فَإِن قلت تعلم الجدل وَالْكَلَام مَذْمُوم كتعلم النُّجُوم أَو هُوَ مُبَاح أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ
فَاعْلَم أَن للنَّاس فِي هَذَا غلوا وإسرافا فِي أَطْرَاف فَمن قَائِل إِنَّه بِدعَة وَحرَام وَأَن العَبْد إِن لَقِي الله ﷿ بِكُل ذَنْب سوى الشّرك خير لَهُ من أَن يلقاه بالْكلَام
وَمن قَائِل أَنه وَاجِب وَفرض إِمَّا على الْكِفَايَة أَو على الْأَعْيَان وَأَنه أفضل الْأَعْمَال وَأَعْلَى القربات فَإِنَّهُ تَحْقِيق لعلم التَّوْحِيد ونضال عَن دين الله تَعَالَى
[ ٨٢ ]
وَإِلَى التَّحْرِيم ذهب الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد بن حَنْبَل وسُفْيَان وَجَمِيع أهل الحَدِيث من السّلف
قَالَ ابْن عبد الْأَعْلَى ﵀ سَمِعت الشَّافِعِي ﵁ يَوْم نَاظر حفصا الْفَرد وَكَانَ من متكلمي الْمُعْتَزلَة يَقُول لِأَن يلقى الله ﷿ العَبْد بِكُل ذَنْب مَا خلا الشّرك بِاللَّه خير لَهُ من أَن يلقاه بِشَيْء من علم الْكَلَام
[ ٨٣ ]
وَلَقَد سَمِعت من حَفْص كلَاما لَا أقدر أَن أحكيه
وَقَالَ أَيْضا قد أطلعت من أهل الْكَلَام على شَيْء مَا ظننته قطّ وَلِأَن يبتلى العَبْد بِكُل مَا نهى الله عَنهُ مَا عدا الشّرك خير لَهُ من أَن ينظر فِي الْكَلَام
وَحكى الْكَرَابِيسِي أَن الشَّافِعِي ﵁ سُئِلَ عَن شَيْء من الْكَلَام فَغَضب وَقَالَ سل عَن هَذَا حفصا الْفَرد وَأَصْحَابه أخزاهم الله
وَلما مرض الشَّافِعِي ﵁ دخل عَلَيْهِ حَفْص الْفَرد فَقَالَ لَهُ من أَنا
فَقَالَ حَفْص الْفَرد لَا حفظك الله وَلَا رعاك حَتَّى تتوب مِمَّا أَنْت فِيهِ
[ ٨٤ ]
وَقَالَ أَيْضا لَو علم النَّاس مَا فِي الْكَلَام من الْأَهْوَاء لفروا مِنْهُ فرارهم من الْأسد
وَقَالَ أَيْضا إِذا سَمِعت الرجل يَقُول الإسم هُوَ الْمُسَمّى أَو غير الْمُسَمّى فاشهد بِأَنَّهُ من أهل الْكَلَام وَلَا دين لَهُ
قَالَ الزَّعْفَرَانِي قَالَ الشَّافِعِي حكمى فِي أَصْحَاب الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ وَيُطَاف بهم فِي الْقَبَائِل والبشائر وَيُقَال هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأخذ فِي الْكَلَام
[ ٨٥ ]
وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل
لَا يفلح صَاحب الْكَلَام أبدا وَلَا تكَاد ترى أحدا نظر فِي الْكَلَام إِلَّا وَفِي قلبه دغل
وَبَالغ فِي ذمه حَتَّى هجر الْحَارِث المحاسبي مَعَ زهده وورعه بِسَبَب تصنيفه كتابا فِي الرَّد على المبتدعة وَقَالَ لَهُ وَيحك أَلَسْت تحكي بدعتهم أَولا ثمَّ ترد عَلَيْهِم أَلَسْت تحمل النَّاس بتصنيفك على مطالعة الْبِدْعَة والتفكر
[ ٨٦ ]
فِي تِلْكَ الشُّبُهَات فيدعوهم ذَلِك إِلَى الرَّأْي والبحث
وَقَالَ أَحْمد ﵀ عُلَمَاء الْكَلَام زنادقة
وَقَالَ مَالك ﵀ أَرَأَيْت إِن جَاءَهُ من هُوَ أجدل مِنْهُ أيدع دينه كل يَوْم لدين جَدِيد يَعْنِي أَن أَقْوَال المتجادلين تَتَفَاوَت
وَقَالَ مَالك ﵀ أَيْضا
لَا تجوز شَهَادَة أهل الْبدع والأهواء فَقَالَ بعض أَصْحَابه فِي تَأْوِيله
[ ٨٧ ]
إِنَّه أَرَادَ بِأَهْل الْأَهْوَاء أهل الْكَلَام على أَي مَذْهَب كَانُوا
وَقَالَ أَبُو سيف من طلب الْعلم بالْكلَام تزندق
وَقَالَ الْحسن لَا تجادلوا أهل الْأَهْوَاء وَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تسمعوا مِنْهُم وَقد اتّفق أهل الحَدِيث من السّلف على هَذَا وَلَا ينْحَصر مَا نقل عَنْهُم من التشديدات فِيهِ وَقَالُوا مَا سكت عَنهُ الصَّحَابَة مَعَ أَنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الْأَلْفَاظ من غَيرهم إِلَّا لعلمهم بِمَا يتَوَلَّد مِنْهُ الشَّرّ
وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
[ ٨٨ ]
هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون أَي المتعمقون فِي الْبَحْث والإستقصاء
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن ذَلِك لَو كَانَ من الدّين لَكَانَ ذَلِك أهم مَا يَأْمر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَيعلم طَرِيقه ويثني عَلَيْهِ وعَلى أربابه
فقد علمهمْ الإستنجاء وندبهم إِلَى علم الْفَرَائِض وَأثْنى عَلَيْهِم
[ ٨٩ ]
ونهاهم عَن الْكَلَام فِي الْقدر وَقَالَ أَمْسكُوا عَن الْقدر وعَلى هَذَا إستمر الصَّحَابَة ﵃ فَالزِّيَادَة على الْأُسْتَاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة وَنحن الأتباع والتلامذة
وَأما الْفرْقَة الْأُخْرَى فاحتجوا بِأَن قَالُوا
إِن الْمَحْذُور من الْكَلَام إِن كَانَ هُوَ لفظ الْجَوْهَر وَالْعرض وَهَذِه الإصطلاحات الغربية الَّتِي لم تعهدها الصَّحَابَة ﵃ فَالْأَمْر فِيهِ قريب إِذْ مَا من علم إِلَّا وَقد أحدث فِيهِ إصطلاحات لأجل التفهيم كالحديث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَلَو عرض عَلَيْهِم عبارَة النَّقْض وَالْكَسْر والتركيب والتعدية وَفَسَاد الْوَضع إِلَى جَمِيع الأسئلة الَّتِي تورد على الْقيَاس لما كَانُوا يفقهونه فاحداث عبارَة للدلالة بهَا على مَقْصُود صَحِيح كاحداث آنِية على هَيْئَة جَدِيدَة لإستعمالها فِي مُبَاح
[ ٩٠ ]
وَإِن كَانَ الْمَحْذُور هُوَ الْمَعْنى فَنحْن لَا نعني بِهِ إِلَّا معرفَة الدَّلِيل على حُدُوث الْعَالم ووحدانية الْخَالِق وَصِفَاته كَمَا جَاءَ فِي الشَّرْع فَمن أَيْن تحرم معرفَة الله تَعَالَى بِالدَّلِيلِ
وَإِن كَانَ الْمَحْذُور هُوَ التشغب والتعصب والعداوة والبغضاء وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْكَلَام فَذَلِك محرم وَيجب الإحتراز عَنهُ كَمَا أَن الْكبر وَالْعجب والرياء وَطلب الرياسة مِمَّا يُفْضِي إِلَيْهِ علم الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَهُوَ محرم يجب الإحتراز عَنهُ وَلَكِن لَا يمْنَع من الْعلم لأجل آدئه إِلَيْهِ وَكَيف يكون ذكر الْحجَّة والمطالبة بهَا والبحث عَنْهَا مَحْظُورًا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم﴾
وَقَالَ ﷿ ﴿ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إنّ عنْدكُمْ من سُلْطَان بِهَذَا﴾ أَي حجَّة وبرهان
[ ٩١ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه﴾ إِلَى قَوْله ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾
إِذْ ذكر سُبْحَانَهُ إحتاج إِبْرَاهِيم ومجادلته وإفحامه خَصمه فِي معرض الثَّنَاء عَلَيْهِ
[ ٩٢ ]
وَقَالَ عزوجل ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَالُوا يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا﴾
وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة فِرْعَوْن ﴿وَمَا رب الْعَالمين﴾ إِلَى قَوْله ﴿أولو جئْتُك بِشَيْء مُبين﴾
وعَلى الْجُمْلَة فالقرآن من أَوله إِلَى آخِره مُحَاجَّة مَعَ الْكفَّار
[ ٩٣ ]
فعمدة أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمين فِي التَّوْحِيد قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾
وَفِي النُّبُوَّة ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾
وَفِي الْبَعْث ﴿قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات والأدلة
[ ٩٤ ]
وَلم تزل الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم يحاجون المنكرين ويجادلونهم قَالَ تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾
فالصحابة ﵃ أَيْضا كَانُوا يحاجون المنكرين ويجادلون وَلَكِن عِنْد الْحَاجة وَكَانَت الْحَاجة إِلَيْهِ قَليلَة فِي زمانهم
وَأول من سنّ دَعْوَة المبتدعة بالمجادلة إِلَى الْحق عَليّ بن أبي عَليّ طَالب رَضِي الله
[ ٩٥ ]
عَنهُ إِذْ بعث ابْن عَبَّاس ﵄ إِلَى الْخَوَارِج فَكَلَّمَهُمْ فَقَالَ مَا تَنْقِمُونَ على إمامكم
قَالُوا قَاتل وَلم يسب وَلم يغنم
فَقَالَ ذَلِك فِي قتال الْكفَّار أَرَأَيْتُم لَو سبيت عَائِشَة ﵂ فِي يَوْم الْجمل فَوَقَعت عَائِشَة ﵂ فِي سهم أحدكُم أَكُنْتُم تستحلون مِنْهَا مَا تستحلون من ملككم وَهِي أمكُم فِي نَص الْكتاب فَقَالُوا لَا فَرجع مِنْهُم إِلَى الطَّاعَة بمجدلته الفان
وروى أَن الْحسن نَاظر قدريا فَرجع عَن الْقدر
وناظر عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه رجلا من الْقَدَرِيَّة
[ ٩٦ ]
وناظر عبد الله بن مَسْعُود ﵁ يزِيد بن عميرَة فِي الْإِيمَان فَقَالَ عبد الله لَو قلت إِنِّي مُؤمن لَقلت إِنِّي فِي الْجنَّة فَقَالَ لَهُ يزِيد بن عميرَة يَا صَاحب رَسُول الله هَذِه زلَّة مِنْك وَهل الْإِيمَان إِلَّا أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث وَالْمِيزَان وتقيم الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَلنَا ذنُوب لَو نعلم أَنَّهَا تغْفر لنا لعلمنا أننا من أهل الْجنَّة فَمن أجل ذَلِك نقُول إِنَّا مُؤمنُونَ وَلَا نقُول إِنَّا من أهل الْجنَّة فَقَالَ ابْن مَسْعُود صدقت وَالله إِنَّهَا مني زلَّة
فَيَنْبَغِي أَن يُقَال كَانَ خوضهم فِيهِ قَلِيلا لَا كثيرا وقصيرا لَا طَويلا وَعند الْحَاجة لَا بطرِيق التنصيف والتدريس وإتخاذه صناعَة فَيُقَال أما قلَّة خوضهم فِيهِ فَإِنَّهُ كَانَ لقلَّة الْحَاجة إِذْ لم تكن الْبِدْعَة تظهر فِي ذَلِك الزَّمَان
وَأما الْقصر فقد كَانَ الْغَايَة إفحام الْخصم واعترافه وإنكشاف الْحق وَإِزَالَة الشُّبْهَة فَلَو طَال إِشْكَال الْخصم أَو لحَاجَة لطال لَا محَالة إلزامهم وَمَا كَانُوا
[ ٩٧ ]
يقدرُونَ قدر الْحَاجة بميزان وَلَا مكيال بعد الشُّرُوع فِيهَا
وَأما عدم تصديهم للتدريس والتصنيف فِيهِ فَهَكَذَا كَانَ دأبهم فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث أَيْضا فَإِن جَازَ تصنيف الْفِقْه وَوضع الصُّور النادرة الَّتِي لَا تتفق إِلَّا على الندور أما إدخارا ليَوْم وُقُوعهَا وَإِن كَانَ نَادرا أَو تشحيذا للخواطر فَنحْن أَيْضا نرتب طرق المجادلة لتوقع وُقُوع الْحَاجة بثوان شُبْهَة أَو هيجان مُبْتَدع أَو لتشحيذ الخاطر أَو لإدخار الْحجَّة حَتَّى لَا يعجز عَنْهَا عِنْد الْحَاجة على البديهة والإرتجال كمن يعد السَّلَام قبل الْقِتَال ليَوْم الْقِتَال فَهَذَا مَا يُمكن أَن يذكر لِلْفَرِيقَيْنِ التَّحْقِيق فِي حكم الجدل
فَإِن قلت فَمَا الْمُخْتَار عنْدك فِيهِ فَأعْلم أَن الْحق فِيهِ أَن إِطْلَاق القَوْل بذمه فِي كل حَال أَو بِحَمْدِهِ فِي كل حَال خطأ بل لَا بُد فِيهِ من تَفْصِيل
[ ٩٨ ]
فَاعْلَم أَولا أَن الشَّيْء قد يحرم لذاته كَالْخمرِ وَالْميتَة وأعني بِقَوْلِي لذاته أَن عِلّة تَحْرِيمه وصف فِي ذَاته وَهُوَ الْإِسْكَار وَالْمَوْت وَهَذَا إِذا سئلنا عَنهُ أطقلنا القَوْل بِأَنَّهُ حرَام وَلَا يلْتَفت إِلَى إِبَاحَة الْميتَة عِنْد الإضطرار وَإِبَاحَة تجرع الْخمر إِذا غص الْإِنْسَان بلقمة وَلم يجد مَا يسيغها سوى الْخمر وَإِلَى مَا يحرم لغيره كَالْبيع على بيع أَخِيك الْمُسلم فِي وَقت الْخِيَار وَالْبيع وَقت النداء وكأكل الطين فَإِنَّهُ يحرم لما فِيهِ من الأضرار
وَهَذَا يَنْقَسِم إِلَى مَا يضر قَلِيله وَكَثِيره فيطلق القَوْل عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حرَام كالسم الَّذِي يقتل قَلِيله وَكَثِيره وَإِلَى مَا يضر عِنْد الْكَثْرَة فيطلق القَوْل عَلَيْهِ بِالْإِبَاحَةِ كالعسل فَإِن كَثِيرَة يضر بالمحرور وكأكل الطين وَكَانَ إِطْلَاق التَّحْرِيم على الطين وَالْخمر والتحليل على الْعَسَل الْتِفَات إِلَى أغلب الْأَحْوَال
فَإِن تصدى شَيْء تقابلت فِيهِ الْأَحْوَال فَالْأولى والأبعد عَن والإلتباس أَن يفصل فنعود إِلَى علم الْكَلَام ونقول إِن فِيهِ مَنْفَعَة وَفِي مضرَّة فَهُوَ بإعتبار منفعَته فِي وَقت الإنتفاع حَلَال أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ أَو وَاجِب كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال وَهُوَ بإعتبار مضرته فِي وَقت الإستضرار وَمحله حرَام
أما مضرته فإثارة الشُّبُهَات وتحريك العقائد وإزالتها عَن الْجَزْم
[ ٩٩ ]
والتصميم فَذَلِك مِمَّا يحصل فِي الإبتداء ورجوعها بِالدَّلِيلِ مَشْكُوك فِيهِ وَيخْتَلف فِيهِ الْأَشْخَاص فَهَذَا ضَرَره فِي الِاعْتِقَاد الْحق
وَله ضَرَر آخر فِي تَأْكِيد إعتقاد المبتدعة للبدعة وتثبيته فِي صُدُورهمْ بِحَيْثُ تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الْإِصْرَار عَلَيْهِ وَلَكِن هَذَا الضَّرَر بِوَاسِطَة التعصب الَّذِي يثور من الجدل وَلذَلِك ترى المبتدع الْعَاميّ يُمكن أَن يَزُول إعتقاده باللطف فِي أسْرع زمَان إِلَّا إِذا كَانَ نشؤه فِي بلد يظْهر فِيهَا الجدل والتعصب فَإِنَّهُ لَو اجْتمع عَلَيْهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ لم يقدروا على نزع الْبِدْعَة من صَدره بل الْهوى والتعصب وبغض خصوم المجادلين وَفرْقَة الْمُخَالفين يستولي على قلبه ويمنعه من إِدْرَاك الْحق حَتَّى لَو قيل لَهُ هَل تُرِيدُ أَن يكْشف الله تَعَالَى لَك الغطاء ويعرفك بالعيان أَن الْحق مَعَ خصمك لكره ذَلِك خيفة من أَن يفرح بِهِ خَصمه وَهَذَا هُوَ الدَّاء العضال الَّذِي استطار فِي الْبِلَاد والعباد وَهُوَ نوع فَسَاد أثاره المجادلون بالتعصب
فَهَذَا ضَرَره
[ ١٠٠ ]
وَأما منفعَته فقد يظنّ أَن فَائِدَته كشف الْحَقَائِق ومعرفتها على مَا هِيَ عَلَيْهِ وهيهات فَلَيْسَ فِي الْكَلَام وَفَاء بِهَذَا الْمطلب الشريف وَلَعَلَّ التخبيط والتضليل فِيهِ أَكثر من الْكَشْف والتعريف وَهَذَا إِذا سمعته من مُحدث أَو حشوى رُبمَا خطر ببالك أَن النَّاس أَعدَاء مَا جهلوا فَأَسْمع هَذَا مِمَّن خبر الْكَلَام ثمَّ قلاة بعد حَقِيقَة الْخِبْرَة وَبعد التغلل فِيهِ إِلَى مُنْتَهى دَرَجَة الْمُتَكَلِّمين وَجَاوَزَ ذَلِك إِلَى التعمق فِي عُلُوم أخر تناسب نوع الْكَلَام وَتحقّق أَن الطَّرِيق إِلَى حقائق الْمعرفَة من هَذَا الْوَجْه مسدود
[ ١٠١ ]
ولعمري لَا يَنْفَكّ الْكَلَام عَن كشف وتعريف وإيضاح لبَعض الْأُمُور وَلَكِن على الندور فِي أُمُور جلية تكَاد تفهم قبل التعمق فِي صَنْعَة الْكَلَام بل منفعَته شَيْء وَاحِد وَهُوَ حراسة العقيدة الَّتِي ترجمناها على الْعَوام وحفظها عَن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل فَإِن الْعَاميّ ضَعِيف يستفزه جدل المبتدع وَإِن كَانَ فَاسِدا ومعارضة الْفَاسِد بالفاسد تَدْفَعهُ وَالنَّاس متعبدون بِهَذِهِ العقيدة الَّتِي قدمناها إِذْ ورد الشَّرْع بهَا لما فِيهَا من صَلَاح دينهم ودنياهم وَأجْمع السّلف الصَّالح عَلَيْهَا وَالْعُلَمَاء يتعبدون بحفظها على الْعَوام من تلبيسات المبتدعة كَمَا تعبد السلاطين بِحِفْظ أَمْوَالهم عَن تهجمات الظلمَة والغصاب
[ ١٠٢ ]
وَإِذا وَقعت الْإِحَاطَة بضرره ومنفعته فَيَنْبَغِي أَن يكون كالطبيب الحاذق فِي إستعمال الدَّوَاء الْخطر إِذْ لَا يَضَعهُ إِلَّا فِي مَوْضِعه وَذَلِكَ فِي وَقت الْحَاجة وعَلى قدر الْحَاجة
وتفصيله أَن الْعَوام المشتغلين بالحرف والصناعات يجب أَن يتْركُوا على سَلامَة عقائدهم الَّتِي اعتقدوها مهما تلقنوا الإعتقاد الْحق الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن تعليمهم الْكَلَام ضَرَر مَحْض فِي حَقهم إِذْ رُبمَا يثير لَهُم شكا ويزلزل عَلَيْهِم الإعتقاد وَلَا يُمكن الْقيام بعد ذَلِك بالإصلاح
وَأما الْعَاميّ المعتقد للبدعة فَيَنْبَغِي أَن يَدعِي إِلَى الْحق بالتلطف لَا بالتعصب وبالكلام اللَّطِيف الْمقنع للنَّفس الْمُؤثر فِي الْقلب الْقَرِيب من سِيَاق أَدِلَّة الْقُرْآن والْحَدِيث الممزوج بفن من الْوَعْظ والتحذير فَإِن ذَلِك أَنْفَع من الجدل الْمَوْضُوع على شَرط الْمُتَكَلِّمين إِذْ الْعَاميّ إِذا سمع ذَلِك إعتقد أَنه نوع صَنْعَة من الجدل تعلمهَا الْمُتَكَلّم ليستدرج النَّاس إِلَى إعتقاده
[ ١٠٣ ]
فَإِن عجز عَن الْجَواب قدر أَن المجادلين من أهل مذْهبه أَيْضا يقدرُونَ على دَفعه
فالجدل مَعَ هَذَا وَمَعَ الأول حرَام وَكَذَا من وَقع فِي شكّ إِذْ يجب إِزَالَته باللطف والوعظ والأدلة الْقَرِيبَة المقبولة الْبَعِيدَة عَن تعمق الْكَلَام
وإستقصاء الجدل إِنَّمَا ينفع فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ أَن يفْرض عَامي إعتقد الْبِدْعَة بِنَوْع جدل سَمعه فيقابل ذَلِك الجدل بِمثلِهِ فَيَعُود إِلَى إعتقاد الْحق وَذَلِكَ فِيمَن ظهر لَهُ من الْأنس بالمجادلة مَا يمنعهُ عَن القناعة بالمواعظ والتحذيرات العامية فقد انْتهى هَذَا إِلَى حَالَة لَا يشفيه مِنْهَا إِلَّا دَوَاء الجدل
فَجَاز أَن يلقى إِلَيْهِ
وَأما فِي بِلَاد تقل فِيهَا الْبِدْعَة وَلَا تخْتَلف فِيهَا الْمذَاهب فَيقْتَصر فِيهَا على تَرْجَمَة الإعتقاد الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَلَا يتَعَرَّض للأدلة ويتربص وُقُوع شُبْهَة فَإِن وَقعت ذكر بِقدر الْحَاجة
[ ١٠٤ ]
فَإِن كَانَت الْبِدْعَة شائعة وَكَانَ يخَاف على الصّبيان أَن يخدعوا فَلَا بَأْس أَن يعلمُوا الْقدر الَّذِي أودعناه كتاب الرسَالَة القدسية ليَكُون ذَلِك سَببا لدفع تَأْثِير مجادلات المبتدعة إِن وَقعت إِلَيْهِم
وَهَذَا مِقْدَار مُخْتَصر وَقد أودعناه هَذَا الْكتاب لإختصاره
فَإِن كَانَ فِيهِ ذكاء وتنبه بذكائه لموْضِع سُؤال أَو ثارت فِي نَفسه شُبْهَة فقد بَدَت الْعلَّة المحذورة وَظهر الدَّاء فَلَا بَأْس أَن يرقى مِنْهُ إِلَى الْقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد وَهُوَ قدر خمسين ورقة وَلَيْسَ فِيهِ خُرُوج عَن النّظر فِي قَوَاعِد العقائد إِلَى غير ذَلِك من مبَاحث الْمُتَكَلِّمين
فَإِن أقنعه ذَلِك كف عَنهُ وَإِن لم يقنعه ذَلِك فقد صَارَت الْعلَّة مزمنة والداء غَالِبا وَالْمَرَض ساريا فليتلطف بِهِ الطَّبِيب بِقدر إِمْكَانه وينتظر قَضَاء الله
[ ١٠٥ ]
تَعَالَى فِيهِ إِلَى أَن ينْكَشف لَهُ الْحق بتنبيه من الله سُبْحَانَهُ أَو يسْتَمر على الشَّك والشبهة إِلَى مَا قدر لَهُ
فالقدر الَّذِي يحويه ذَلِك الْكتاب وجنسه من المصنفات هُوَ الَّذِي يُرْجَى نَفعه
فَأَما الْخَارِج مِنْهُ فقسمان
أَحدهمَا بحث عَن غير قَوَاعِد العقائد كالبحث عَن الإعتمادات وَعَن الأكوان وَعَن الإدراكات وَعَن الْخَوْض فِي الرُّؤْيَة هَل لَهَا ضد يُسمى الْمَنْع أَو
[ ١٠٦ ]
الْعَمى وَإِن كَانَ فَذَلِك وَاحِد هُوَ منع عَن جَمِيع مَا لَا يرى أَو ثَبت لكل مرئي يُمكن رُؤْيَته منع بِحَسب عدده إِلَى غير ذَلِك من الترهات المضلات
وَالْقسم الثَّانِي زِيَادَة تَقْرِير لتِلْك الْأَدِلَّة فِي غير تِلْكَ الْقَوَاعِد وَزِيَادَة أسئلة وأجوبة وَذَلِكَ أَيْضا إستقصاء لَا يزِيد إِلَّا ضلالا وجهلا فِي حق من لم يقنعه ذَلِك الْقدر فَرب كَلَام يزِيدهُ الْأَطْنَاب والتقرير غموضا
وَلَو قَالَ قَائِل الْبَحْث عَن حكم الإدراكات والإعتمادات فِيهِ فَائِدَة تشحيذ الخواطر والخاطر آلَة الدّين كالسيف آلَة الْجِهَاد فَلَا بَأْس بتشيحذه كَانَ كَقَوْلِه لعب الشطرنج يشحذ الخاطر فَهُوَ من الدّين أَيْضا وَذَلِكَ هوس فَإِن
[ ١٠٧ ]
الخاطر يتشحذ بِسَائِر عُلُوم الشَّرْع وَلَا يخَاف فِيهَا مضرَّة فقد عرفت بِهَذَا الْقدر المذموم وَالْقدر الْمَحْمُود من الْكَلَام وَالْحَال الَّتِي يذم فِيهَا وَالْحَال الَّتِي يحمد فِيهَا والشخص الَّذِي ينْتَفع بِهِ والشخص الَّذِي لَا ينْتَفع بِهِ
فَإِن قلت مهما اعْترفت بِالْحَاجةِ إِلَيْهِ فِي دفع المبتدعة والآن قد ثارت الْبدع وعمت الْبلوى وأرهقت الْحَاجة فَلَا بُد أَن يصير الْقيام بِهَذَا الْعلم من فروض الكفايات كالقيام بحراسة الْأَمْوَال وَسَائِر الْحُقُوق كالقضاء وَالْولَايَة وَغَيرهمَا وَمَا لم يشْتَغل الْعلمَاء بنشر ذَلِك والتدريس فِيهِ والبحث عَنهُ لَا يَدُوم وَلَو ترك بِالْكُلِّيَّةِ لَا ندرس وَلَيْسَ فِي مُجَرّد الطباع كِفَايَة لحل شبه المبتدعة مَا لم يتَعَلَّم فَيَنْبَغِي أَن يكون التدريس فِيهِ والبحث عَنهُ أَيْضا من فروض الكفايات بِخِلَاف زمن الصَّحَابَة ﵃ فَإِن الْحَاجة مَا كَانَت ماسة إِلَيْهِ
فَاعْلَم أَن الْحق أَنه لَا بُد فِي كل بلد من قَائِم بِهَذَا الْعلم مُسْتَقل بِدفع شبه المبتدعة الَّتِي ثارت فِي تِلْكَ الْبَلدة وَذَلِكَ يَدُوم بالتعليم وَلَكِن لَيْسَ من الصَّوَاب تدريسه على الْعُمُوم كتدريس الْفِقْه وَالتَّفْسِير فَإِن هَذَا مثل الدَّوَاء وَالْفِقْه مثل
[ ١٠٨ ]
الْغذَاء وضرر الْغذَاء لَا يحذر وضرر الدَّوَاء مَحْذُور لما ذكرنَا فِيهِ من أَنْوَاع الضَّرَر
فالعالم يَنْبَغِي أَن يخصص بتعليم هَذَا الْعلم من فِيهِ ثَلَاث خِصَال
إِحْدَاهَا التجرد للْعلم والحرص عَلَيْهِ فَإِن المحترف يمنعهُ الشّغل عَن الإستتمام وَإِزَالَة الشكوك إِذا عرضت
الثَّانِيَة الذكاء والفطنة والفصاحة فَإِن البليد لَا ينْتَفع بفهمه والقدم لَا ينْتَفع بحلجاجه فيخاف عَلَيْهِ من ضَرَر الْكَلَام وَلَا يُرْجَى فِيهِ نَفعه
الثَّالِثَة أَن يكون فِي طبعه الصّلاح والديانة وَالتَّقوى وَلَا تكون الشَّهَوَات غالبة عَلَيْهِ فَإِن الْفَاسِق بِأَدْنَى شُبْهَة ينخلع عَن الدّين فَإِن ذَلِك يحل عَنهُ الْحجر وَيرْفَع السد الَّذِي بَينه وَبَين الملاذ فَلَا يحرص على إِزَالَة الشّبَه بل يغتنمها ليتخلص
[ ١٠٩ ]
من أعباء التَّكْلِيف فَيكون مَا يُفْسِدهُ مثل هَذَا المتعلم أَكثر مِمَّا يصلحه
وَإِذا عرفت هَذِه الإنقسامات إتضح لَك أَن هَذِه الْحجَّة المحمودة فِي الْكَلَام إِنَّمَا هِيَ من جنس حجج الْقُرْآن من الْكَلِمَات اللطيفة المؤثرة فِي الْقُلُوب المقنعة للنفوس دون التغلغل فِي التقسيمات والتدقيقات الَّتِي لَا يفهمها أَكثر النَّاس وَإِذا فهموها إعتقدوا أَنَّهَا شعوذة وصناعة تعلمهَا صَاحبهَا للتلبيس
فَإِذا قابله مثله فِي الصَّنْعَة قاومه وَعرفت أَن الشَّافِعِي وكافة السّلف إِنَّمَا منعُوا عَن الْخَوْض فِيهِ
[ ١١٠ ]
والتجرد لَهُ لما فِيهِ من الضَّرَر الَّذِي نبهنا عَلَيْهِ وَأَن مَا نقل عَن ابْن عَبَّاس ﵄ من مناظرة الْخَوَارِج وَمَا نقل عَن عَليّ ﵁ من المناظرة فِي الْقدر وَغَيره كَانَ من الْكَلَام الْجَلِيّ الظَّاهِر وَفِي مَحل الْحَاجة وَذَلِكَ مَحْمُود فِي كل حَال
نعم قد تخْتَلف الْأَعْصَار فِي كَثْرَة الْحَاجة وقلتها فَلَا يبعد أَن يخْتَلف الحكم لذَلِك
فَهَذَا حكم العقيدة الَّتِي تعبد الْخلق بهَا وَحكم طَرِيق النضال عَنْهَا وحفظها
فَأَما إِزَالَة الشُّبْهَة وكشف الْحَقَائِق وَمَعْرِفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِدْرَاك الْأَسْرَار الَّتِي يترجمها ظَاهر أَلْفَاظ هَذِه العقيدة فَلَا مِفْتَاح لَهُ إِلَّا الْمُجَاهِد وقمع الشَّهَوَات والإقبال بِالْكُلِّيَّةِ على الله تَعَالَى وملازمة الْفِكر الصافي عَن شوائب المجادلات وَهِي رَحْمَة من الله ﷿ تفيض على من يتَعَرَّض لنفحاتها بِقدر
[ ١١١ ]
الرزق وبحسب التَّعَرُّض وبحسب قبُول الْمحل وطهارة الْقلب وَذَلِكَ الْبَحْر الَّذِي لَا يدْرك غوره وَلَا يبلغ ساحله