فصل
في رميه الإمام أحمد ﵀، بأنه لم يتحكم في عواطفه! لكون الدولة
والعامة معه! وبيان مراده، والرد عليه قال المالكي بعد كلامه السابق، في حاشية ص (١٠٩): (وللأسف أن غالب المنتصرين لا يتحكمون في عواطفهم، خصوصا إذا كانت الدولة والعامة معهم. فالقلائل من عقلاء الناس، يتحكمون في خصوماتهم، حتى لا تخرج عن الشرع.
ولعل من أبرز النماذج الجميلة في تاريخنا: نموذج الإمام علي مع الخوارج، فرغم أنهم كانوا يصرحون بعداوته، ويكفرونه، ويسبونه، ورغم ورود النصوص فيهم بأنهم يمرقون من الإسلام، إلا أن الإمام علي (١) كان شريف الخصومة، فلم يستغل كل هذا في تكفيرهم، وإنما قال: " إخواننا بغوا علينا ". وكان يمنحهم حقوقهم كغيرهم من المسلمين، ولم يقاتلهم إلا بعد سفكهم الدماء) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام سلفا وخلفا: لم يكفروا أحدا لعواطفهم، أو خصومتهم معه، بل كان ضابط ذلك ومرجعه:
_________________
(١) كذا في كتاب المالكي! والصواب: "عليا".
[ ١٦٣ ]
كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله ﷺ.
لهذا تجد اتفاق أئمة الإسلام، بجميع مذاهبهم الفقهية، وطبقاتهم الحديثية، على كفر أولئك.
فإن كانت العاطفة أخذت أحمد - حاشاه -، فهل أخذت أئمة الإسلام جميعا؟ !
الثاني: أن قياس الجهمية بالخوارج على الخليفة الراشد علي ﵁، كما فعل المالكي: قياس مع الفارق غير صحيح.
فإن الخلاف مع الجهمية أصولي، أما الخوارج: فخلافهم - عند نشوئه في أوله - لم يكن أصوليا، لهذا قال فيهم علي ﵁ ما قال.
إلا أنهم - أعني الخوارج - انتحلوا بعد ذلك الاعتزال، فحكمهم كحكم بقية الجهمية والمعتزلة.
الثالث: أن الإمام أحمد ﵀ - وإن كان كفر المعتزلة - إلا أنه لم يقتل أحدا منهم، ولم يحرض الخليفة العباسي على قتل أحد منهم، بخلاف علي ﵁، فإنه مع عدم تكفيره للخوارج، إلا أنه سفك دماءهم، ونكل بهم - في مواقع مشهودة - شر تنكيل، فعلي ﵁، أشد في دين الله من أحمد ﵀، وفعل علي ﵁ في الخوارج، حق ولا ريب. بل إن قتله لهم منقبة وفضيلة أتت في غير حديث له، فأخرج الإمام أحمد (١ / ١١٣) والبخاري (٦٩٣٠) ومسلم (١٠٦٦) عن علي ﵁ قال: سمعت
[ ١٦٤ ]
رسول الله ﷺ يقول: «يخرج في آخر الزمان، قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فافتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة» .
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج قوم فيهم رجل مودن اليد، أو مثدون اليد، أو مخدج اليد، ولولا أن تبطروا، لأنبأتكم بما وعد الله الذين يقاتلونهم على لسان نبيه» رواه الإمام أحمد في " مسنده " (١ / ٥٩) ومسلم (١٠٦٦) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تمرق مارقة في فرقة من المسلمين، يقتلهما أولى الطائفتين بالحق» رواه مسلم (١٠٦٥) .
وروى الإمام أحمد في " مسنده " (٣ / ٣٣) وابنه عبد الله في " السنة " (١٥١٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ - وقد روى حديثا في الخوارج وعلاماتهم - قال: (فحدثني عشرون أو بضع وعشرون من أصحاب رسول الله ﷺ أن عليا ولي قتلهم) .
الرابع: أن عليا ﵁، إن كان وسعه خروج الخوارج عليه، وقال فيهم ما قال، إلا أنه لما خرج الزنادقة في عهده، ممن يزعمون حبه وتوليه، وكانت مخالفتهم عقدية أصولية: حرقهم بالنار ونكل بهم، ولم يكتف بتكفيرهم. فلو كانت الجهمية والمعتزلة في عصر
[ ١٦٥ ]
علي، وبلغه منهم ما بلغ أحمد: لأرانا علي ﵁ فيهم، ما أرانا في أشباههم.
[ ١٦٦ ]