الفلاسفة اليونان الوثنيون الذين كانوا قبل المسيح ﵇ بأكثر من ستمائة عام (^١) قد بحثوا في أصل العالم ومصدر وجوده، فمنهم من أثبت وجودًا لموجود أعلى يعزى إليه علة وجود العالم، ومنهم من أنكر ذلك، وزعم أن وجود العالم أزلي، ولم يعزه إلى موجد أوجده، وهؤلاء هم الملاحدة المنكرون لوجود الله ﵎، وهم على قولين في أصل العالم ومصدره:
القول الأول: القائلون بأن أصل العالم مادي.
أصحاب هذا القول زعموا أن أصل هذا العالم نوع أو أنواع من المادة، وأنكروا أن يكون ثمَّ خالق، وإنما المادة هي أصل العالم.
وهي عند متقدميهم أصحاب المدرسة الأيونية (^٢) إما الماء، وهو قول طاليس (^٣) أو عنصران هما الهواء والماء، أو اللامحدود، كما هو قول انكسمندريس (^٤)، أو الهواء كما هو قول انكسمانس (^٥).
_________________
(١) تاريخ الفلسفة من منظور شرقي ص ٢٩
(٢) الأيونية: نسبة إلى منطقة تسمى أيون بآسيا الوسطى كانت ثغرًا من ثغور اليونان، ومدرستهم مادية وترجع أصل الوجود إلى المادة الواحدة.
(٣) من أوائل الفلاسفة القدماء الماديين ولا يعرف عنه الشيء الكثير، كان في حدود ٦٤٠ ق. م. تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي ص ١٠١
(٤) انكسمندريس أو إنكسمندر، فيلسوف يوناني ولد بملطية إحدى ثغور اليونان بآسيا الصغرى نحو ٦١٠ وتوفي ٥٤٧ ق م.
(٥) انكسمانس، ولد نحو ٥٨٨ وتوفي ٥٢٤ ق. م، وهو آخر الفلاسفة الأيونيين الماديين. انظر في الإحالات الأربع السابقة الموسوعة الفلسفية (ص ٧٢).
[ ٢٠٦ ]
أما متأخروهم: فزعموا أن أصل العالم: الجواهر الفردة أو الذرات التي لا نهاية لعددها وحدِّها وهي غير قابلة للتغير والفساد. وهذا هو قول انكساغوراس (^١) وديمقريطس (^٢) وهيرقليطس (^٣) وأبيقور (^٤).
فكل هؤلاء زعموا أن الكون تكون من مادة أزلية أبدية، وهذه المادة كانت دائمة الحركة، وبسبب حركتها الدائمة اصطدم بعضها ببعض فأنتجت من خلال هذا التصادم الوجود (^٥).
بيان بطلان قول القائلين بأن أصل العالم مادي:
هذا القول ظاهر منه إنكار ربوبية الله عز وجلوألوهيته بل ظاهر منه إنكار وجوده ﷿.
وأدلة بطلانه من وجوه:
أولًا: إن اختلافهم وتفاوت أقوالهم في أصل الكون ومبدأ الوجود دليل على بطلان دعاويهم إذ أن التفاوت بين الماء والهواء أو اللامحدود أي الذرات الكثيرة التي لا نهاية لعددها وحدها لا يمكن الخروج منه بقول واحد، فلا بد من أن يتفقوا على شيء واحد لتثبت لهم النتيجة في أصل الكون.
_________________
(١) فيلسوف يوناني ولد نحو ٥٠٠ وتوفي نحو ٤٢٨ ق. م، الموسوعة الفسلفية (ص ٧٢).
(٢) فيلسوف يوناني ولد نحو ٤٦٠ وتوفي ٣٦١ ق. م من أهل تراقيه في اليونان، الموسوعة الفسلفية (ص ١٩٥).
(٣) فيلسوف يوناني عاش نحو ٥٤٠ وتوفي ٤٧٥ ق م، وهو من مدينة أفسس إحدى المدن الأيونية وكان من أسرة تتوارث الكهانة فترك ذلك وتوجه للفلسفة، في سبيل موسوعة الفلسفة (ص ٩٢).
(٤) فيلسوف من أثينا عاش في حدود ٣٤١ - ٢٧٠ ق م وهو صاحب المدرسة الأبيقورية، الموسوعة الفلسفية (ص ٢٦٠).
(٥) انظر: الموسوعة الفلسفية (١/ ٢٧٦ - ٥٠٨).
[ ٢٠٧ ]
ثانيًا: إن هذه دعاوى تخمينية ليست قائمة على أي مبدأ علمي سليم فهم لم يرو من الوجود إلا ما يحيط بهم من الأرض وأنفسهم، فكيف زعموا أن الكون مكون مما ذكروا، مع أن ما لا يرونه وما لا يبصرونه من الكون أوسع وأعظم بملايين المرات مما رأوه، بل ما رأوه لا يعد شيئًا في مقابل ما لم يروه من الكون.
ثالثًا: أن المادة التي زعموا ميتة لا يمكن أن تصدر عنها الحياة، ومن المعلوم أن الكائنات المرئية على قسمين: كائنات حية، وكائنات ميتة جامدة، والمادة من ضمن الكائنات الميتة التي لا يمكن أن تصدر عنها الحياة، فمن أين جاءت الحياة؟؟
رابعًا: أن المادة التي زعموا غير عاقلة ولا مدركة لما حولها، إضافة إلى موتها فكيف يمكن أن يوجد منها ما هو عاقل ومدرك؟؟
خامسًا: أن المادة غير قادرة وليس لها إرادة، فكيف يمكن أن توجد ما هو قادر مريد، ففاقد الشيء لا يعطيه؟؟
سادسًا: أن هذه الدعوى باطلة ببديهة العقول من ناحيتين:
١ - أن المادة التي زعموا أنها أزلية لا يمكن أن تكون وجدت من لا شيء فهذا مستحيل، فلا بد لها من موجد أوجدها، وإلا تكون وجدت من لا شيء وهذا مستحيل معلوم بطلانه ببداهة العقول.
٢ - أن هذا الكون المنظم من أصغر ذرة فيه إلى أكبر جرم فيه لا بد أن يكون موجده أعظم منه وأكبر، وله صفات الكمال لأنه لا يمكن أن يوجد بهذا التنظيم وهذا الضبط بفعل حركة غير عاقلة، فإن الحركة التي لا يضبطها منظم لها لا يمكن أن يوجد منها شيء ذو معنى، كما لو وضعت حروف الهجاء في بطاقات ثم وضعتها في علبة وحركتها مئات بل ألوف الحركات فإنها لا يمكن
[ ٢٠٨ ]
بحال حين توقف الحركة أن تخرج لك منظومة شعرية ولا حكمة نثرية ولا خطبة ولا حتى جملة مفيدة، بل لا يخرج إلا تشويش وكلمات ليس لها معنى، هذا شيء ظاهر في أمر يسير، فما بالك بهذا الكون البديع والخلق العجيب، لا شك أن في كل ذلك دليلًا واضحًا على بطلان دعاوى أولئك الضلال ومن أخذ بأقوالهم، وهم في الحقيقة يكذبون على أنفسهم وإلا فوجوب وجود الخالق ﵎ من أوضح الواضحات.
وقد أقام الله ﷿ الحجة في ذلك بآية مكونة من كلمات معدودة وذلك قوله ﷿ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ الطور (٣٥ - ٣٦).
فإن كونهم خلقوا من غير شيئ مردود بداهة، وأوضح منه في البطلان أن يكونوا هم الخالقين، وأظهر منه بطلانًا أن يكونوا خلقوا السماوات والأرض، فإذا كان الإنسان وهو أقدر المخلوقات على الأرض، وأكرمها بما أعطاه الله من قدرة وإرادة وعقل وسمع وبصر وما إلى ذلك من الصفات والخلق العجيب، لم يخلق من غير شيء فإن تركيبه دال على حاجته إلى صانع، وهو كذلك لم يخلق نفسه لأنه خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، بل أُخرج من بطن أمه رغمًا عنه فكيف يكون خلق نفسه؟؟
وهو كذلك لم يخلق السماوات والأرض فلم يبق إلا أن يكون هناك خالقًا أوجد ذلك كله، وهذا الخالق لا بد أن يكون له من صفات الكمال والجلال ما يمكن أن يتأتى منه إيجاد هذا الكون، وهذا بديهة من البدهيات، فإن من رأى طائرة أو حاسبًا آليًا أو غير ذلك من المصنوعات الحديثة العجيبة فإنه يستدل بها على عظمة صانعها وأن لديه إمكانيات مالية وآلات ومواد دقيقة، وقدرات متعددة، فكذلك ولله المثل الأعلى هذا الكون دليل على كمال وعظمة وجلال موجده وخالقه.
[ ٢٠٩ ]
وهذا القول أعني: إنكار الخالق، ليس عليه إلا شرذمة قليلة من الفلاسفة الدهريين، وليس له أي صدى لدى المسلمين، بل إن جُلَّ بني آدم يستنكرونه ويردونه، فإن جميع أصحاب الأديان على خلافه، وحتى الدول الشيوعية الملحدة في هذه الأزمان إنما ملاحدتها هم الساسة ومن دار في فلك أحزابهم. أما الشعوب التي تحت حكمهم فهم ما بين نصارى ويهود ومسلمين يقرون بالخالق ويدينون له بدين.
القول الثاني: الوجوديون.
الوجوديون هم القائلون بوحدة الوجود، وأساس مذهبم يقوم على قول القائلين من الملاحدة: إن أصل هذا العالم هو المادة ولا يوجد فيه إلا ما هو جسم، فركب عليه القائلون بوحدة الوجود: إن هذا العالم تشيع فيه قوة حية هذه القوة الحية هي الله تعالى عن قولهم وأنه منبث في هذا الكون في كل ذرة من ذراته وهو القوة المصرفة له (^١).
وأول من ثبت عنه هذا القول برمنيدس (^٢) ثم قال بهذا الرواقيون (^٣) وعلى رأسهم زعيمهم زينون (^٤) وميلوس، ثم من أخذ بهذا من الرومان واليهود
_________________
(١) انظر: موسوعة الفلسفة ١/ ٥٣٩، ٢/ ٦٢٥، مبادئ الفلسفة ص ١٧١.
(٢) برمنيدس الإلياني: فيلسوف يوناني له قصيدة في الطبيعة، ادعى فيها التوحيد المطلق وعدم التغير وأزلية كل شيء كان نحو ٥٤٠ - ٤٥٠ ق. م. المنجد ص ١٢٧.
(٣) الرواقيون: نسبة إلى الرواق، الذي اتخذه زينون مقرًا له يجتمع فيه مع أصحابه في أثينا، فسموا رواقيين والرواقية فلسفة أخلاقية، ومن قولهم القول بوحدة الوجود. انظر: الموسوعة الفلسفية (ص ٢١٤).
(٤) زينون الأيلي هو مؤسس مذهب الرواقية وكان حيًا ما بين ٤٩٠ - ٤٣٠ ق. م. الموسوعة الفلسفية (ص ٢٢٦)
[ ٢١٠ ]
والنصارى مثل سبينوزا اليهودي (^١).
بيان بطلان قول الوجوديين من الفلاسفة:
قول الوجوديين من جنس قول الملاحدة السابق في عدم إثبات وجود لله ﷿ وجودًا متميزًا به عن سائر المخلوقات، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلًا، أما هؤلاء فقد زعموا أن وجود هذا الكون هو وجوده وهو ذاته تعالى الله عن قولهم، وهو قول لا نصيب له من الحق والهدى، وأوجه بطلانه هي أوجه بطلان الذي قبله. ويزاد عليها أيضًا:
١ - أن هذا فيه طعن في الله ﷿ وسب له هو من أقبح الطعن والسب له سبحانه حيث زعموا أنه تعالى عن قولهم هو هذه الموجودات بما فيها من طيب وخبيث وخير وشر، وجعلوه تعالى عن قولهم الناكح والمنكوح، والآكل والمأكول، والشارب والمشروب إلى غير ذلك من المعاني والأحوال المتضادة والمتناقضة، وقد عاب الله ﷿ من زعم أن الله هو المسيح بن مريم وكفره قال ﷿: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المائدة (٧٢).
كما عاب ﵎ من ادعى له الولد، وجعل هذا القول من أقبح القول وأفسده، واعتبره سبحانه سبًا شنيعًا له، ولم يكن لابن آدم أن يسب الله ﵎ أو ينتقصه قال ﷿ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ مريم (٨٨ - ٩٣).
_________________
(١) بنيركت أوباروخ سبينوزا يهودي هولندي من القائلين بوحدة الوجود توفي سنة ١٦٧٧ م. الموسوعة الفلسفية (ص ٢٣٧).
[ ٢١١ ]
فإذا كان ادعاء أن الله هو المسيح، وادعاء الولد له بهذه الشناعة والقباحة والاعتداء والظلم فلا شك أن ادعاء أن الله هو هذا الكون بكل ما فيه من طيب وخبيث أشد ظلمًا وبغيًا وقباحةً، ولا يعدو أن يكون قول سفيه أملاه عليه الشيطان وصور له هذه المقولة والدعوى وزينها له حتى نطق بذلك الإفك المبين.
٢ - إن هذا القول يلزم منه أن الله ﵎ يزيد بزيادة المخلوقات كما يلزم منه في نفس الوقت أنه ينقص ويفنى بنقص المخلوقات وفنائها.
٣ - يلزم من هذا القول أن الله ﵎ يموت ويحرق ويغرق ويتألم ويتأذى ويهان ﷾ ويصيبه كل ما يصيب المخلوقات عزيزها وذليلها.
٤ - أن هذا يلزم منه أن يكون المخلوق خالقًا لنفسه موجدًا لها، وهذا شيء يعلم كل إنسان من نفسه بطلانه، فهو كما سبق أن ذكرنا خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، بل إنه خُلِق وأُوجِدَ بغير إرادة منه واختيار، وإذا كان هذا حال الإنسان وهو ذو الإرادة والقدرة والقوة فغيره من المخلوقات من باب أولى.
٥ - أن هذا القول يلزم منه أن كل مخلوق صغير أو كبير، حقير أو جليل إله ورب، وجميع العقلاء يدركون بطلان ذلك من أنفسهم ببداهة العقول، إلا أن يكون من سفهاء بني آدم وطغاتهم مثل فرعون وأضرابه، ولا شك أن تصور هذا القول دال على بطلانه ومغن عن الرد عليه.
[ ٢١٢ ]