فصل
ولم يكن الإمام أحمد، ولا أئمة السلف جميعا، يحابون في دين الله أحدا، وافقهم أم خالفهم، وقد كان:. رواد بن الجراح (ق): صاحب سنة، إلا أن ذلك لم يمنع أحمد من بيان حاله، فقال فيه: "لا بأس به، صاحب سنة، إلا أنه حدث عن سفيان أحاديث مناكير". "تهذيب الكمال " (٩ / ٢٢٧)، "بحر الدم " (٣٠٤) .
. ونوح بن أبي مريم، أبو عصمة المروذي (ت فق): مثله كذلك، قال فيه الإمام أحمد: "كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير، ولم يكن في الحديث بذاك، وكان شديدا على الجهمية يرد عليهم، تعلم منه نعيم بن حماد الرد على الجهمية". "تهذيب الكمال " (٣٠ / ٥٦)، "بحر الدم " (١٠٨٥) .
. وكذلك حماد بن سلمة (خت م ٤): كان إماما في السنة، شديد التمسك بها، منافرا لأهل الباع، ولما سأل محمد بن يحيى النيسابوري الإمام أحمد عنه قال فيه: "إن حماد بن سلمة يخطئ" قال النيسابوري: (وأومأ بيده خطأ كثيرا، ولم ير بالرواية عنه بأسا) . "بحر الدم " (٢٢٧) .
فبما سبق، يظهر جليا كذب المالكي، فيما ادعاه.
الوجه الثاني: أن زعم المالكي أن الحنابلة قد ضعفوا البخاري، ومسلما كذب أيضا، بل هما عندهم إمامان كبيران جليلان حافظان،
[ ٢٥٢ ]
كتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿.
بل يحكون الإجماع على ذلك، وينافرون وينابذون من تكلم فيهما. وأنا أتحدى المالكي، أن يسمي لي حنبليا واحدا فقط، قد ضعف البخاري أو مسلما رحمهما الله.
وإنما من يشكك فيهما هو وأمثاله من أهل البدع، وقد دعا المالكي الناس إلى مراجعة " صحيح البخاري "، وإعادة دراسته، ودراسة أسانيده.
وله كلام قبيح في " صحيح البخاري " أيضا، تفوه به لما استضافته القنوات الفضائية، لا يحضرني نصه، أما معناه فقد قدمته.
الوجه الثالث: أما تضعيف الحنابلة للكرابيسي، وأبي حنيفة فأمر آخر، فقد ضعفهما في الحديث، أئمة هذا الشأن، قبل أن يخلق أحمد.
الوجه الرابع: وأما زعمه أن الحنابلة يضعفون البيهقي: فحاشا وكلا، وهو من كبار حفاظ الحديث، ولم يتكلم في حفظه أحد منهم، بل هو محفوظ بما حفظ.
وما نسبه هذا الكذوب إلى شيخنا الشيخ العلامة المحقق الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان حفظه الله ونفع بعلومه، من تضعيفه للبيهقي، وعدم وثوقه بنقله، فكذب صريح أيضا.
[ ٢٥٣ ]
وإنما الشيخ صالح الفوزان، وأهل السنة جميعا، يعيبون على البيهقي ﵀ قوله لا نقله، فيعيبون ما يذكره من تأويل عقب بعض أحاديث الصفات التي يرويها، وإلا فهم مغتبطون بكتب البيهقي ﵀ ومصنفاته، ومعتدون بمروياته وآرائه وأقواله، ما لم تكن مخالفة للصواب.
وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو هريرة من حفاظ الصحابة بلا ريب، ومع ذلك رد أهل العلم بعض آرائهم في مروياتهم، وقالوا: "يؤخذ بروايتهم، ولا يؤخذ برأيهم ". فهذا فيهم ﵃، وهم حفاظ، صحابة، وفي مخالفاتهم الفرعية، فكيف بغيرهم ومخالفاته أصولية؟!
وقد سألت شيخنا صالحا الفوزان، عما نسبه إليه المالكي في تضعيف البيهقي: فأنكره، وكذبه، وقال: " البيهقي - ﵀من أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث الثقات الكبار. وإنما أعيب عليه تأويله للصفات، وقد عابه عليه أهل السنة قبلي "اهـ.
وهنا تناقضان ظاهران للمالكي، وتناقضاته كثيرة: أحدهما: إن كان الحنابلة يضعفون البيهقي - ﵀ - كما ذكر المالكي، فكيف يكون الشيخ صالح الفوزان المعاصر، وما زال حيا- أطال الله في عمره، ومتعنا به ممتعا بصحته وعافيته- أول من ضعفه- كما
[ ٢٥٤ ]
زعم سابقا- ولم يسبق إلى ذلك؟! فهل الحنابلة الذين يعنيهم المالكي، أتوا بعد الفوزان؟ !
الثاني: أن غيرته على البيهقي ﵀ غيرة كاذبة، فكيف ينكر تضعيفه، وهو يكذب جماعة غيره كلهم من أئمة الدين، ويشكك في نقلهم: كعبد الله بن الإمام أحمد، وأبي بكر المروذي، وابن أبي يعلى، وابن بطة، والبربهاري، وغيرهم؟!!
بل كيف ينكر الكذب ويستعظمه، وما بنى كتابه هذا إلا عليه؟!
[ ٢٥٥ ]