فَإِن قلت فقد اتّفق السّلف على أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص يزِيد بِالطَّاعَةِ وَينْقص بالمعصية فَإِذا كَانَ التَّصْدِيق هُوَ الْإِيمَان فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ زِيَادَة وَلَا نُقْصَان
فَأَقُول السّلف هم الشُّهُود الْعُدُول وَمَا لأحد عَن قَوْلهم عدُول فَمَا ذَكرُوهُ حق وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي فهمه وَفِيه دَلِيل على أَن الْعَمَل لَيْسَ من أَجزَاء الْإِيمَان وأركان وجوده بل هُوَ مزِيد عَلَيْهِ يزِيد بِهِ وَالزَّائِد مَوْجُود والناقص مَوْجُود وَالشَّيْء لَا يزِيد بِذَاتِهِ فَلَا يجوز أَن يُقَال الْإِنْسَان يزِيد بِرَأْسِهِ بل يُقَال يزِيد بلحيته وسمته وَلَا يجوز أَن يُقَال الصَّلَاة تزيد
[ ٢٦٠ ]
بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود بل تزيد بالآداب وَالسّنَن فَهَذَا تَصْرِيح بِأَن الْإِيمَان لَهُ وجود ثمَّ بعد الْوُجُود يخْتَلف حَاله بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان
فَإِن قلت فالإشكال قَائِم فِي أَن التَّصْدِيق كَيفَ يزِيد وَينْقص وَهُوَ خصْلَة وَاحِدَة
فَأَقُول إِذا تركنَا المداهنة وَلم نكترت بتشغيب من تشغب وكشفنا الغطاء ارْتَفع الْإِشْكَال
فَنَقُول الْإِيمَان اسْم مُشْتَرك يُطلق من ثَلَاثَة أوجه
الأول أَنه يُطلق للتصديق بِالْقَلْبِ على سَبِيل الِاعْتِقَاد والتقليد من غير كشف وانشراح صدر وَهُوَ إِيمَان الْعَوام
بل إِيمَان الْخلق كلهم إِلَّا الْخَواص
[ ٢٦١ ]
وَهَذَا الِاعْتِقَاد عقدَة على الْقلب تَارَة تشتد وتقوى وَتارَة تضعف وَتَسْتَرْخِي كالعقدة على الْخَيط مثلا وَلَا تستبعد هَذَا واعتبره باليهودي وصلابته فِي عقيدته الَّتِي لَا يُمكن نزوعه عَنْهَا بتخويف وتحذير وَلَا بتخييل وَوعظ وَلَا بتحقيق وبرهان
وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِي والمبتدعة وَفِيهِمْ من يُمكن تشكيكه بِأَدْنَى كَلَام وَيُمكن استنزاله عَن اعْتِقَاده بِأَدْنَى استمالة أَو تخويف مَعَ أَنه غير شَاك فِي عقده كَالْأولِ ولكنهما متفاوتان فِي شدَّة التصميم وَهَذَا مَوْجُود فِي الِاعْتِقَاد الْحق أَيْضا وَالْعَمَل يُؤثر فِي نَمَاء هَذَا التصميم وزيادته كَمَا يُؤثر سقِي المَاء فِي ثمار الْأَشْجَار وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى
﴿فزادتهم إِيمَانًا﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم﴾
[ ٢٦٢ ]
وَقَالَ ﷺ فِيمَا يروي فِي بعض الْأَخْبَار الْإِيمَان يزِيد وَينْقص وَذَلِكَ بتأثير الطَّاعَات فِي الْقلب وَهَذَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا من راقب أَحْوَال نَفسه فِي أَوْقَات الْمُوَاظبَة على الْعِبَادَة والتجرد لَهَا بِحُضُور الْقلب مَعَ أَوْقَات الفتور وَإِدْرَاك التَّفَاوُت فِي السّكُون إِلَى عقائد الْإِيمَان فِي هَذِه الْأَحْوَال حَتَّى يزِيد عقده استعصاء على من يُرِيد حلّه بالتشكيك بل من يعْتَقد فِي الْيَتِيم معنى الرَّحْمَة إِذا عمل بِمُوجب اعْتِقَاده فَمسح رَأسه وتلطف بِهِ أدْرك من بَاطِنه تَأْكِيد الرَّحْمَة وتضاعفها بِسَبَب الْعَمَل
وَكَذَلِكَ مُعْتَقد التَّوَاضُع إِذا عمل بِمُوجبِه عملا مُقبلا أَو سَاجِدا لغيره أحس من قلبه بالتواضع عِنْد إقدامه على الْخدمَة وَهَكَذَا جَمِيع صِفَات الْقلب تصدر مِنْهَا أَعمال الْجَوَارِح ثمَّ يعود دائر الْأَعْمَال عَلَيْهَا فيؤكدها ويزيدها وَسَيَأْتِي هَذَا فِي ربع المنجيات والمهلكات عِنْد بَيَان وَجه تعلق الْبَاطِن بِالظَّاهِرِ والأعمال بالعقائد والقلوب فَإِن ذَلِك من جنس تعلق الْملك بالملكوت وأعني بِالْملكِ
[ ٢٦٣ ]
عَالم الشَّهَادَة الْمدْرك بالحواس وبالملكوت عَالم الْغَيْب الْمدْرك بِنور البصيرة وَالْقلب من عَالم الملكوت والأعضاء وأعمالها من عَالم الْملك ولطف الارتباط ودقته بَين الْعَالمين انْتهى إِلَى حد ظن بعض النَّاس إتحاد أَحدهمَا بِالْآخرِ وَظن آخَرُونَ أَنه لَا عَالم إِلَّا عَالم الشَّهَادَة وَهُوَ هَذِه الْأَجْسَام المحسوسة وَمن أدْرك الْأَمريْنِ وَأدْركَ تعددهما ثمَّ ارتباطهما عبر عَنهُ فَقَالَ
رق الزّجاج وراقت الْخمر وتشابها فتشاكل الْأَمر
فَكَأَنَّمَا خمر وَلَا قدح وكأنما قدح وَلَا خمر
[ ٢٦٤ ]
ولنرجع إِلَى الْمَقْصُود فَإِن هَذَا الْعَالم خَارج عَن علم الْمُعَامَلَة وَلَكِن بَين الْعَالمين أَيْضا اتِّصَال وارتباط فَلذَلِك ترى عُلُوم المكاشفة تتسلق كل سَاعَة على عُلُوم الْمُعَامَلَة إِلَى أَن تنكشف عَنْهَا بالتكليف فَهَذَا وَجه زِيَادَة الْإِيمَان بِالطَّاعَةِ بِمُوجب هَذَا الْإِطْلَاق وَلِهَذَا قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه إِن الْإِيمَان ليبدو لمْعَة يضاء فَإِذا عمل العَبْد الصَّالِحَات نمت فزادت حَتَّى يبيض الْقلب كُله وَإِن النِّفَاق ليبدو نُكْتَة سَوْدَاء فَإِذا انتهك الحرمات نمت وزادت حَتَّى يسود الْقلب كُله فيطبع عَلَيْهِ فَلذَلِك هُوَ الْخَتْم وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم﴾