فصل
في رميه الحنابلة بالتناقض، في ذمهم الخوارج بتكفير المسلمين وقتلهم
ثم يكفرون المسلمين ويفتون بقتلهم، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦): (وتراهم يذمون الخوارج، لأنهم يقتلون المسلمين ويكفرونهم، بينما هم يفتون بقتل خصومهم وتكفيرهم، كالخوارج تماما. انظر على سبيل المثال، الآثار عند عبد الله بن أحمد: (٥٢٨، ٥٣١)، (٤٣١)، (١ / ١٨ ١، ١٠٧، ١١٢، ١١٥، ١٢٠، ١٢١، ١٢٤، ١٢٧) وغير ذلك مما لا يمكن حصره) اهـ.
والجواب من وجوه أربعة: أحدها: أن علماء المسلمين جميعا، يكفرون من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام، الاعتقادية، أو القولية، أو الفعلية، وليس هذا من عقائد الخوارج أو خروجا.
الثاني: أن من كفره الحنابلة، للتجهم أو الاعتزال، من قول بخلق القرآن، وغيره لم ينفردوا- كما سبق بيانه- بتكفيره، وهم مسبوقون من أئمة السلف جميعا بتكفيرهم، وعليه المتأخرون من أهل السنة.
[ ٣٠٨ ]
الثالث: أن الحنابلة والسلف جميعا وأهل السنة كلهم بعدهم كفروا الجهمية والمعتزلة، وخصوا بالتسمية الجهم بن صفوان، وبشرا المريسي، والجعد بن درهم، ونحوهم.
أما الخوارج فكفروا عثمان، وعليا ﵄، ومن معهما، وكفروا عصاة المسلمين ببعض الكبائر، فهل يرى المالكي أن تكفير الزنادقة لعنهم الله كالجهمية من جنس تكفير عثمان، وعلي ﵄؟!
الرابع: أن الأرقام والمواضع التي ذكرها المالكي في كلامه السابق، وعابها على الحنابلة، وأشار إلى وجودها عند عبد الله بن أحمد في كتابه "السنة"، وأن فيها تكفيرا للمسلمين من الحنابلة، فسأذكر ما تحت تلك الأرقام المذكورة من آثار، ليتبين مدى كذب هذا الرجل وفجوره:
رقم (٥٢٨)
. روى عبد الله بن الإمام أحمد في "السنة" تحته بسنده إلى يزيد بن هارون قال: (إن كان ما يذكر عن بشر المريسي حقا: حل سفك دمه) .
رقم (٥٣١)
. وروى عبد الله بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي قال: (من زعم أن الله ﷿ لم يكلم موسى صلوات الله عليه: يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه) .
رقم (٢ / ٤٣١)
[ ٣٠٩ ]
وروى عبد الله بسنده إلى الإمام مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل قال: (كنت مع عمر بن عبد العزيز ﵀، فقال لي: ما ترى في هؤلاء القدرية؟
قال: قلت: أرى أن تستتيبهم، فإن قبلوا ذلك، وإلا عرضتهم على السيف.
فقال عمر بن عبد العزيز: ذلك هو الرأي.
قلت لمالك: فما رأيك أنت؟
قال: هو رأيي) اهـ.
رقم (١ / ١١٨)
وروى عبد الله بسنده إلى فطر بن حماد قال: (سألت معتمر بن سليمان فقلت: يا أبا محمد، إمام القوم يقول: "القرآن مخلوق " أصلي خلفه؟
فقال: "ينبغي أن تضرب عنقه ") .
رقم (١ / ١٠٧)
وروى عبد الله بسنده إلى سفيان الثوري قال: (من زعم أن قول الله ﷿ ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩] مخلوق، فهو كافر، زنديق، حلال الدم) .
رقم (١ / ١١٢)
[ ٣١٠ ]
وروى عبد الله بسنده إلى سفيان بن عيينة قال: (من قال: "القرآن مخلوق" لما كان محتاجا أن يصلب على ذباب) يعني جبل.
رقم (١ / ١١٥)
وروى عبد الله بسنده إلى وكيع بن الجراح قال: (من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أنه محدث يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت رقبته) .
ورقم (١ / ١٢٠)
وروى عبد الله بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي، بأقوال عدة له، منها قول عبد الرحمن بن مهدي ﵀: (لو كان لي من الأمر شيء، لقمت على الجسر، فلا يمر بي أحد من الجهمية، إلا سألته عن القرآن فإن قال: إنه مخلوق: ضربت رأسه ورميت به في الماء) .
ورقم (١ / ١٢١) وروى عبد الله بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي، بعدة آثار بمعنى الأثر السابق.
رقم (١ / ١٢٤)
وروى عبد الله بسنده إلى شبابة بن سوار قال: (اجتمع رأيي، ورأي أبي النضر هاشم بن قاسم، وجماعة من الفقهاء، على أن
[ ٣١١ ]
المريسي كافر جاحد، نرى أن يستتاب فإن تاب، وإلا ضربت عنقه) .
رقم (١ / ١٢٧)
* وروى عبد الله بسنده إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد قال: (بلغني أن بشرا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني به، إلا قتلته قتلة ما قتلتها أحدا قط) .
وبعد سياقة هذه الآثار، التي زعم المالكي أن فيها تكفيرا من الحنابلة لخصومهم من المسلمين فشابهوا الخوارج، لذلك يتبين جليا أنها أقوال جماعة من أئمة السلف، وهم:
* عمر بن عبد العزيز، الخليفة الراشد (ت ١٠١ هـ) .
* وأبو سهيل نافع بن مالك الأصبحي (ت بعد ١٤٠ هـ)، عم الإمام مالك وشيخه.
* وسفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١ هـ) .
* ومالك بن أنس، إمام دار الهجرة (ت ١٧٩ هـ) .
* ومعتمر بن سليمان (ت ١٨٧ هـ) .
* ووكيع بن الجراح (ت ١٩٦ هـ) .
* وعبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) .
* وسفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) .
* ويزيد بن هارون (ت ٢٥٦ هـ) .
[ ٣١٢ ]
* وشبابة بن سوار (ت ٢٠٦ هـ) .
* وهاشم بن القاسم، أبو النضر (ت ٢٠٧ هـ) .
هارون الرشيد، الخليفة القرشي الهاشمي العباسي، الصالح، العادل، الجاهد (ت ١٩٢ هـ) .
وهؤلاء كلهم﵏ - ليسوا بحنابلة، بل هم جميعا أسن من الإمام أحمد ﵀، وجملة منهم لم يدركهم، فإن وفاة أحمد ﵀ سنة (٢٤١ هـ) .
وكلهم من أئمة الحديث وأهله، مخرج حديثهم في الصحاح الستة، عدا أمير المؤمنين هارون الرشيد ﵏.
وبعد هذا السياق يظهر جليا أمران: * كذب المالكي، وليس بجديد ولا مستغرب منه، فالشيء لا يستغرب من معدنه، وكتابه هذا كله مبني عليه.
* وأنه يرى أئمة السلف الصالح مشابهين للخوارج، مكفرين للمسلمين ظلما، نعوذ بالله من ران القلوب، وخبث العقائد.
ويلزم المالكين كذلك أحد أمرين: إما أن يكفر الزنادقة، الذين كفرهم السلف الصالح، وأجمع أهل السنة على ذلك، بما فيهم الحنابلة فيكون المالكين خارجيا أيضا مثلهم، ويكون عاب على الحنابلة وأئمتهم السابقين، ما هو واقع فيه.
[ ٣١٣ ]
أو لا يكفرهم فيكون مخالفا للسلف، وأهل السنة جميعا، وموافقا للزنادقة والضلال، فليختر ما شاء فلا ثالث لهما.
[ ٣١٤ ]