[ ٧٣ ]
أعلم أَن مَا ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة العقيدة يَنْبَغِي أَن يقدم إِلَى الصَّبِي فِي أول نشوه ليحفظه حفظا ثمَّ لَا يزَال ينْكَشف لَهُ مَعْنَاهُ فِي كبره شَيْئا فَشَيْئًا فابتداؤه الْحِفْظ ثمَّ الْفَهم ثمَّ الإعتقاد والإيقان والتصديق بِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يحصل فِي الصَّبِي بِغَيْر برهَان فَمن فضل الله سُبْحَانَهُ على قلب الْإِنْسَان أَن شَرحه فِي أول نشوة للْإيمَان من غير حَاجَة إِلَى حجَّة وبرهان وَكَيف يُنكر ذَلِك
[ ٧٥ ]
وَجَمِيع عقائد الْعَوام مباديها التَّلْقِين الْمُجَرّد والتقليد الْمَحْض نعم يكون الإعتقاد الْحَاصِل بِمُجَرَّد التَّقْلِيد غير خَال عَن نوع من الضعْف فِي الإبتداء على معنى أَنه يقبل الْإِزَالَة بنقيضه لَو ألْقى إِلَيْهِ فَلَا بُد من تقويته وإثباته فِي نفس الصَّبِي والعامي حَتَّى يترشح وَلَا يتزلزل وَلَيْسَ الطَّرِيق فِي تقويته وإثباته أَن يعلم صَنْعَة الجدل وَالْكَلَام بل يشْتَغل بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَتَفْسِيره وَقِرَاءَة الحَدِيث ومعانيه ويشتغل بوظائف الْعِبَادَات فَلَا يزَال إعتقاده يزْدَاد رسوخا بِمَا يقرع سَمعه من أَدِلَّة الْقُرْآن وحججه وَبِمَا يرد عَلَيْهِ من شَوَاهِد الْأَحَادِيث
[ ٧٦ ]
وفوائدها وَبِمَا يسطع عَلَيْهِ من أنوار الْعِبَادَات ووظائفها وَبِمَا يسري إِلَيْهِ من مُشَاهدَة الصَّالِحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيآتهم فِي الخضوع لله ﷿ وَالْخَوْف مِنْهُ والإستكانة لَهُ فَيكون أول التَّلْقِين كإلقاء بذر فِي الصَّدْر وَتَكون هَذِه الْأَسْبَاب كالسقي والتربية لَهُ حَتَّى يَنْمُو ذَلِك الْبذر ويقوى ويرتفع شَجَرَة طيبَة راسخة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء
وَيَنْبَغِي أَن يحرس سَمعه من الجدل وَالْكَلَام غَايَة الحراسة فَإِن مَا يشوشه الجدل أَكثر مِمَّا يمهده وَمَا يُفْسِدهُ أَكثر مِمَّا يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشَّجَرَة بالمدقة من الْحَدِيد رَجَاء تقويتها بِأَن تكْثر أجزاؤها وَرُبمَا يفتتها ذَلِك ويفسدها وَهُوَ الْأَغْلَب والمشاهدة تكفيك فِي هَذَا بَيَانا فناهيك بالعيان برهانا
[ ٧٧ ]
فقس عقيدة أهل الصّلاح والتقى من عوام النَّاس بعقيدة الْمُتَكَلِّمين والمجادلين فترى إعتقاد الْعَاميّ فِي الثَّبَات كالطود الشامخ لَا تحركه الدَّوَاهِي وَالصَّوَاعِق وعقيدة المتلكم الحارس إعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مُرْسل فِي الْهَوَاء تفيئه الرِّيَاح مرّة هَكَذَا وَمرَّة هَكَذَا إِلَّا من سمع مِنْهُم دَلِيل الإعتقاد فتلقفه تقليدا كَمَا تلقف نفس الإعتقاد تقليدا إِذْ لَا فرق فِي التقلد بَين تعلم الدَّلِيل أَو تعلم الْمَدْلُول فتلقين الدَّلِيل شَيْء والإستدلال بِالنّظرِ شَيْء آخر بعيد عَنهُ
ثمَّ الصَّبِي إِذا وَقع نشوه على هَذِه العقيدة إِن اشْتغل بكسب الدُّنْيَا
[ ٧٨ ]
لم ينفتح لَهُ غَيرهَا وَلكنه يسلم فِي الْآخِرَة بإعتقاد أهل الْحق إِذا لم يُكَلف الشَّرْع أجلاف الْعَرَب أَكثر من التَّصْدِيق الْجَازِم بِظَاهِر هَذِه العقائد فَأَما الْبَحْث والتفتيش وتكلف نظم الْأَدِلَّة فَلم يكلفوه أصلا وَإِن أَرَادَ أَن يكون من
[ ٧٩ ]
سالكي طَرِيق الْآخِرَة وساعده التَّوْفِيق حَتَّى اشْتغل بِالْعَمَلِ ولازم التَّقْوَى وَنهى النَّفس عَن الْهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت لَهُ أَبْوَاب من الْهِدَايَة تكشف عَن حقائق هَذِه العقيدة بِنور آلهي يقذف فِي قلبه بِسَبَب المجاهدة تَحْقِيقا لوعده ﷿ إِذْ قَالَ ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾
وَهُوَ الْجَوْهَر النفيس الَّذِي هُوَ غَايَة إِيمَان الصديقين والمقربين وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بالسر الَّذِي وقر فِي صدر أبي بكر الصّديق ﵁ حَيْثُ فضل بِهِ الْخلق
[ ٨٠ ]
وانكشاف ذَلِك السِّرّ بل تِلْكَ الْأَسْرَار لَهُ دَرَجَات بِحَسب دَرَجَات المجاهدة ودرجات الْبَاطِن فِي النَّظَافَة وَالطَّهَارَة عَمَّا سوى الله تَعَالَى وَفِي الإستضاءة بِنور الْيَقِين وَذَلِكَ كتفاوت الْخلق فِي أسرار الطِّبّ وَالْفِقْه وَسَائِر الْعُلُوم إِذْ يخْتَلف ذَلِك بإختلاف الإجتهاد وإختلاف الْفطْرَة فِي الذكاء والفطنة وكما لَا تَنْحَصِر تِلْكَ الدَّرَجَات فَكَذَلِك هَذِه
[ ٨١ ]