فصل
في ذكر شيء من فتوحات الأمويين بعد أن تم الصلح بين الحسن بن علي، وبين معاوية بن أبي سفيان ﵃، وبايع الحسن، معاوية - وذلك عام (٤١ هـ)، فكان لأهل السنة عام الجماعة، وكان لأهل البدعة عام الفرقة - انطلقت جيوش الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، غازية في سبيل الله، ففتحت " سوسة " و" جلولا " و" فزان "، و" قصوركوار" و" خاور" و" غبرامس " و"ميلة " و"تلمسان " في بلاد المغرب الإسلامي، وغيرها.
ثم لما وافت المنية خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين وخالهم معاوية بن أبي سفيان ﵄، سنة (٦٠ هـ) تولى ابنه يزيد، ومع ما قيل فيه حقا وباطلا إلا أنه كان شجاعا، ذا همة علية، ونفس أبية، تتطلع نفسه للقتال، فاستمر في إعداد الجيوش للجهاد، وإرسال الكتائب تلو الكتائب، ففتح الله للمسلمين في عهده: "المنستير" و"الزاب " و"تيهرت " و"طنجة" وغيرها إلى المحيط الأطلسي.
ثم توالت الفتوحات، واستمرت في سائر عهود خلفاء بني أمية، حتى بلغت الفتوحات في عهدهم أقصى حد استطاعه المسلمون تقريبا، حتى أن خلفاء بني العباس لم يستطيعوا زيادة تلك الفتوحات - مع حرصهم على ذلك - زيادة تذكر، بجانب فتوحات الأمويين، فاقتصر
[ ٢٣٠ ]
العباسيون على حماية الثغور، والمحافظة على هذه الرقعة العظيمة التي بلغت حدود "الصين " شرقا، و"الأندلس " وجنوب "فرنسا غربا، و"بحر قزوين " شمالا، و" المحيط الهندي " جنوبا.
بل ربما لو سلمت دولتهم من ثورات الثائرين هنا وهناك، والدعوات السياسية السرية- بعد استقرار الأمر لبني أمية، بعد وفاة يزيد - التي أشغلتها عن الجهاد والفتوحات، وأضعفت التفاف الناس عليها، لكان قد عم الإسلام الأرض قاطبة.
وغالب تلك الثورات كانت ثورات شيعية، لم تظفر من الدولة الأموية بشيء أكثر من إشغالها عن الجهاد والفتوحات، وأعظم به من ظفر، مما يدل على أن وراء الأمر مكيدة.
وغالب أولئك الثائرين يطلبون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم، فيطلبون ملك الأب والجد، ويحرمون على الأمويين توارث الخلافة والحكم، إذ أنه مخالف لحقيقة الخلافة، فحل لهم ما حرم على غيرهم.
وإن كان بعض أولئك صالحا، إلا أن أقل أحواله أنه مستدرج.
ولست أعني بهذا عليا وابنيه - حاشا لله - وهم أجل من أن يرد عليهم ذلك، وإنما قلته دفعا لما أعلمه من تلبيس الرافضة، وتحريفهم الكلم عن مواضعه.
[ ٢٣١ ]
وخلافة علي خلافة راشدة على منهاج النبوة، وبيعته صحيحة لا مرية فيها ولا ريب، ومن نازعه الأمر خالف وعصى، غير أن من في ذلك من أصحاب رسول الله ﷺ متأول، مجتهد مخطئ.
والحسن ﵁ خلافته خلافة نبوة كذلك، فهي تمام الثلاثين، غير أن الأمر لم يستقم له، وما كان صاحب ملك ودنيا، وإنما كان صاحب تقى وزهد وأخرى، فنزل بالخلافة إلى معاوية ﵄.
أما الحسين ﵁، فكان يرى أن الخلافة بعد معاوية له، وهو أحق أهل ذلك العصر، وما كان أحد لينازعه، إلا أن معاوية كان قد أخذ البيعة لابنه يزيد، فكان ما كان.
وقتل الحسين ﵁ ظلم كبير، وفجور ظاهر، نال به ﵁ الشهادة، ونال قاتله اللعنة والمحادة.
وإنما عنيت ما حدث بعدهم، في دولة بني أمية من ثورات، يقف المتأمل من مقاصدها مواقف ريبة، مع حرمتها شرعا، وسذاجتها عقلا.
وكما قررنا قريبا أن الإسلام انتشر في تلك البلاد، وانتفع أهلها بالإسلام والمسلمين، إذ تحرروا من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن ذل الدنيا، إلى عز الآخرة والدنيا.
قال الدكتور عبد الشافي بن محمد عبد اللطيف، في كتابه (العالم الإسلامي في العصر الأموي) ص (٥٨٧): (أما أبرز أمجاد الأمويين الباقية
[ ٢٣٢ ]
على الزمن، فهي جهودهم في ميدان الفتوحات الإسلامية، فرغم المصاعب الجمة التي كانت تعترض طريقهم، والقوى العديدة المعادية لهم، والتي كانت تشدهم إلى الوراء، فقد نفذوا برنامجا رائعا للفتوحات، ورفعوا راية الإسلام، ومدوا حدود العالم الإسلامي، من حدود "الصين" في الشرق، إلى " الأندلس "، و"جنوب فرنسا" في الغرب، ومن " بحر قزوين " في الشمال، حتى " المحيط الهندي " في الجنوب.
ولم يكن هذا الفتح العظيم، فتحا عسكريا لبسط النفوذ السياسي، واستغلال خيرات الشعوب، كما يدعي بعض أعداء الإسلام، وإنما كان فتحا دينيا وحضاريا، حيث عمل الأمويون بجد واجتهاد على نشر الإسلام في تلك الرقعة الهائلة من الأرض، وطبقوا منهجا سياسيا في معاملة أبناء البلاد المفتوحة، هيأهم لقبول الإسلام دينا، حيث عاملوهم معاملة حسنى في جملتها، واحترموا عهودهم ومواثيقهم معهم، وأشركوهم في إدارة بلدهم، فأقبلوا على اعتناق الإسلام عن اقتناع ورضى.
وبذلك تكون في العصر الأموي، عالم إسلامي واحد، على هذه الرقعة الكبيرة من الأرض، أخذ يشق طريقه تدريجيا نحو التشابه والتماثل في العادات والتقاليد والأخلاق، ومعاملات الحياة. وأخذت أممه وشعوبه، تنسلخ من ماضيها كله، وتنصهر في بوتقة الإسلام، الذي حقق لها العزة والكرامة والحرية والمساواة، مكونة الأمة الإسلامية) اهـ.
[ ٢٣٣ ]