.
[ ٣٣٨ ]
فإن المتكلمين يقولون: إن الحركة والسكون من صفات المخلوقات، لهذا لا تجوز في حق الله ﷿، ثم يبطلون بذلك جميع صفات الله سبحانه الفعلية، وهذا باطل فاسد، مخالف بالكتاب والسنة والإجماع، وللمتكلمين غير ذلك مما لا يستساغ ذكره.
ثم قال الأشعري: (أما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن، وهما يدلان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال الله تعالى، مخبرا عن خليله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، في قصة أفول الكواكب والشمس والقمر، وتحركهما من مكان إلى مكان، ما دل على أن ربه ﷿، لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأن من جاز عليه الأفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أن في هذا الكلام السابق محادة ومخالفة ومعارضة لما في الكتاب والسنة، وتحريفا لكلام الله ﷿ عن مواضعه، وهذا مصداق ما قدمنا قريبا.
الثاني: أن قول إبراهيم ﵇ دال على خلاف ما استدل به الأشعري، فإنه ﵇ لم ينكر حركة هذه الكواكب، وإنما
[ ٣٣٩ ]
أنكر أفولها، وغياب سلطانها بعد ظهوره، وهذا يدل على جواز الحركة والظهور، لا انتفائه.
قال ﷾: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ - فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨] .
الثالث: أن الكتاب والسنة قد دلا على ثبوت الصفات الفعلية لله جل وعلا، كصفة المجيء والنزول وغيرها، التي أنكرتها المعتزلة، وسبق إنكارها في كلام الأشعري المتقدم، ومن ذلك:
* قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا - وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢] .
* وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] .
* وقال ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
وروى الإمام مالك في " الموطأ " عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»،
[ ٣٤٠ ]
وهذا حديث صحيح مخرج في " الصحيحين " [خ (١١٤٥) و(٦٣٢١) و(٧٤٩٤) عن القعنبي وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي وإسماعيل بن أبي أويس كلهم عن مالك، م (٧٥٨) عن يحيى بن يحيى عن مالك به] .
قال عباد بن العوام: (قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحو من خمسين سنة، قال: فقلت له: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث - يعني حديث النزول السابق - قال: فحدثني بنحو من عشرة أحاديث في هذا، وقال: " أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب رسول الله ﷺ، فهم عمن أخذوا؟ ") .
ثم قال الأشعري ص (١٣٩): (أما الكلام في أصول التوحيد فمأخوذ أيضا من الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهذا الكلام موجز منبه على الحجة، بأنه واحد لا شريك له) اهـ.
والجواب:
أن أهل الكلام يظنون أن أصل التوحيد ومرجعه هو توحيد الربوبية، وهو الذي أرسلت به الرسل، ونزلت في بيانه الكتب، والحق في هذا أن الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم بعثوا بأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية - وهو توحيد العبادة - وتوحيد الأسماء والصفات.
[ ٣٤١ ]
ولم ينازع المشركون وغالب أقوام المرسلين في الأمم كلها في توحيد الربوبية، وإنما كان نزاعهم في توحيد الألوهية، قال الإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي (ت ٧٩٢ هـ) في " شرح الطحاوية " (١ / ٢٨- ٢٩): (وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لاعتقادهم أن توحيد الربوبية، الذي قرروه هو توحيد الألوهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل ﵈.
وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الألوهية، المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم) اهـ.
ثم قال المالكي ص (١٤٠): (ثم أطال الأشعري الكلام على هذه المسألة في نحو خمس صفحات، ثم قال: " يقال لهم: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصح عنه
[ ٣٤٢ ]
حديث في أن القرآن غير مخلوق، أو هو مخلوق، فلم قلتم إنه غير مخلوق؟ ".
فإن قالوا: قاله بعض الصحابة، وبعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعا ضالا، إذ قال ما لم يقله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن قال قائل: فأنا أتوقف في ذلك، فلا أقول مخلوق، ولا غير مخلوق، قيل له: أنت في توقفك ذلك مبتدع ضال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقفوا فيها، ولا تقولوا فيها شيئا، ولا قال: ضللوا، وكفروا من قال بخلقه، أو من قال بنفي خلقه.) اهـ كلامه.
والجواب: أن الله ﷿ قد قبض نبيه ﷺ بعد أن أكمل الدين، وأتم الشريعة، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال أبو الدرداء ﵁: (لقد مات النبي ﷺ وما طائر يطير بجناحيه إلا وعندنا منه خبر) .
ولما قال المشركون لسلمان الفارسي ﵁: «قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟
[ ٣٤٣ ]
فقال: " أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع، أو بعظم» وهذا في مسلم في " صحيحه " (٢٦٢) .
فإذا كان الحال كذلك فكيف نترك في أمر عظيم كمسألة خلق القرآن بلا بينة ولا دليل؟ وقد دل الكتاب والسنة الصحيحة، بل المتواترة، وإجماع السلف، على أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وقد تكلم الله به، وما كان منه سبحانه فهو غير مخلوق، ومن قال خلاف ذلك فقد كفر، قال ﷾: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقال جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]، والآيات في هذا الباب كثيرة.
وكذلك الأحاديث النبوية متواترة في هذا الباب، وهي أكثر من أن تحصى، منها:
[ ٣٤٤ ]
* قوله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان»، رواه البخاري (٦٥٣٩) ومسلم (١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم ﵁.
* وقوله ﷺ: «يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج ذريتك بعثا إلى النار»، رواه أحمد في " مسنده " (٣ / ٣٢ - ٣٣)، والبخاري في " صحيحه " (٣٣٤٨) و(٤٧٤١) و(٦٥٣٠)، ومسلم (٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
أما إجماع السلف قاطبة وأهل السنة جميعا فقد حكاه جماعات من العلماء، كأبي حاتم وأبي زرعة الحافظين الرازيين رحمهما الله وغيرهما.
وقد ذكرت أول الكتاب أسماء جماعات من السلف والحفاظ ممن كفروا من قال بخلق القرآن، فلا يقول ما فاه به الأشعري، أو يستدل به، أو يخاله حجة، إلا من لم يعرف الكتاب ولا السنة، ولا ما كان عليه علماء الأمة، وإنما صنعته الكلام والفلسفة.
ثم قال الأشعري ص (١٤٠): (وخبرونا لو قال قائل: إن علم الله مخلوق، أكنتم تتوقفون فيه أم لا؟
فإن قالوا: لا،
[ ٣٤٥ ]
قيل لهم: لم يقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أصحابه في ذلك شيئا.
وكذلك لو قال قائل: هذا ربكم شبعان، أو ريان، أو مكتس، أو عريان، أو مقرور. . . ونحو ذلك من المسائل، لكان ينبغي: أن تسكت عنه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتكلم في شيء من ذلك، ولا أصحابه، أو كنت لا تسكت فكنت تبين بكلامك أن شيئا من ذلك لا يجوز على الله ﷿، وتقدس عن كذا وكذا، بحجة كذا وكذا) اهـ كلامه.
والجواب: أن باب الأسماء والصفات باب غيبي، لا تجوز الإضافة إليه، أو النقص منه، إلا بوحي من كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ، فمن وصف الله ﷿ بشيء ليس في الكتاب ولا السنة رد على قائله، وطولب بالدليل.
أما المتكلمون فلا يستطيعون إثبات صفة ولا نفيها خارج الكتاب والسنة، فإنهم لا يستدلون بحجة عقلية على إثباتها أو نفيها إلا ولخصمهم حجة عقلية أخرى، ترد ما استدلوا به، وتثبت خلافه.
لهذا كان مآل أكثرهم - والعياذ بالله - الزندقة، ومن سلم منهم من الزندقة كان شكاكا متلجلجا.
[ ٣٤٦ ]
ثم قال المالكي ص (١٤٢) بعد إتمامه كلام أبي الحسن الأشعري: (وأنتم ترون أن عدم فهم حجة الطرف الآخر، والظن بأنه لا يعتمد على دليل، من الأسباب الرئيسة في انتقاصنا للآخرين، والنظر إليهم بعين الازدراء، وكأنهم مجموعة من العوام الذين يعكفون على التقليد، ويعتمدون على أذواقهم وعقولهم القاصرة، إلخ.
ولو تواضعنا وطلبنا من الآخر أن يبين حجته بالبراهين لندرسها ونراجعها لكان أفضل مما نحن عليه من نفي الآخر، والتعالي عليه، ولعلنا أجهل منه، وأبعد عن الحق) اهـ كلام المالكي.
والجواب عن هذا يسير من وجهين: أحدهما: أن ما ذكره المالكي قد سلم منه السلف وأتباعهم بحمد الله، وإنما هو وصف لحاله مع أئمة السلف وعلماء السنة، على حد قول الأول: "رمتني بدائها وانسلت "، وهو أحق الناس بنصيحته.
الثاني: أن أهل السنة حنابلة وغيرهم ﵏ لما حكموا على علم الكلام بما حكموا به عليه، كان حكما عادلا منصفا، قد بينا سابقا دلائل صدقه، وظهور إصابته.
ولا أدل وأوضح على ذلك من رجوع أبي الحسن الأشعري نفسه عما كان فيه من اعتزال وكلام إلى مذهب أهل السنة، وخص منهم إمام الأئمة أحمد بن حنبل ﵁، وهذا قد ذكره أبو الحسن الأشعري في رسالته " الإبانة ".
[ ٣٤٧ ]
فلم رجع الأشعري عن كلامه السابق، بل عن مذهبه كله إلى مذهب الإمام أحمد؟ أم أن أبا الحسن الأشعري - أيضا - لم يفهم ما كان هو عليه، ويحتج له، ويذب عنه؟
وكذلك رجوع أئمة المتكلمين وكبارهم - الذين بلغوا فيه الغاية، وأصبح المتكلمون يحتجون بهم، وقد كانوا يحتجون لهم - عن الكلام، وقد قدمنا ذكر بعضهم، وهذا يدل على دقة فهم السلف لمآل علم الكلام وأهله.
[ ٣٤٨ ]