يقف على الضد من قول السلف في التوحيد قول الفلاسفة، ونعني بهم: فلاسفة اليونان الوثنيين.
وذلك لأن مصدر العقيدة في كل منهما مختلف، فمصدر العقيدة لدى السلف الوحي أما العقل فهو تابع للوحي وخاضع له.
أما الفلاسفة فلا يعرفون إلا العقل المجرد من نور الوحي، وهو عقل ملوث بالبيئات الوثنية التي كانوا يعيشون فيها، فلهذا كان قولهم في التوحيد مناقضًا لقول السلف وبعيدًا عنه كل البعد، بل بعيد عن العقل السليم الصحيح في أكثر مقدماته ونتائجه، ومع ذلك فقد أثر في أمم كثيرة من بني آدم، وممن تأثر به كثير من المسلمين، والمنتسبين للإسلام، فمنهم من تبنى قولهم وأخذ به والتزمه، ومنهم من تأثر به تأثرا كبيرا في كثير من مناهجه العلمية ووسائله للمعرفة، فأثر بالتالي على النتائج التي توصلوا إليها خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله ﵎ وتوحيده.
ولهذا سنذكر في هذه الدراسة قول فلاسفة اليونان عمومًا الذين أثبتوا وجود الله ﷿، وكذلك قول من أنكر وجوده ﵎ لأن كلا القولين كان له أثر في المسلمين أو في المنتسبين للإسلام، وسنبين بطلان كل مقالة عند ذكرها.
وقبل أن نبدأ بذلك نذكر تعريفا مختصرا للفلسفة والفلاسفة.
أما الفلسفة: فعرفها أرسطو بأنها: البحث عن علل الأشياء ومبادئها الأولى أو هي العلم الذي يبحث في الوجود من حيث هو وجود (^١).
_________________
(١) أرسطو المعلم الأول لماجد فخري (ص ٢١ - ٢٥).
[ ٢٠٣ ]
وعرفها ابن رشد (^١) بأنها: النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع (^٢).
وهذان التعريفان خاصان بما نحن بصدده من كلامهم في الله ﷿ لارتباطهما به.
أما الفلاسفة: فهم الذين نظروا في طبائع الأشياء بفكرهم لمعرفة عللها الخفية وراء ظواهرها.
لذا نجد أن الفلاسفة لم يقتصروا على النظر والتفكر فيما هو ظاهر أمام أعينهم من المخلوقات، وإنما راحوا يبحثون فيما وراء ذلك وهو الخالق جل وعلا ويسمون ذلك ما وراء الطبيعة أو الإلهيات (^٣).
وقبل أن نذكر قول الفلاسفة في التوحيد نشير إلى أن الفلاسفة ولجوا في هذا العلم بعقولهم المحدودة، ونظرهم القاصر، وقد أدركوا أن كلامهم إنما هو في أمر لا سبيل إلى التحقق منه بالعقول المجردة وإنما هي محاولات لن يصلوا منها إلى نتيجة حاسمة أبدًا، فتبقى هكذا محاولات ومقدمات بلا نتائج لهذا قالوا: "إن عالِمَ ما بعد الطبيعة عالِمٌ درج في غير عشه ببحثه عن شيء فوق الحقائق فإذا هو شاعر" (^٤).
ومرادهم بقولهم: (فإذا هو شاعر) أي: أن الفيلسوف يعبر عن خيالاته وأحاسيس نفسه بالعبارات المنمقة التي لا تعتمد على عرض الحقائق على ما
_________________
(١) محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي أبو الوليد الفيلسوف عني بكلام أرسطو وترجمه إلى العربية وزاد عليه زيادات كثيرة اتهم بالزندقة فنفاه الخليفة إلى مراكش فتوفي فيها سنة ٥٩٥ هـ الأعلام ٥/ ٣١٨
(٢) نقلا عن الفكر العربي لعمر فروخ (ص ٦٥٩).
(٣) مبادئ الفلسفة (ص ٢٤، ٢٥)، أرسطو المعلم الأول (ص ٢١).
(٤) مبادئ الفلسفة (ص ٢٦).
[ ٢٠٤ ]
هي عليه.
وقال رسل (^١): " إن قيمة الفلسفة ليست فيما تقدمه من حلول نهائية للمسائل التي تطرحها، إذ ليس من الضروري أن تكون هناك دائما إجابات نهائية صحيحة، وإنما قيمة الفلسفة في مناقشاتها المفتوحة والفرصة التي تتيحها لتوسيع أفق تصورنا، ولإثراء خيالنا العقلي، ولتقليل التوكيد الجزمي، الذي يغلق كل سبيل أمام التنامي العقلي " (^٢).
هذا الكلام تعبير دقيق عن فائدة الفلسفة - إذا كان هناك فائدة - وغايتها، وهذه الفائدة تتلخص في أنها تورد الإشكالات ولا تحلها، وتجعل المجال فيما يناقشه الفلاسفة مفتوحا لسائر الآراء والتصورات، مما يمنع الجزم واليقين بالأمر، وهذا لا شك مما يدل على عدم صلاحها، وعدم صحة الاعتماد عليها في مسائل العقيدة التي يطلب فيها الجزم واليقين.
كما أنها لا تصلح بديلا ألبتة للتعاليم الدينية في جميع النواحي التعبدية والأخلاقية والعلمية، لأن مصدر العلوم الدينية والأوامر الشرعية من لدن حكيم خبير، أما الفلسفة فإنها تعتمد على نظر عقلي بشري من أهم خصائصه الواضحة النقص وقلة العلم، وتأثير البيئات المحيطة بطريقة التفكير.
ونشير هنا إلى أن الفلاسفة الوثنيين على قولين في الله تعالى من ناحية وجوده، فمنهم من أنكر وجود الله تعالى جملة وتفصيلًا، فهؤلاء ملاحدتهم، ومنهم من أثبت لله تعالى وجودًا، وهم من يسمون المؤلهة. وسنورد قولهم في المبحثين التاليين:
_________________
(١) رسل برتراند رياضي وفيلسوف إنجليزي ملحد من بناة المنطق الحديث عارض بشدة استعمال الأسلحة الذرية توفي ١٩٧٠ م. المنجد في الأعلام (ص ٣٠٦).
(٢) نقلا عن الموسوعة الفلسفية (ص ٣١٩).
[ ٢٠٥ ]