فصل
في زعم المالكي كثرة الأكاذيب، والأحاديث الموضوعة، والآثار
الباطلة، في كتب أهل السنة الحنابلة بزعمه! والرد عليه ذكر المالكي ص (١٢٢): فصلا بعنوان " كثرة الأكاذيب من الأحاديث الموضوعة، والآثار الباطلة "، ثم قال: (وخاصة تلك المشتملة على التجسيم، وتشبيه الله بالإنسان، سواء ما كان منها مكذوبا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أو ما كان مكذوبا على بعض الصحابة والتابعين، أو كان مما تسرب إلى الكتب من الإسرائيليات المأخوذة عن اليهود والنصارى) اهـ.
ثم ذكر جملة آثار، رواها الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه العظيم " السنة " بأسانيده، منها: ما ذكره المالكي فقال ص (١٢٤): (وروى بإسناده عن ابن مسعود: " إذا تكلم الله ﷿ سمع له صوت كجر السلسلة على صفوان! ! ") .
ثم قال المالكي:
(واتهم عبد الله بن أحمد من لم يقر بهذا بالجهمية والبدعة! ! مع أن هذا فيه تشبيه واضح، ولم يأت عليه دليل صحيح) اهـ.
وكذب المالكي أيضا أحاديث أخرى، رواها عبد الله في كتابه ليس في رواتها أحد متهم! والجواب من وجوه:
[ ١٧٤ ]
أحدها: أن وصف الله ﷿ بصفة ما: شيء. ورواية ما ورد في الباب من الصفات شيء آخر، ومن ساق الإسناد فقد أحال، ولا تبعة عليه.
وهذا الحافظ البيهقي أشعري شافعي، ليس بحنبلي: قد روى ما رواه عبد الله بن أحمد وغيره، في كتابه " الأسماء والصفات "، وكتابه الآخر " الاعتقاد ".
وما حواه كتابه " الأسماء والصفات "، من الأسماء والصفات أكثر بأضعاف مما حواه كتاب عبد الله بن الإمام أحمد. بل لا يساوي عشره، بل هو أقل من ذلك. وفيها الصحيح والضعيف، وما دون ذلك وفوقه.
الثاني: مطالبة المالكي: بدليل صحة كلامه، فإنه كذب ما رواه عبد الله بن أحمد من أحاديث وآثار في كتابه " السنة "، ولم يذكر - في جميع ما ساقه - دليلا واحدا، ولا علة واحدة! بل لم يطعن في أحد من رواتها بحرف، فمن أين يسلم له بصحة دعواه؟ !
الوجه الثالث: أن أثر ابن مسعود ﵁، الذي ذكره المالكي، وعاب على عبد الله بن الإمام أحمد روايته أثر صحيح، قد رواه عبد الله في " السنة " (١ / ٢٨١ - ٢٨٢) بإسناد صحيح فقال: (حدثني أبو معمر [أخبر] نا جرير عن الأعمش، و[أخبر] نا ابن نمير، وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: " إذا تكلم الله ﷿ بالوحي، سمع أهل السماء له صلصلة،
[ ١٧٥ ]
كصلصلة الحديد على الصفا " اهـ.
وهذا إسناد صحيح، لا ريب فيه، وقد شارك عبد الله في روايته غير واحد من الأئمة، منهم:
. البخاري في "خلق أفعال العباد" (٣٦٧ - ٣٦٨) موقوفا، من طريق الأعمش به.
. وأبو داوود في " سننه " (٤٧٣٨) من طريق أبي معاوية به مرفوعا.
والبيهقي في " الأسماء والصفات " (٢٦٢ - ٢٦٣) من طريق أبي معاوية به، مرفوعا وموقوفا.
. واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " (٥٤٧ - ٥٤٩) مرفوعا وموقوفا.
. والدارمي في " الرد على الجهمية " (٣٠٨) موقوفا.
" وابن خزيمة في " التوحيد " (١ / ٣٥٠ - ٣٥٤) من طرق عدة، مرفوعة وموقوفة.
وأبو الشيخ في " العظمة " (١٤٤) موقوفا.
. وابن حبان في " صحيحه " (٣٧) مرفوعا.
والخطيب البغدادي في " تاريخه " (١١ / ٣٩٢ - ٣٩٣) مرفوعا وموقوفا.
ورجح الخطيب، وقبله الدارقطني: الرواية الموقوفة، وقالا: (هي المحفوظة) .
[ ١٧٦ ]
وهذه الرواية - وإن كانت موقوفة - فلها حكم الرفع، إذ أن مثلها لا يقال بالرأي.
فإن كانت رواية عبد الله بن الإمام أحمد، لهذا الأثر تجسيما وتشبيها: فكل من خرجه معه - ممن ذكرناه أو غيرهم - مجسمون مشبهون!
وقد جاء هذا الأثر مرفوعا بنحوه، من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]» رواه:
. البخاري في: صحيحه (٤٧٠١) و(٤٨٠٠) و(٧٤٨١)، وفي " خلق أفعال العباد " (٣٦٩)، وهذا لفظه.
. والترمذي (٣٢٢٣)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)
. وابن ماجه (١٩٤)
واللالكائي (٥٤٦)
. والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص (١٦٢)، وغيرهم.
قال البخاري في " خلق أفعال العباد " (٧٠) بعد أن ذكره: (وكذا قال ابن عباس، وابن مسعود ﵄، وأهل العلم) اهـ ثم روى أثر ابن مسعود السابق.
[ ١٧٧ ]
فهل كان رسول الله ﷺ، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة ﵃، وأهل العلم - كما قال البخاري -: مشبهين مجسمين؟ !
ولم رمى المالكي عبد الله بن الإمام أحمد بالتشبيه والتجسيم لروايته هذا الحديث، وترك غيره ممن شاركه في روايته؟ ! بل ترك من قاله؟ !
والمالكي لا يريد الطعن في عبد الله بن أحمد، ولا في عقيدته، إنما يريد أمرا فوق ذلك! وهو الطعن في اعتقاد المسلمين، وأئمة الدين.
وما عابه المالكي أيضا، على عبد الله بن أحمد، أنه اتهم من لم يقر بحديث ابن مسعود السابق: بالتجهم والابتداع: حق، فإن أئمة الإسلام على الإقرار به. وبكل ما صح عن النبي ﷺ، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع، كالجهمية.
مع أن ما عابه المالكي عليه: ليس من قوله هو - ﵀ - وإنما هو من قول أبيه الإمام أحمد، وهو رواه عن أبيه.
إلا أن المالكي أراد نسبته لعبد الله دون أبيه ظانا أن الطعن في عبد الله أهون وأقرب من الطعن في أبيه!
[ ١٧٨ ]