فصل
في رميه للحنابلة بالتناقض في تكفير الخصوم، فإذا كانوا ضعفاء حرموه وجعلوه من عقائد الخوارج،
وإذا قووا كفروا المسلمين، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٤): (وتراهم يعظمون تكفير المسلم، وأنه من عقائد الخوارج، وأنه لا يجوز. وهذا الورع عن التكفير، إنما هو عند ضعفهم!! فإذا قووا، لا يرقبون في مسلم إلا ولا ذمة) اهـ.
والجواب من وجهين: أحدهما: أن تكفير من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام المعلومة المقررة: أصل من أصول الإسلام، أجمع على صحته- من حيث الأصل- المسلمون جميعا، باختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، وليس من عقائد الخوارج، ولم ينفرد الخوارج بذلك، وبينا ذلك في "المقدمة الأولى" أول الكتاب.
أما ما انفرد به الخوارج، وإخوانهم المعتزلة والرافضة، هو تكفير المؤمنين، بالمعاصي والكبائر التي لا يكفر فاعلها، أو جعله- لأجلها- في منزلة بين منزلتين، وربما كفروهم بطاعات عظيمة ليست بمعاص، كتكفير الرافضة لأبي بكر، وعمر ﵄، وتكفير الخوارج لعثمان
[ ٢٧١ ]
وعلي ﵄، وتكفير المعتزلة وأضرابهم، لمعتقدي اعتقاد السلف الصالح ﵃، وفي هذا يقول الإمام الكبير أبو عبد الله ابن قيم الجوزية في "الكافية الشافية":
وخصومنا قد كفرونا بالذي هو غاية التوحيد والإيمان
الوجه الثاني: أن الحنابلة وأهل السنة جميعا، قد كانوا ضعفاء، تسلطت عليهم المعتزلة في عهد الخليفة العباسي المأمون، وأعملوا سيوفهم في رقابهم، وجلدوا ظهورهم، وسجنوهم، وآذوهم فعظم بلاؤهم: ولم يمنعهم ذلك أبدا، أن يكفروا المعتزلة، وجميع من قال بقولها بخلق القرآن.
بل قد كفر الإمام أحمد ﵁، بعض مجادليه من المعتزلة، في مجلس المعتصم، وأمام نظره وسمعه.
وتعاقب على تعذيب الإمام أحمد ﵁، ثلاثة خلفاء من بني العباس، وطال عذابه، وطال سجنه، فلم يختلف قوله الأول عن قوله الأخير، ولم يزده ذلك إلا ثباتا، ورفعة في الدارين.
فأي قوة كانت لأحمد حينذاك؟! وأي ظهور؟!!
وكذلك كان حال أتباعه من معاصريه، ومن بعدهم إلى "شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهم، كانوا ضعفاء تسلط المبتدعة عليهم بالسلاطين، وسجنوا وأوذوا، وحصل لهم
[ ٢٧٢ ]
ما هو معروف معلوم، فما حملهم هذا قط، على التبديل والتغيير، كما كان أتباع الأنبياء والرسل، قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] .
[ ٢٧٣ ]