فصل
في زعم المالكي أن المصنفين أقحموا في كتب العقيدة مباحث ليست منها
كمبحث الصحابة، والدجال وغيرها! وإبطال زعمه، والرد عليه قال المالكي ص (٢٨): (إضافة إلى ذلك، فإن المؤلفين في كتب العقائد: لم يرضوا بهذا، حتى أدخلوا في العقيدة أمورا أخرى، ووسعوا جانب العقيدة، مع تشدد على المخالفين، فأدخلوا مباحث الصحابة، والدجال، والمهدي المنتظر، والمسح على الخفين، والجهر بالبسملة، وغير ذلك من الأخبار أو المواعظ أو الأحكام. فضلا عن التكفير، والتبديع، ونشر الأكاذيب. أدخلوا كل هذا وزيادة في العقيدة، وأصبح المخالف في شيء من ذلك، مبتدعا عندهم) اهـ
والجواب عن هذا الهذيان: أنه لما كان من أصول الإيمان، ومعاقد الإسلام المجمع عليها: الإيمان بما جاء عن الله ﷿، وصح عن نبيه ﷺ، إيمانا مجملا، ومفصلا بما بلغ المسلم منها. وكان كلما خرجت طائفة وفرقة، كذبت بشيء مما جاء عن الله جل وعلا، أو عن رسوله ﷺ: نص أئمة الإسلام -مقابل ذلك- على الإيمان بذلك الأمر خصوصا، والإيمان عموما بكل ما جاء، لخلل هذا الإيمان الكلي، بعدم الإيمان بجزء من فروعه.
[ ١١٩ ]
لذا لا تراهم نصوا على الإيمان بشيء من فروع تلك الأصول، إلا بعد ظهور من يكذب بها، ألا ترى أن الصحابة ﵃، لم يكتفوا بالأمر بالإيمان بالغيب وأمور الآخرة على الإجمال، وصرحوا بوجوب الإيمان بأمور فرعية منها، لما ظهر التكذيب ببعض فروعها في عهدهم في القرن الهجري الأول، وضللوا من لم يؤمن بها وبدعوه، كعبيد الله بن زياد لما كذب بالحوض، أخبروه بصحة الأحاديث فيه، وأغلظوا عليه القول، وزجروه، وبدعوه، ومنهم: أبو برزة الأسلمي، وزيد بن أرقم، والبراء، وعائذ بن عمرو وغيرهم ﵃ جميعا.
وذكر بعض أهل العلم أن ابن زياد رجع عن ذلك، لما رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢ / ١٦٢ - ١٦٣) أن أبا سبرة حدث ابن زياد عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «موعدكم حوضي»، فقال ابن زياد: (أشهد أن الحوض حق) .
وكان ابن زياد ضالا ظالما مبتدعا، جمع إلى النصب الرفض، ولي البصرة سنة (٥٥ هـ) وله ثنتان وعشرون سنة، وولي خراسان، وقتل يوم عاشوراء سنة (٦٧ هـ) . وصح عند الترمذي (٣٧٨٠) بإسناد صححه أنه لما جئ برأس ابن زياد قتيلا، أتت حية فدخلت في منخره، فمكثت هنيهة، ثم خرجت وغابت، ثم عادت ففعلت ما فعلت، مرتين أو ثلاثا.
قال الذهبي في ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (٣ / ٥٤٥-٥٤٦): (كان جميل الصورة، قبيح السريرة . وقد جرت لعبيد الله خطوب،
[ ١٢٠ ]
وأبغضه المسلمون لما فعل بالحسن ﵁) اهـ.
أما حفظ حق الصحابة ﵃، ومعرفة فضل الأربعة الخلفاء الراشدين على ترتيبهم، والإمساك عما شجر بينهم، وذكر فضلهم، وكف اللسان عن غمطهم: فمن الإيمان بلا شك، وقد أمر الله ورسوله بذلك.
وأجمعت الأمة كلها، سنة ومبتدعة، على أن مبحث الصحابة ﵃ مبحث عقدي، ولم تخل كتب معتقداتهم باختلاف مذاهبهم منها، فالمهتدون يعتقدون فيهم ما سبق، والضالون المضلون يعتقدون خلافه.
وإن كان المالكي لا يرى مباحث الصحابة داخلة في العقيدة، وقد أمر المسلمين -ليتحدوا- بالاقتصار على الإيمان بالأركان الستة، إيمانا جمليا: فلم كتب في مبحثهم وهو غير عقدي عنده، وترك مباحث الاعتقاد الجملي الكلي؟!
وكذلك الإيمان بالمسيح الدجال: قد تواترت أحاديثه، ولا يردها إلا ضال استبان ضلاله.
والمهدي: قد ثبتت أحاديثه وصحت، بل قال جماعة من أهل العلم: إنها متواترة، منهم:
محمد بن عبد الرسول البرزنجي (ت ١١٠٣هـ) .
ومحمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (ت ١١٨٨ هـ) .
[ ١٢١ ]
ومحمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) .
ومحمد بن جعفر بن إدريس الكتاني (ت ١٣٤٥ هـ) .
وقد أفرد جماعة من أهل العلم المهدي بالتصنيف، منهم: أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب، ابن أبي خيثمة (ت ٢٧٩ هـ) .
وأبو الحسن أحمد بن جعفر ابن المنادي (ت ٣٣٦ هـ) .
وأبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت ٦٥٦ هـ) .
ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨ هـ) .
ويوسف بن يحيى السلمي الشافعي (ت ٦٨٥ هـ) .
وإسماعيل بن عمر ابن كثير القرشي الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) .
وعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي (ت ٩١١ هـ) .
وابن كمال باشا أحمد بن سليمان الحنفي (ت ٩٤٠ هـ) .
ومحمد بن علي ابن طولون الصالحي الحنفي (ت ٩٥٣ هـ) .
وأحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي (ت ٩٧٤ هـ) .
وعلي بن حسام الدين المتقي الهندي (ت ٩٧٥ هـ) له فيه كتابان.
وعلي بن سلطان القاري الحنفي (ت ١٠١٤هـ) .
ومرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (ت ١٠٣٣ هـ) .
ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، ابن الأمير (ت ١١٨٢ هـ) .
ومحمد بن علي الشوكاني (ت١٢٥٠ هـ) .
وأحمد بن محمد بن الصديق الغماري المغربي (ت ١٣٨٠ هـ) .
[ ١٢٢ ]
وحمود بن عبد الله بن حمود التويجري الحنبلي (ت ١٤١٣ هـ) .
وعبد العليم بن عبد العظيم البستوي (معاصر) في كتابين، أحدهما في الأحاديث الصحيحة التي وردت فيه، وأقوال العلماء، والآخر في الأحاديث الضعيفة، وهما كتابان نافعان.
هذا طرف ممن صنف فيه من أهل العلم، وأثبته، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وهم أكثر من هؤلاء، ولكن ما سقته، فيه خير، ويغني ذا البصيرة، ومن أراد الهداية والحق. أما المبطل: فقد قال فيه سبحانه: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
قال الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري السجزي (ت ٣٦٣ هـ) في كتابه "مناقب الشافعي ": (وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ، بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى ﵇ يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه، في طول من قصته وأمره) اهـ.
واستشهد الأئمة بكلام الآبري ﵏ جميعا، مقرين بما قاله، ومنهم:
محمد بن أحمد الخزرجي القرطبي (ت ٦٧١ هـ) في "التذكرة" (٢ / ٧٢٣) .
وأبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي الشافعي (ت ٧٤٢ هـ) .
[ ١٢٣ ]
ومحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية الحنبلي (ت ٧٥١ هـ) في "المنار المنيف".
والحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني الشافعي (ت ٨٥٢ هـ) في "فتح الباري" (٦ / ٤٩٤)، و"تهذيب التهذيب " (٩ / ١٤٤) .
ومحمد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي (ت ٩٠٢ هـ) في "فتح المغيث" (٣ / ١٤) .
والجلال عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي (ت ٩١١ هـ)، في غير كتاب.
وأحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي (ت ٩٧٤ هـ) في "الصواعق المرسلة" (ص ٩٩) وغيره.
وعلي بن سلطان القاري المكي الحنفي (ت ١٠١٤ هـ) .
ومرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (ت ١٠٣٣ هـ) .
ومحمد بن عبد الرسول البرزنجي (ت ١١٠٣ هـ) .
ومحمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ)، وغيرهم.
وقد أنكره بعض أهل البدع، ومنهم ابن خلدون في "تاريخه"، ولم يكن من أصحاب هذا الشأن.
بل مع إنكاره، أو تشكيكه في صحة أحاديث المهدي: اعترف بشهرة أمر المهدي بين أهل الإسلام كافة، فقال في "تاريخه" (١ / ٥٥٥): (اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار: أنة لا بد في
[ ١٢٤ ]
آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى المهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده -من أشراط الساعة الثانية في الصحيح- على أثره. وأن عيسى ينزل من بعده، فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته) اهـ.
وهذا باب يطول فيه التفصيل، ويغني عنه ما تقدم من الإجمال والتجميل ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
[ ١٢٥ ]