فَإِن قلت هَذِه الْآيَات وَالْأَخْبَار يتَطَرَّق إِلَيْهَا تأويلات فَبين لنا كَيْفيَّة إختلاف الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَإِن الْبَاطِن إِن كَانَ مناقضا للظَّاهِر فَفِيهِ إبِْطَال الشَّرْع وَهُوَ قَول من قَالَ إِن الْحَقِيقَة خلاف الشَّرِيعَة وَهُوَ كفر لِأَن الشَّرِيعَة عبارَة عَن الظَّاهِر والحقيقة عبارَة عَن الْبَاطِن وَإِن كَانَ لَا يناقضه وَلَا يُخَالِفهُ فَهُوَ هُوَ
[ ١١٧ ]
فيزول بِهِ الإنقسام وَلَا يكون للشَّرْع سر لَا يفشى بل يكون الْخَفي والجلي وَاحِدًا
فَاعْلَم أَن هَذَا السُّؤَال يُحَرك خطبا عَظِيما وينجر إِلَى عُلُوم المكاشفة وَيخرج عَن مَقْصُود علم الْمُعَامَلَة وَهُوَ غَرَض هَذِه الْكتب فَإِن العقائد الَّتِي ذَكرنَاهَا من أَعمال الْقُلُوب وَقد تعبدنا بتلقينها بالقلوب والتصديق بِعقد الْقلب عَلَيْهَا لَا بِأَن يتَوَصَّل إِلَى أَن ينْكَشف لنا حقائقها فَإِن ذَلِك لم يُكَلف بِهِ كَافَّة الْخلق وَلَوْلَا أَنه من الْأَعْمَال لما أوردناه فِي هَذَا الْكتاب وَلَوْلَا أَنه عمل ظَاهر الْقلب لَا عمل بَاطِنه لما أوردناه فِي الشّطْر الأول من الْكتاب
وَإِنَّمَا الْكَشْف الْحَقِيقِيّ هُوَ صفة سر الْقلب وباطنه وَلَكِن إِذا بَحر الْكَلَام إِلَى تَحْرِيك خيال فِي مناقضة الظَّاهِر للباطن فَلَا بُد من كَلَام وجيز فِي حلّه
فَمن قَالَ إِن الْحَقِيقَة تخَالف الشَّرِيعَة أَو الْبَاطِن يُنَاقض الظَّاهِر فَهُوَ إِلَى الْكفْر أقرب مِنْهُ إِلَى الْإِيمَان بل الْأَسْرَار الَّتِي يخْتَص بهَا المقربون يُدْرِكهَا وَلَا يشاركهم الْأَكْثَرُونَ فِي عَملهَا ويمتنعون عَن إفشائها إِلَيْهِم ترجع إِلَى خَمْسَة أَقسَام
[ ١١٨ ]
الْقسم الأول أَن يكون الشَّيْء فِي نَفسه دَقِيقًا تكل أَكثر الأفهام عَن دركه فَيخْتَص بدركه الْخَواص وَعَلَيْهِم أَن لَا يفشوه إِلَى غير أَهله فَيصير ذَلِك فتْنَة عَلَيْهِم حَيْثُ تقصر أفهامهم عَن الدَّرك وإخفاء سر الرّوح
وكف رَسُول الله ﷺ عَن بَيَانه من هَذَا الْقسم فَإِن حَقِيقَته مِمَّا تكل الأفهام عَن دركه وتقصر الأوهام عَن تصور كنهه
وَلَا تَظنن أَن ذَلِك لم يكن مكشوفا لرَسُول الله ﷺ فَإِن من لم يعرف الرّوح فَكَأَنَّهُ لم يعرف نَفسه وَمن لم يعرف نَفسه فَكيف يعرف ربه سُبْحَانَهُ
وَلَا يبعد أَن يكون ذَلِك مكشوفا لبَعض الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وَلَكنهُمْ يتأدبون بآداب الشَّرْع فيسكتون عَمَّا سكت عَنهُ بل فِي صِفَات الله
[ ١١٩ ]
﷿ من الخفايا مَا تقصر أفهام الجماهير عَن دركه وَلم يذكر رَسُول الله ﷺ مِنْهَا إِلَّا الظَّوَاهِر للأفهام من الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهمَا حَتَّى فهمها الْخلق بِنَوْع مُنَاسبَة توهموها إِلَى علمهمْ وقدرتهم إِذْ كَانَ لَهُم من الْأَوْصَاف مَا يُسمى علما وقدرة فيتوهمون ذَلِك بِنَوْع مقايسة وَلَو ذكر من صِفَاته مَا لَيْسَ لِلْخلقِ مِمَّا يُنَاسِبه بعض الْمُنَاسبَة شَيْء لم يفهموه بل لَذَّة الْجِمَاع إِذا ذكرت للصَّبِيّ أَو الْعنين لم يفهمها إِلَّا بمناسبة إِلَى لَذَّة المطعوم الَّذِي يُدْرِكهُ وَلَا يكون ذَلِك فهما على التَّحْقِيق والمخالفة بَين علم الله تَعَالَى وَقدرته وَعلم الْخلق وقدرتهم أَكثر من الْمُخَالفَة بَين لَذَّة الْجِمَاع وَالْأكل
[ ١٢٠ ]
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يدْرك الْإِنْسَان إِلَّا نَفسه وصفات نَفسه مِمَّا هِيَ حَاضِرَة لَهُ فِي الْحَال أَو مِمَّا كَانَت لَهُ من قبل ثمَّ بالمقايسة إِلَيْهِ يفهم ذَلِك لغيره ثمَّ قد يصدق بِأَن بَينهمَا تَفَاوتا فِي الشّرف والكمال فَلَيْسَ فِي قُوَّة الْبشر إِلَّا أَن يثبت لله تَعَالَى مَا هُوَ ثَابت لنَفسِهِ من الْفِعْل وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا من الصِّفَات مَعَ التَّصْدِيق بِأَن ذَلِك أكمل وأشرف فَيكون مُعظم تحويمه على صِفَات نَفسه لَا على مَا اخْتصَّ الرب تَعَالَى بِهِ من الْجلَال وَلذَلِك قَالَ ﷺ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك
[ ١٢١ ]
وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنِّي أعجز عَن التَّعْبِير عَمَّا أَدْرَكته بل هُوَ اعْتِرَاف بالقصور عَن إِدْرَاك جَلَاله وَلذَلِك قَالَ بَعضهم مَا عرف الله بِالْحَقِيقَةِ سوى الله ﷿
وَقَالَ الصّديق ﵁ الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل لِلْخلقِ سَبِيلا إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بِالْعَجزِ عَن مَعْرفَته
ولنقيض عنان الْكَلَام عَن هَذَا النمط ولنرجع إِلَى الْغَرَض وَهُوَ أَن أحد الْأَقْسَام مَا تكل الأفهام عَن إِدْرَاكه وَمن جملَته الرّوح وَمن جملَته بعض صِفَات الله تَعَالَى
وَلَعَلَّ الْإِشَارَة إِلَى مثله فِي قَوْله ﷺ
إِن لله سُبْحَانَهُ سبعين حِجَابا من نور لَو كشفها لأحرقت سبحات وَجهه كل من أدْركهُ بَصَره
[ ١٢٢ ]
الْقسم الثَّانِي من الخفيات الَّتِي تمْتَنع الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ عَن ذكرهَا مَا هُوَ مَفْهُوم فِي نَفسه لَا يكل الْفَهم عَنهُ وَلَكِن ذكره يضر بِأَكْثَرَ المستمعين وَلَا يضر بالأنبياء وَالصديقين
وسر الْقدر الَّذِي منع أهل الْعلم من إفشائه من هَذَا الْقسم فَلَا يبعد أَن يكون ذكر بعض الْحَقَائِق مضرا بِبَعْض الْخلق كَمَا يضر نور الشَّمْس بأبصار الخفافيش وكما تضر ريَاح الْورْد بالجعل وَكَيف يبعد هَذَا وَقَوْلنَا أَن الْكفْر وَالزِّنَا والمعاصي والشرور كُله بِقَضَاء الله تَعَالَى وإرادته ومشيئته حق فِي نَفسه وَقد أضرّ
[ ١٢٣ ]
سَمَاعه بِقوم إِذْ أوهم ذَلِك عِنْدهم أَنه دلَالَة على السَّفه ونقيض الْحِكْمَة وَالرِّضَا بالقبيح وَالظُّلم
وَقد ألحد ابْن الراوندي وَطَائِفَة من المخذولين بِمثل ذَلِك وَكَذَلِكَ سر الْقدر وَلَو أفشى لأوهم عِنْد أَكثر الْخلق عَجزا إِذا تقصر أفهامهم عَن إِدْرَاك مَا يزِيل ذَلِك الْوَهم عَنْهُم
وَلَو قَالَ قَائِل إِن الْقِيَامَة لَو ذكر ميقاتها وَأَنَّهَا بعد ألف سنة أَو أَكثر أَو أقل لَكَانَ مفهوما وَلَكِن لم يذكر لمصْلحَة الْعباد وخوفا من الضَّرَر فَلَعَلَّ الْمدَّة إِلَيْهَا بعيدَة فَيطول الأمد وَإِذا اسْتَبْطَأَتْ النُّفُوس وَقت الْعقَاب قل إكتراثها ولعلها
[ ١٢٤ ]
كَانَت قريبَة فِي علم الله سُبْحَانَهُ وَلَو ذكرت لعظم الْخَوْف وَأعْرض النَّاس عَن الْأَعْمَال وَخَربَتْ الدُّنْيَا
فَهَذَا الْمَعْنى لَو اتجه وَصَحَّ فَيكون مِثَالا لهَذَا الْقسم
الْقسم الثَّالِث أَن يكون الشَّيْء بِحَيْثُ لَو ذكر صَرِيحًا لفهم وَلم يكن فِيهِ ضَرَر وَلَكِن يكنى عَنهُ على سَبِيل الإستعارة وَالرَّمْز ليَكُون وقعه فِي قلب المستمع أغلب وَله مصلحَة فِي أَن يعظم وَقع ذَلِك الْأَمر فِي قلبه كَمَا لَو قَالَ قَائِل رَأَيْت فلَانا يُقَلّد الدّرّ فِي أَعْنَاق الْخَنَازِير فكنى بِهِ عَن إفشاء الْعلم وَبث الْحِكْمَة إِلَى غير أَهلهَا فالمستمع قد يسْبق إِلَى فهمه ظَاهر للفظ والمحقق إِذا نظر وَعلم أَن ذَلِك الْإِنْسَان لم يكن مَعَه در وَلَا كَانَ فِي مَوْضِعه خِنْزِير تفطن لدرك السِّرّ وَالْبَاطِن فيتفاوت النَّاس فِي ذَلِك وَمن هَذَا قَالَ الشَّاعِر
(رجلَانِ خياط وَآخر حائك متقابلان على السماك الأعزل)
(لَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل)
[ ١٢٥ ]
فَإِنَّهُ عبر عَن سَبَب سماوي فِي الإقبال والإدبار برجلَيْن صانعين وَهَذَا النَّوْع يرجع إِلَى التَّعْبِير عَن الْمَعْنى بالصورة الَّتِي تَتَضَمَّن عين الْمَعْنى أَو مثله وَمِنْه قَوْله ﷺ
إِن الْمَسْجِد لينزوي من النخامة كَمَا تنزوي الْجلْدَة على النَّار وَأَنت ترى أَن ساحة الْمَسْجِد لَا تنقبض بالنخامة
وَمَعْنَاهُ أَن روح الْمَسْجِد كَونه مُعظما وَرمي النخامة فِيهِ تحقير لَهُ فيضاد معنى المسجدية مضادة النَّار لإتصال أَجزَاء الْجلْدَة
وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ
أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس حمَار
[ ١٢٦ ]
وَذَلِكَ من حَيْثُ الصُّور لم يكن قطّ وَلَا يكون وَلَكِن من حَيْثُ الْمَعْنى هُوَ كَائِن إِذْ رَأس الْحمار لم يكن بحقيقته لكَونه وشكله بل بخاصيته وَهِي البلادة والحمق
وَمن رفع رَأسه قبل الإِمَام فقد صَار رَأسه حمَار فِي معنى البلادة والحمق وَهُوَ الْمَقْصُود دون الشكل الَّذِي هُوَ قالب الْمَعْنى إِذْ من غَايَة الْحمق أَن يجمع بَين الإقتداء وَبَين التَّقَدُّم فَإِنَّهُمَا متناقضان
وَإِنَّمَا يعرف أَن هَذَا السِّرّ على خلاف الظَّاهِر إِمَّا بِدَلِيل عَقْلِي أَو شَرْعِي
أما الْعقلِيّ فَأن يكون حمله على الظَّاهِر غير مُمكن كَقَوْلِه ﷺ
قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن
إِذْ لَو فتشنا عَن قُلُوب الْمُؤمنِينَ فَلم نجد فِيهَا أَصَابِع فَعلم أَنَّهَا كِنَايَة عَن
[ ١٢٧ ]
الْقُدْرَة الَّتِى هِيَ سر الْأَصَابِع وروحها الْخَفي وكنى بالأصابع عَن الْقُدْرَة لِأَن ذَلِك أعظم وَقعا فِي تفهم تَمام الإقتدار وَمن هَذَا الْقَبِيل فِي كنايته عَن الإقتدار قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾
فَإِن ظَاهره مُمْتَنع إِذْ قَوْله كن إِن كَانَ خطابا للشَّيْء قبل وجوده فَهُوَ محَال إِذْ الْمَعْدُوم لَا يفهم الْخطاب حَتَّى يمتثل وَإِن كَانَ بعد الْوُجُود فَهُوَ مستغن عَن التكوين وَلَكِن لما كَانَت هَذِه الْكِتَابَة أوقع فِي النُّفُوس فِي تفهيم غَايَة الإقتدار عدل إِلَيْهَا
وَأما الْمدْرك بِالشَّرْعِ فَهُوَ أَن يكون إجراؤه على الظَّاهِر مُمكنا وَلكنه يرْوى أَنه أُرِيد بِهِ غير الظَّاهِر كَمَا ورد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا﴾ الْآيَة وَإِن معنى المَاء هَا
[ ١٢٨ ]
هُنَا هُوَ الْقُرْآن وَمعنى الأودية هِيَ الْقُلُوب وَأَن بَعْضهَا احتملت شَيْئا كثيرا وَبَعضهَا قَلِيلا وَبَعضهَا لم يحْتَمل والزبد مثل الْكفْر والنفاق فَإِنَّهُ وَإِن ظهر وطفا على رَأس المَاء فَإِنَّهُ لَا يثبت وَالْهِدَايَة الَّتِي تَنْفَع النَّاس تمكث وَفِي هَذَا الْقسم تعمق جمَاعَة فأولوا مَا ورد فِي الْآخِرَة من الْمِيزَان والصراط وَغَيرهمَا وَهُوَ بِدعَة إِذْ لم ينْقل ذَلِك بطرِيق الرِّوَايَة وإجراؤه على الظَّاهِر غير محَال
[ ١٢٩ ]
فَيجب إجراؤه على الظَّاهِر
الْقسم الرَّابِع أَن يدْرك الْإِنْسَان الشَّيْء جملَة ثمَّ يُدْرِكهُ تَفْصِيلًا بالتحقيق والذوق بِأَن يصير حَالا ملابسا لَهُ فيتفاوت العلمان وَيكون الأول كالقشر وَالثَّانِي كاللباب وَالْأول كَالظَّاهِرِ
وَالثَّانِي كالباطن وَذَلِكَ كَمَا يتَمَثَّل للْإنْسَان فِي عينه شخص فِي الظلمَة أَو على الْبعد فَيحصل لَهُ نوع علم فَإِذا رَآهُ بِالْقربِ أَو بعد زَوَال الظلام أدْرك تفرقه بَينهمَا وَلَا يكون الْأَخير الأول بل هُوَ إستكمال لَهُ
فَكَذَلِك الْعلم وَالْإِيمَان والتصديق إِذْ قد يصدق الْإِنْسَان بِوُجُود الْعِشْق وَالْمَرَض وَالْمَوْت قبل وُقُوعه وَلَكِن تحَققه بِهِ عِنْد الْوُقُوع أكمل من تحَققه قبل الْوُقُوع بل للْإنْسَان فِي الشَّهْوَة والعشق وَسَائِر الْأَحْوَال ثَلَاثَة أَحْوَال مُتَفَاوِتَة وإدراكات متباينة
الأول تَصْدِيقه بِوُجُودِهِ قبل وُقُوعه
وَالثَّانِي عِنْد وُقُوعه
وَالثَّالِث بعد تصرمه فَإِن تحققك بِالْجُوعِ بعد زَوَاله يُخَالف التحقق بِهِ قبل الزَّوَال
وَكَذَلِكَ من عُلُوم الدّين مَا يصير ذوقا فيكمل فَيكون ذَلِك كالباطن
[ ١٣٠ ]
بِالْإِضَافَة إِلَى مَا قبل ذَلِك فَفرق بَين علم الْمَرِيض بِالصِّحَّةِ وَبَين علم الصَّحِيح بهَا
فَفِي هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة تَتَفَاوَت الْخلق وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا بَاطِن يُنَاقض الظَّاهِر بل يتممه ويكمله كَمَا يتمم اللب القشر
وَالسَّلَام
الْقسم الْخَامِس أَن يعبر بِلِسَان الْمقَال عَن لِسَان الْحَال فالقاصر الْفَهم يقف على الظَّاهِر ويعتقده نطقا والبصير بالحقائق يدْرك السِّرّ فِيهِ
وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل قَالَ الْجِدَال للوتد لم تشقني
قَالَ سل من يدقني فَلم يتركني ورائي الْحجر الَّذِي ورائي
فَهَذَا تَعْبِير عَن لِسَان الْحَال بِلِسَان الْمقَال
وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا﴾
[ ١٣١ ]
وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قالتآ أَتَيْنَا طائعين)
فالبليد يفْتَقر فِي فهمه إِلَى أَن يقدر لَهما حَيَاة وعقلا وفهما للخطاب وخطابا هُوَ صَوت وحرف تسمعه السَّمَاء وَالْأَرْض فتجيبان بِحرف وَصَوت وَتَقُولَانِ أَتَيْنَا طائعين والبصير يعلم أَن ذَلِك لِسَان الْحَال وَأَنه أنباء عَن كَونهمَا مسخرتين بِالضَّرُورَةِ ومضطرتين إِلَى التسخير
وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ﴾
فالبليد يفْتَقر فِيهِ إِلَى أَن يقدر للجمادات حَيَاة وعقلا ونطقا بِصَوْت وحرف حَتَّى يَقُول سُبْحَانَ الله ليتَحَقَّق تسبيحه والبصير يعلم أَنه مَا أُرِيد بِهِ نطق اللِّسَان بل كَونه مسبحا بِوُجُودِهِ ومقدسا بِذَاتِهِ وَشَاهدا بوحدانية الله سُبْحَانَهُ كَمَا يُقَال
وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة تدل على أَنه الْوَاحِد
وكما يُقَال هَذِه الصَّنْعَة المحكمة تشهد لصانعها بِحسن التَّدْبِير وَكَمَال الْعلم لَا بِمَعْنى أَنَّهَا تَقول أشهد بالْقَوْل وَلَكِن بِالذَّاتِ وَالْحَال
وَكَذَلِكَ مَا من شَيْء إِلَّا
[ ١٣٢ ]
وَهُوَ مُحْتَاج فِي نَفسه إِلَى موجد يوجده
ويبقيه ويديم أَوْصَافه ويردده فِي أطواره
فَهُوَ بحاجته يشْهد لخالقه بالتقديس يدْرك شَهَادَته ذَوُو البصائر دون الجامدين على الظَّوَاهِر وَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾
وَأما القاصرون فَلَا يفقهُونَ أصلا
وَأما المقربون وَالْعُلَمَاء الراسخون فَلَا يفقهُونَ كنهه وكماله إِذْ لكل شَيْء شَهَادَات شَتَّى على تقديس الله سُبْحَانَهُ وتسبيحه وَيدْرك كل وَاحِد بِقدر عقله وبصيرته وتعداد تِلْكَ الشَّهَادَات لَا يَلِيق بِعلم الْمُعَامَلَة
فَهَذَا الْفَنّ أَيْضا مِمَّا يتَفَاوَت أَرْبَاب الظَّوَاهِر وأرباب البصائر فِي علمه وَتظهر بِهِ مُفَارقَة الْبَاطِن للظَّاهِر
[ ١٣٣ ]
وَفِي هَذَا الْمقَام لأرباب المقامات إِسْرَاف وإقتصاد فَمن مُسْرِف فِي رفع الظَّوَاهِر إنتهى إِلَى تَغْيِير جَمِيع الظَّوَاهِر والبراهين أَو أَكْثَرهَا حَتَّى حملُوا قَوْله تَعَالَى ﴿وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء﴾
وَكَذَلِكَ المخاطبات الَّتِي تجْرِي من مُنكر وَنَكِير وَفِي الْمِيزَان والصراط والحساب ومناظرات أهل النَّار وَأهل الْجنَّة فِي قَوْلهم
﴿أفيضوا علينا من المَاء أَو مِمَّا رزقكم الله﴾
زَعَمُوا أَن ذَلِك كُله بِلِسَان الْحَال وغلا آخَرُونَ فِي حسم الْبَاب مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ حَتَّى منع تَأْوِيل قَوْله ﴿كن فَيكون﴾ وَزَعَمُوا أَن ذَلِك خطاب بِحرف وَصَوت يُوجد من الله تَعَالَى فِي كل لَحْظَة بِعَدَد كَون كل مكون
[ ١٣٤ ]
حَتَّى سَمِعت بعض أَصْحَابه يَقُول إِنَّه حسم بَاب التَّأْوِيل إِلَّا لثَلَاثَة أَلْفَاظ قَوْله ﷺ
الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي أرضه
وَقَوله ﷺ
قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن
وَقَوله ﷺ إِنِّي لأجد نفس الرَّحْمَن من جَانب الْيمن
[ ١٣٥ ]
وَمَال إِلَى حسم الْبَاب أَرْبَاب الظَّوَاهِر
وَالظَّن بِأَحْمَد بن حَنْبَل ﵁ أَنه علم أَن الإستواء لَيْسَ هُوَ الإستقرار وَالنُّزُول لَيْسَ هُوَ الإنتقال وَلكنه منع من التَّأْوِيل حسما للباب ورعاية لصلاح الْخلق فَإِنَّهُ إِذا فتح الْبَاب اتَّسع الْخرق وَخرج الْأَمر عَن الضَّبْط وَجَاوَزَ حد الإقتصاد إِذْ حد مَا جَاوز الإقتصاد لَا يَنْضَبِط فَلَا بَأْس بِهَذَا الزّجر
وَيشْهد لَهُ سيرة السّلف فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ أمروها كَمَا جَاءَت حَتَّى قَالَ مَالك ﵀ لما سُئِلَ عَن الإستواء الإستواء مَعْلُوم والكيفية مَجْهُولَة
[ ١٣٦ ]
وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة
وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى الإقتصاد وفتحوا بَاب التَّأْوِيل فِي بعض مَا يتَعَلَّق بِصِفَات الله سُبْحَانَهُ وَتركُوا مَا يتَعَلَّق بِالآخِرَة على ظواهرها وَمنعُوا التَّأْوِيل فِيهِ وهم الأشعرية
وَزَاد الْمُعْتَزلَة عَلَيْهِم حَتَّى أولُوا من صِفَاته تَعَالَى الرُّؤْيَة وَأولُوا كَونه سميعا بَصيرًا وَأولُوا الْمِعْرَاج وَزَعَمُوا أَنه لم يكن بالجسد وَأولُوا عَذَاب الْقَبْر وَالْمِيزَان والصراط وَجُمْلَة من أَحْكَام الْآخِرَة وَلَكِن أقرُّوا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات والمشمومات والمنكوحات والملاذ المحسوسة
[ ١٣٧ ]
وبالنار واشتمالها على جسم محسوس محرق يحرق الْجُلُود ويذيب الشحوم وَمن ترقيهم إِلَى هَذَا الْحَد زَاد الفلاسفة فأولوا كل مَا ورد فِي الْآخِرَة وردوه إِلَى الام عقلية وروحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وَقَالُوا بِبَقَاء النُّفُوس وَأَنَّهَا تكون إِمَّا معذبة وَإِمَّا منعمة بِعَذَاب ونعيم لَا يدْرك بالحس
وَهَؤُلَاء هم المسرفون
وحد الإقتصاد بَين هَذَا الإنحلال كُله وَبَين جمود الْحَنَابِلَة دَقِيق غامض لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الموفقون الَّذين يدركون الْأُمُور بِنور إلهي لَا بِالسَّمَاعِ
ثمَّ إِذا إنكشفت لَهُم أسرار الْأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ نظرُوا إِلَى السّمع والألفاظ الْوَارِدَة فَمَا وَافق مَا شاهدوه بِنور الْيَقِين قررو وَمَا خَالف أولوه
فَأَما من يَأْخُذ معرفَة هَذِه الْأُمُور من السّمع الْمُجَرّد فَلَا يسْتَقرّ لَهُ فِيهَا قدم وَلَا يتَعَيَّن لَهُ موقف والأليق بالمقتصر على السّمع الْمُجَرّد مقَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀
[ ١٣٨ ]
والآن فكشف الغطاء عَن حد الإقتصاد فِي هَذِه الْأُمُور دَاخل فِي علم المكاشفة وَالْقَوْل فِيهِ يطول فَلَا نَخُوض فِيهِ وَالْغَرَض بَيَان مُوَافقَة الْبَاطِن الظَّاهِر وَأَنه غير مُخَالف لَهُ فقد إنكشفت بِهَذِهِ الْأَقْسَام الْخَمْسَة أُمُور كَثِيرَة
وَإِذا رَأينَا أَن نقتصر بكافة الْعَوام على تَرْجَمَة العقيدة الَّتِي حررناها وَأَنَّهُمْ لَا يكلفون غير ذَلِك فِي الدرجَة الأولى إِلَّا إِذا كَانَ خوف تشويش لشيوع الْبِدْعَة فيرقى فِي الدرجَة الثَّانِيَة إِلَى عقيدة فِيهَا لوامع من الْأَدِلَّة المختصرة من غير تعمق فلنورد فِي هَذَا الْكتاب تِلْكَ اللوامع ولنقتصر فِيهَا على مَا حررناه لأهل الْقُدس وسميناه الرسَالَة القدسية فِي قَوَاعِد العقائد وَهِي مودعة فِي هَذَا الْفَصْل الثَّالِث من هَذَا الْكتاب
[ ١٣٩ ]