فصل
في رميه الحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الكلام والجدل حين ضعف حجتهم
فإذا تمكنوا تركوا ذلك وجادلوا، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٧): (مثل شبهتهم في النهي عن علم الكلام والجدل، مع أنهم يتناقضون ويجادلون إذا تمكنوا من ذلك.
لكن لهم شبها ضعيفة، يمنعون بها العلماء من الخوض في علم الكلام، بينما يعلمون العوام مصطلحات مستحدثة من علم الكلام) اهـ.
والجواب: أحدها: أن الناهين عن علم الكلام، هم أئمة السلف، وشيوخ المسلمين، من كل المذاهب، باختلاف العصور، وقد قدمت قريبا عند ذكر الناهين عن المنطق، جملة كبيرة من أسمائهم، حنفية، ومالكية، وشافعية، وحنابلة.
بل حتى أئمة هذا الفن - أعني علم الكلام - قد رجع عنه جملة من كبار أئمته، وندموا على دخولهم فيه، كأبي حامد الغزالي، والفخر الرازي، وغيرهم، وقد ذكرنا بعضهم في موضع سابق.
[ ٣٢٠ ]
الثاني: أن الناهين عن جدال أهل البدع ومناظرتهم هم أئمة السلف والمسلمين كذلك، حنابلة وغير حنابلة، من أهل السنة، قال الإمام البغوي ﵀ في " شرح السنة " (١ / ٢١٦): (واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه) اهـ.
وقد عقد جملة من أئمة المسلمين أبوابا في مصنفاتهم، ذكروا فيها نهي السلف عن الجدال والمناظرة، ومنهم:
الآجري في " الشريعة ": (باب ذم الجدال والخصومات في الدين) . * واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة ": (سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم، والمكالمة معهم، والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) .
* وابن بطة العكبري في " الإبانة الكبرى ": (باب النهي عن المراء في القرآن) .
* وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله ": (باب ما يكره فيه المناظرة والجدال والمراء) .
* وأبو القاسم التيمي في " الحجة في بيان المحجة ": (فصل في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والاستماع إلى أقوالهم) وغيرهم.
وفي هذه الكتب وغيرها ما لا يحصى كثرة من نهي جماعات من السلف عن الجدال والمراء.
[ ٣٢١ ]
ومستندهم في ذلك: قول الله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر: ٤] ونحوه، وقول النبي ﷺ: «أبغض الرجال إلى الله: الألد الخصم»، أخرجه البخاري (٤٥٢٣)، ومسلم (٢٦٦٨) عن عائشة ﵂.
وقوله ﷺ: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨]»، أخرجه الترمذي (٣٢٥٣) وابن ماجه (٤٨) والحاكم (٤٤٧٢) وصححه، ووافقه الذهبي عن أبي أمامة ﵁.
ومن أقوال أئمة السلف الشهيرة في هذا الباب: * قول أبي قلابة ﵀: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم) .
* وقول الحسن البصري، ومحمد بن سيرين: (لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم) .
* وقول عون بن عبد الله بن عنبة بن مسعود الهذلي: (لا تجالسوا أهل القدر، ولا تخاصموهم، فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض) .
* وقول الفضيل بن عياض: (لا تجادلوا أهل الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله)، وهؤلاء كلهم قبل الإمام أحمد ﵏.
[ ٣٢٢ ]
والآثار في هذا الباب كثيرة جدا عن الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومن بعدهم، قال الإمام اللالكائي الشافعي (ت ٤١٨ هـ) في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة " (١ / ١٩): (فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة، يموتون من الغيظ كمدا ودردا، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا، حتى جاء المغرورون، ففتحوا لهم إليها طريقا، وصاروا إلى هلاك الإسلام دليلا، حتى كثرت بينهم المشاجرات، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة) . . . إلى آخر كلامه ﵀.
أما ما ورد في جواز الجدال والمناظرة أيضا فكثير، كقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وجدال إبراهيم ﵇ لقومه، وللنمرود، وجدال نبينا محمد ﷺ لقومه آحادا وجماعات، وتحاج آدم وموسى ﵉.
وأخذ به كثير من السلف مثل:
* الشافعي مع حفص الفرد المعتزلي وغيره.
[ ٣٢٣ ]
* وعمر بن عبد العزيز مع غيلان الدمشقي القدري وغيره.
* والأوزاعي مع بعض القدرية.
* والإمام أحمد وجماعات من الأئمة مع المعتزلة في خلق القرآن، وغيره.
* والدارمي مع بشر المريسي.
وغيرهم كثير لا يحصى، قال الحافظ ابن رجب في " جامع العلوم والحكم ": (قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا) اهـ.
ولا تعارض بين هذه الأدلة والأقوال والأفعال المانعة من الجدال والمناظرة، والآمرة به، أو الآذنة.
وإنما المسألة فيها تفصيل، ذكره جملة من أهل العلم، فلا تجوز المناظرة والجدال إلا بتحقق شروط في المناظر، والخصم، والمكان.
فشرط المناظر: * أن لا يناظر إلا في حق.
* وأن يكون عالما عارفا بما يناظر فيه، متمكنا منه.
وشرط الخصم المناظر: * أن يعلم مناظره فيه الإنصاف، وطلب الحق، بحيث لو استبان له الحق رجع إليه، وترك ما هو فيه وعليه.
وشرط المكان المناظر فيه: * أن لا يكون عاما، إلا إذا ضمن أمرين:
[ ٣٢٤ ]
* أن لا يكون فيه من لو سمع شبه الخصم تعلق قلبه – لجهله - ببعضها، وربما لم يع، أو لا يعي، حجة المناظر له، فيهلك.
* وأن لا يكون الخصم مغمورا غير معروف، فإذا نوظر عرف وظهر أمره عند بعض المفتونين.
فإن كان كل من في المجلس ضالا، فإن اهتدوا، وإلا بقوا على ما هم عليه من الضلال، فلا بأس بالمناظرة فيه على عمومه.
ومدار الحكم تحقق المصلحة، ولو مع تخلف بعض هذه الشروط، فإن ظن تحقق مصلحة راجحة، مع تخلف أحد هذه الشروط، روعيت المصلحة، وترك الشرط، كأن تعلم مكابرة الخصم، وعدم رجوعه للحق، ولو قامت عليه الحجة، أو ملاججته في باطل، يعلم - دون مناظرة - بطلانه، إلا أن المناظر أراد إرغامه وتصغيره أمام أتباعه، آملا في هدايتهم، وطلبا لنجاتهم، كما ناظر موسى ﵇ فرعون، وفرعون يعلم بطلان ما هو عليه، لهذا قال الله عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، إلا أن ما يرجوه موسى ﵇ من المصلحة تحقق، فآمن له السحرة، وزوجة فرعون، وكثير من أتباعه.
ومن نظر في كلام السلف في نهيهم وأمرهم ومنعهم وتجويزهم، رأى أن مدار ذلك كله على ما سبق.
[ ٣٢٥ ]
وهكذا كان منع الحنابلة وتجويزهم، ونهيهم وأمرهم، ولم يكن سببه ما زعمه المالكي من ضعف الحجة والدليل، فإنهم ظاهرون بالحجة على جميع من ناظرهم وجادلهم، وحسبك مناظرتهم مع المعتزلة في خلق القرآن وغيرها، ومناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية لخصومه وغيرهم.
الوجه الثالث: مطالبته بدليل صحة قوله: " بينما يعلمون العوام مصطلحات مستحدثة من علم الكلام "، أو مثاله، وأنى له بذلك؟
[ ٣٢٦ ]