فصل
في رميه الحنابلة بتكلف الأعذار لأئمتهم
وعدم إعذارهم المخالفين مع أهليتهم لذلك، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦): (بينما يبالغون في الاعتذار لعبارات صريحة صدرت من أئمتهم، كما يفعلون في الاعتذار عما كتبه عبد الله بن الإمام أحمد، أو الأهوازي، أو الهروي في التجسيم.
أو ما كتبه البربهاري في التكفير، أو ما كتبه ابن تيمية في انتقاص علي بن أبي طالب، ورد كثير من فضائله) اهـ كلام المالكي.
قلت: وقد تبين من كلامه هذا أنه يريد بكلامه السابق، في الفضل قبله " اشتباه مقصود المتكلم، لا اشتباه الحكم " وقد قدمنا رده.
والجواب من وجوه عدة: أحدها: أن أئمة الحنابلة المذكورين، هم أئمة أهل السنة أيضا، ولم يخطئوا فيما ذكروه ورووه، حتى يحتاج إلى الاعتذار عنهم، باعتذار متكلف أو غير متكلف، مع التنبيه أن الأهوازي لم يكن حنبليا، وتقدم بيانه.
[ ٢٩٦ ]
الثاني: رمي المالكي لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي ﵀ بالتجسيم، من جنس رمي عمرو بن عبيد، لعبد الله بن عمر ﵄ به، ومن جنس رمي أهل البدع جميعا، لأهل السنة به.
وإلا فإن رواية أحاديث الصفات، والإيمان بها على ظاهرها، من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل ليس فيه تشبيه، إلا عند الضلال والمبتدعة.
الثالث: أن البربهاري ﵀، لم ينفرد بتكفير من كفر، ولم يكفر إلا من قالت الأمة بكفره، وقد تقدم الدفاع عنه ﵀.
الرابع: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- وأهل السنة حنابلة وغيرهم- أكثر الناس إجلالا، وحبا، وتعظيما، لصحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم جميعا، خاصة ذوي الفضل الكبير، والسبق الشهير، كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة، والمهاجرين والأنصار، فكيف ينتقص شيخ الإسلام عليا ﵁، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وأفضل الناس قاطبة بعد النبي ﷺ والخلفاء الثلاثة قبله، وكان يدافع ﵀ عن عامة الصحابة من مسلمة الفتح وغيرهم، وممن هم دون علي في الفضل والسابقة؟! وإنما أهل البدع والأهواء قوم بهت، يكذبون ولا يستحون.
وقد قدمنا قريبا في غير موضع، ما يبين مكانة علي ﵁، عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ٢٩٧ ]
ولم يتهم شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه التهمة، إلا الروافض بعد رده العظيم عليهم المسمى "منهاج السنة النبوية" الذي أثنى عليه العلماء، حتى مناوئي شيخ الإسلام وخصومه، أثنوا عليه وأطروه، كالتقي السبكي، وأبياته في ذلك معروفة مشهورة.
أما دعواه أن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀- رد كثيرا من فضائل علي ﵁، فكذب لا بينة عليه ولا دليل أو مثال، إلا إن كان يقصد بفضائله التي ردها شيخ الإسلام:
. القول بإلهيته ﵁.
. أو نبوته.
. أو تقديمه على الشيخين.
. أو ما ورد في فضله من أحاديث موضوعة وضعيفة.
فإن كان هذا، فنعم إذن، ولا إنكار على شيخ الإسلام ﵀، ولا حرج.
ولم يكن علي ﵁ محتاجا إلى تلك الفضائل المزعومة.
لترفع من قدره الرفيع، أو تزيد في فضله العظيم.
ولم يرد شيخ الإسلام ﵀ شيئا صح، ورد في فضائله ﵁.
أما ما كان في صحته نزاع، فمن أهل العلم مصحح، ومنهم مضعف، فلا إنكار على المصحح ولا المضعف، وهذا من مواطن الاجتهاد.
[ ٢٩٨ ]
وقد ذكرنا سابقا، شيئا من كلام شيخ الإسلام في علي ﵁، وتضليله ﵀ من توقف عن التربيع به.
[ ٢٩٩ ]