أَن فعل العَبْد وَإِن كَانَ كسبًا للْعَبد فَلَا يخرج عَن كَونه مرَادا لله سُبْحَانَهُ فَلَا يجْرِي فِي الْملك والملكوت طرفَة عين وَلَا لفتة خاطر وَلَا فلتة نَاظر إِلَّا بِقَضَاء الله وَقدرته وبإرادته ومشيئته وَمِنْه الشَّرّ وَالْخَيْر والنفع والضر وَالْإِسْلَام
[ ١٩٧ ]
وَالْكفْر والعرفان والنكر والفوز والخسران والغواية والرشد وَالطَّاعَة والعصيان والشرك وَالْإِيمَان
لَا رادة لقضائه وَلَا معقب لحكمه
يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء
﴿لَا يُسأل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
وَيدل عَلَيْهِ من النَّقْل قَول الْأمة قاطبة
مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
وَقَول الله ﷿ ﴿أَن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾
وَيدل عَلَيْهِ من جِهَة الْعقل أَن الْمعاصِي والجرائم إِن كَانَ الله يكرهها وَلَا
[ ١٩٨ ]
يريدها وَإِنَّمَا هِيَ جَارِيَة على وفْق إِرَادَة الْعَدو إِبْلِيس لَعنه الله مَعَ أَنه عَدو الله سُبْحَانَهُ والجاري على وفْق إِرَادَة الْعَدو وَأكْثر من الْجَارِي على وفْق إِرَادَته تَعَالَى
فليت شعري كَيفَ يستجيز الْمُسلم أَن يرد مَالك الْجَبَّار ذِي الْجلَال
[ ١٩٩ ]
وَالْإِكْرَام إِلَى رُتْبَة لوردت إِلَيْهَا رياسة زعيم ضَيْعَة لاستنكف مِنْهَا
إِذْ لَو كَانَ مَا يسْتَمر لعدو الزعيم فِي الْقرْيَة أَكثر مِمَّا يَسْتَقِيم لَهُ لاستنكف من زعامته وتبرأ عَن ولَايَته وَالْمَعْصِيَة هِيَ الْغَالِبَة على الْخلق وكل ذَلِك جَار عِنْد المبتدعة على خلاف إِرَادَة الْحق تَعَالَى وَهَذَا غَايَة الضعْف وَالْعجز تَعَالَى رب الأرباب عَن قَول الظَّالِمين علوا كَبِيرا
ثمَّ مهما ظهر أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله صَحَّ أَنَّهَا مُرَادة لَهُ
فَإِن قيل فَكيف ينْهَى عَمَّا يُرِيد وَيَأْمُر بِمَا لَا يُرِيد
قُلْنَا الْأَمر غير الْإِرَادَة وَلذَلِك إِذا ضرب السَّيِّد عَبده فَعَاتَبَهُ السُّلْطَان عَلَيْهِ فَاعْتَذر بتمرد عَبده عَلَيْهِ فكذبه السُّلْطَان فَأَرَادَ إِظْهَار حجَّته بِأَن يَأْمر العَبْد بِفعل وَيُخَالِفهُ بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ
أَسْرج هَذِه الدَّابَّة بمشهد من السُّلْطَان فَهُوَ يَأْمُرهُ بِمَا لَا يُرِيد امتثاله وَلَو لم يكن
[ ٢٠٠ ]
آمرا لما كَانَ عذره عِنْد السُّلْطَان ممهدًا وَلَو كَانَ مرِيدا لامتثاله لَكَانَ مرِيدا لهلاك نَفسه وَهُوَ محَال